![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 116231 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
وَلَمْ تُبْصِرْهُ عَيْنُ بَاشِقٍ [7]. إن كان في قدرة الإنسان أن يستغل الأرض، فتنتج قمحًا ومزروعات لطعامه، وأن يستخرج من بطنها ومن صخورها الفضة والذهب والبترول والحجارة الكريمة، إلا أنه توجد حكمة أخرى لا تُعطى إلا لمن يطلبها، ألا وهي إمكانية التعرف على الأسرار الإلهية، خاصة سرّ التجسد الإلهي وسرّ الخلاص. فمهما تمتع الإنسان ببصيرة حادة كبصيرة كالنسور وغيرها من الطيور الحادة البصر، لن يستطيع أن يرى الأمور الإلهية بذاته. اختار الطيور الجارحة، لأنها تطير إلى مسافات بعيدة جدًا بحثًا عن الطعام، ويمكنها رؤية الفريسة وهي على ارتفاع شاهق، تنقض عليها ثم ترجع إلى عشها دون أن تضل الطريق، أو تخطئ في التعرف عليه حتى وإن كان شبيهًا بعشها. جاء في الترجوم الكلداني تفسيرًا لهذه العبارة، بأن الشيطان وهو يطير كطائر لم يرَ شجرة الحياة ولا تعرَّف عليها، وأيضًا عينا حواء لم تتطلع إليها، ولا سار بنو البشر نحوها، ولا اتجهت الحية نحوها . يرى البعضأن المهتم باستخراج المعادن له عينان تفوقان عيني النسر، يتطلع بهما إلى مسافات بعيدة تحت الأرض، فيعرف أماكن المعادن الثمينة، فينقب ويستخرجها. من أجل الغنى واقتناء الثروات لا يصعب على الإنسان أن يخترق طبقات الأرض خلال صناعة التعدين لينال فيضًا من المعادن النفيسة. ومن أجل الرغبة في الطعام لا يصعب على الأسود الكاسرة أن تتعرف على الطرق وسط الغابات والبراري لتقتنص فريسة لها ولصغارها؛ ولا تختفي عن بصيرة الطيور الجارحة الفريسة على أبعاد شاهقة، لكن تبقى أسرار الحكمة الإلهية خفية عن الإنسان دون نعمة الله الفائقة. الحكمة البشرية هبة طبيعية يقدمها الله للإنسان بدرجات تليق بكل أحد، كموهبة يتميز بها شخص عن آخر، أما الحكمة الإلهية فهي عطية تُقدم لمن يطلبها بإخلاص ويشتهيها. * حكمة هذا العالم غير حكمة الله. حكمة الله حقيقية، لا يصيبها ما يفسدها. حكمة العالم غبية، بالرغم من أن بساطة حكمة الله تجعل من ينالها كأنه غبي في عيني العالم. ينال المؤمنون هذه الحكمة الإلهية، وبهذا يُحسبون أغبياء لدى العالم . العلامة أوريجينوس القديسإكليمنضس السكندري |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116232 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
وَلَمْ يَسْلُكْهُ الأَسَدُ [8]. الأسد الفتى أو جرو الأسد يسير وسط الغابات والبراري كملكٍ للوحوش. وكأنه يعرف كل الطرق المخفية، ليس من حيوان يقدر أن يختفي عنه. متى جاع يعرف كيف يبلغ إلى فريسته، وكأنه مُلم بكل أسرار المنطقة. هكذا من يعمل في التعدين يخترق طرقًا يصنعها تحت الأرض، لم يدسها جرو أسد، ولا سلك فيها أسد ما. ومن يود أن يقتني حكمة الله "سرّ المسيح الفائق" يسلك بالروح القدس طريقًا فريدًا لا يقدر كائن ما أن يبلغه بذاته، ولو كان ملكًا عظيمًا صاحب سلطان وله قوة وقدرة فائقتين! مسيحنا هو الطريق، إذ نسلك فيه نصير كأسود روحية، ملوك وكهنة لله أبيه (رو 1: 6). * يُعدد بولس نوعين أو ثلاثة أنواع من الحكمة (1 كو 1: 20-25). أولًا توجد حكمة تلك التي يدعوها العالم جهالة، وهي حكمة أعظم من الحكمتين الأخريين. أيضًا توجد الحكمة الممنوحة للبشر، التي بها نتعقل ونعمل، وبها نتقدم ونبتكر، وبها نعرف الله. أخيرًا يُوجد نوع ثالث من الحكمة حيث التأمل في الخليقة. الحكمة التي يحسبها العالم جهالة تُوهب لنا بواسطة المخلص، حتى أن الشعب الذي يعرف الله بالحكمة الطبيعية والذي ينقاد إليه بالتأمل في نظام الخليقة يمكنه أن ينال الخلاص الأمر الذي لا يمكن نواله بالنوعين السابقين من الحكمة، إذ لا يستطيعان إنقاذهم من الخطأ. الأب ثيؤدورت أسقف كورش القديس إكليمنضس السكندري |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116233 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
يَقْلِبُ الْجِبَالَ مِنْ أُصُولِهَا [9]. إذ يتحدث أيوب عن سرّ المسيح الفائق، بكونه حكمة الله، رأى عجبًا. رأى السيد المسيح بحبه وقدرته وحكمته يمد يده على الصليب ليحتضن الأمم التي صارت كالصّوّان الصلد، فيقيم من الحجارة أبناء لإبراهيم، أو أبناء للإيمان. لا تقف أمامه أصول الجبال الشامخة، أي أصحاب السلاطين الزمنية. ببساطة الصليب، حكمة الله، التي يحسبها العالم الوثني جهالة، ويحسبها اليهود عثرة، اقتنص الرب الفلاسفة وأصحاب السلطان. وكما يقول الرسول بولس: "اختار الله جُهال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم والمُزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود" (1 كو 27-28). * لم يستطع الفلاسفة أن يحققوا ما حققه أناس قليلون أميون، ألا وهو هداية العالم كله. تحدث الفلاسفة عن تفاهات ولم يقنعوا سوى قلة قليلة. وتحدث الرسل عن الله والبرّ والدينونة وهدوا أعدادًا كبيرة . * بتعبيرات بشرية يستحيل على صيادي سمك أن يقنصوا فلاسفة، لكن هذا هو ما حدث بقوة نعمة الله. القديس يوحنا الذهبي الفم ولكن بماذا نفهم هنا الجبال سوى أصحاب السلطة في هذا العالم، الذين ينتفخون في عظمة من أجل كيانهم الأرضي؟ يقول عنهم المرتل: "ألمس الجبال، فتدخن" (مز 5:144). أصول (جذور) الجبال هي أفكارهم العميقة بالكبرياء. تسقط الجبال من جذورها، لأن عبادة الله تنزل بسلاطين العالم إلى الأرض، تحطم أفكارهم الدنيئة. البابا غريغوريوس (الكبير) تقول كل من هذه الفقرات إن الماء الحي هو الطبيعة المقدسة، لذلك جاز للنشيد أن يسمي العروس بصدق بئر ماء حي يفيض من لبنان. هذا في الحقيقة يتعارض مع ما هو معروف، فالآبار عادة تحتوي مياه ساكنة، وأما العروس فعندها مياه جارية في بئر عميق، ومياهها تفيض باستمرار. من يقدر ويستحق أن يفهم العجائب الممنوحة للعروس؟ يتضح أنها قد وصلت إلى أقصى ما تتمناه، فقد قورنت بالجمال الأبدي الذي منه نشأ كل جمال. وفي نبعها تشبه نبع عريسها تمامًا، وحياتها بحياته، وماؤها بمائه. إن كلمته حية، وبها تحيا كل نفس تستقبله. هذه المياه تفيض من الله كما يقول ينبوع المياه الحيّة: "لأني خرجت من قبل الله وأتيت" (يو 42:8). تحفظ العروس فيض مائه الحي في بئر نفسها، وتصبح بيتًا يكنز هذه المياه الحيّة التي تفيض من لبنان، أي التي تكوّن سيولًا من لبنان، كما يقول النص. لقد أصبحنا في شركة مع الله بامتلاكنا هذه البئر، حتى نحقق وصية الحكمة (أمثال 17:5، 18)، ونشرب مياها من بئرنا، وليست من بئرٍ آخر. نتمتع بهذا في المسيح ربنا له المجد والعظمة إلى الأبد آمين. القديس غريغوريوس النيسي |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116234 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
وَعَيْنُهُ تَرَى كُلَّ ثَمِينٍ [10]. يقف أيوب متعجبًا من قدرة المخلص ومحبته، فهو الذي يهب للإنسان الذي صار كالصخرة أن تتفجر في داخله ينابيع مياه حية، وفي نفس الوقت يتطلع إلى الإنسان لا في استخفاف ولا لإدانته على قلبه الحجري، وإنما كأيقونة حيَّة له، ثمينة جدًا في عينيه. إنه يُزيل عن الإنسان قسوة قلبه الحجري، ويقيم منه قلبًا مملوء حبًا. يرى البعض أنه في صناعة التعدين يشقون مجاري مياه في الصخور، فتنكشف لهم عروق المعادن التي يقومون باستخراجها. * "ينقر مجاري (مياهًا) في الصخور". يشق في قلوب الأمم القاسية أنهار الكرازة. بنفس الطريقة يتحدث النبي عن ارتواء براري الأمم: "يجعل القفر غدير مياه، وأرضًا يابسة ينابيع مياه" (مز 35:107). كذلك يعد الرب في الإنجيل: "من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي" (يو 38:7). ما سمعناه كوعدٍ قد تحقق الآن. ألا ترون كيف أن الكارزين القديسين قد فاضوا كينبوعٍ من اليهودية من خلال الكنيسة الجامعة المنتشرة في العالم كله كمجاري للوصايا السماوية، تفيض بغزارة من أفواه الأمم. هذا لأنه قد نقر مجاري في الصخور؛ أفاض من القلوب القاسية نهر الكرازة المقدسة. "وعينه ترى كل ثمين" [10]. إنه لأمرٍ يلزم على وجه الخصوص أن يُوضع في الذهن، أن كل نفس منفردة تُحسب بالأكثر ثمينة في نظر الله، قدر ما تحتقر نفسها من أجل حبها للحق. "أليس إذ كنت صغيرًا في عينيك، صرت رأس أسباط إسرائيل؟" (1 صم 17:15)... وعلى العكس من يحسب في نفسه أنه ثمين للغاية يتصاغر جدًا عند الله... "إنه يرى المتواضع، أما المتكبر فيعرفه من بعيد" (مز 6:138). لذلك "ترى عينه كل ثمين". في الكتاب المقدس يُستخدم تعبير "الله يرى" عوض "الله يختار"، كما جاء في الإنجيل: "لأنه يختار المتواضعين." اختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء" (ا كو 27:1). لقد "رأى ما هو ثمين" عندما افتقد النفس البشرية وهي تستخف بذاتها، متمتعة باستنارة نعمته. يُقال عن هذه النفس بالنبي: "إن أخرجت الثمين من المرذول، فمثل فمي تكون" (إر 19:15) . فإن العالم الحاضر مرذول من الله، أما نفس الإنسان فثمينة عنده. من يعزل الثمين من المرذول يُدعى "مثل فم الله"، لأن الله يقدم كلماته لهذا الإنسان. البابا غريغوريوس (الكبير) القديس أمبروسيوس فماذا إذن يعني: "من آمن بي كما يقول الكتاب"؟ هنا يلزمنا أن نتوقف فقد يكون القول: "تجري من بطنه أنهارًا" تأكيد أنه عن المسيح. فكثيرون قالوا: "هذا هو المسيح"، و"عندما يأتي المسيح، هل يصنع معجزات أكثر"؟ إنه يظهر الحاجة إلى معرفة صحيحة، وأن يقتنعوا لا من المعجزات بل من الكتاب... لقد سبق فقال: "فتشوا الكتب" (يو 5: 39) وأيضًا: "مكتوب في الأنبياء"، و"يكون الكل متعلمين من الله" (يو 6: 45)، "موسى يشكوكم" (يو 5: 45)، وهنا يقول:" كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار"، ملمحًا نحو عظمة النعمة وفيضها... وقد دعاها في موضع آخر "حياة أبدية" أما هنا فيدعوها "أنهار ماء"... فإن نعمة الروح إذ تدخل الذهن وتقيم، تفيض أكثر من أي ينبوع. إنها لن تتوقف ولن تفرغ... فلكي يعني إنها تقدم عونًا لا ينضب، وفي نفس الوقت طاقة لا تخيب، دعاها "بئرًا" وأنهارًا، ليست نهرًا واحدًا، بل هي أنهار لا تُحصى. يمكن للشخص أن يدرك بوضوح ما تعنيه إن وضع في اعتباره حكمة اسطفانوس ولسان بطرس وغيرة بولس. القديس يوحنا الذهبي الفم ولمن أُعطى السلطان على كل الطبيعة ومخلوقاتها ليختصها لذاته؟ إنه لشرف أصيل يكلل جبينه، ويسمو به إلى السماء، فوق الكواكب، أرفع من الشمس تشامخًا وعزة... ومع أنه أوضع منزلة من الملائكة لارتباطه بجسدٍ ماديٍ فقد وُهب قوة لفهم ومعرفة ربه وخالقه. القديس باسيليوس الكبير |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116235 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
وَأَبْرَزَ الْخَفِيَّاتِ إِلَى النُّورِ [11]. تعبير شعري عن رعاية الله للإنسان، فإذ يشق الإنسان مجاري مياه وسط الصخور لممارسة التعدين، يحفظ الله حياة الإنسان فلا يسمح لهذه المجاري أن تنشع، فيسقط جدار المنجم أو سقفه، كما يسند الإنسان في معرفته للمعادن المخفية في المناجم تحت الأرض. يقدم البابا غريغوريوس (الكبير) تفسيرًا رمزيًا لهذه العبارة، إذ يرى في هذه الأنهار فيض من تعاليم الآباء الأولين. * "يفحص أعماق الطوفان، ويبرز الخفيات إلى النور" [11]. ما هي تلك التي تدعى طوفانًا إلا أقوال الآباء القدامى؟ من يستطيع أن يقَدر الفيض الشديد الصادر عن صدر موسى نفسه عندما كان يقدم الناموس؟ أي فيض عظيم صدر عن قلب داود؟ أية مجاري مياه فاضت من شفتي سليمان وشفاه كل الأنبياء؟ البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116236 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
وَأَيْنَ هُوَ مَكَانُ الْفَهْمِ؟ [12] إن كانت كنوز المعادن الثمينة مخفية تحت الأرض، فكم بالأكثر حكمة الله. من يستطيع بنفسه أن يدرك أين هي، ومن أين يقتني الفهم الحقيقي. الحكمة هي الكنز المخفي داخل الإنجيل، لا يقدر إنسان أن يتمتع بها ما لم يشرق روح الله بنوره عليه، فيكشف له أسرار الكلمة. * الحكمة الحقيقية هي الإنجيل، وسيلة الخلاص خلال صليب المسيح. القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116237 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
لاَ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ قِيمَتَهَا، وَلاَ تُوجَدُ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ [13]. الحكمة هي الاقنوم الثاني "حكمة الله"، الذي لا يمكننا ونحن بعد في الجسد أن ندرك أعماق سرّ الحكمة، ونتعرف على شخص الحكمة، إذ هو في حضن الآب، تجسد ليلتقي بنا ونحن نلتقي به في عالمنا. * لا يعني بولس هنا (1 كو 2: 7) أنه يُخبر بأمورٍ سرية وألغاز، وإنما الرسالة التي يكرز بها كانت قبلًا مخفية . الأب ثيؤدورت أسقف كورش القديس أمبروسيوس الأب أمبروسيا ستر البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116238 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
الْغَمْرُ يَقُولُ: لَيْسَتْ هِيَ فِيَّ، وَالْبَحْرُ يَقُولُ: لَيْسَتْ هِيَ عِنْدِي [14]. كأن الطبيعة بكل ما فيها من إبداع وجمال وإمكانيات تحاور الإنسان، وتوجه نظره إلى الخالق كمصدر الحكمة الحقيقية، فلا يطلبها الإنسان من الطبيعة ولا من الكتب ولا من الأحداث، وإنما من الله نفسه. يرى القديس أغسطينوس أن الله جعل الحكمة مخفية، ليس لأنه يُريد أن يحرمنا منها، بل لكي يشوقنا إليها فنطلبها بجدية. *"الغمر يقول ليست هي فيٌ، والبحر يقول ليست هي عندي" [14]. كثيرًا ما يشخصن الكتاب المقدس أمورًا كثيرة جامدة كمثال: "البحر يقول: ليست هي عندي" وهكذا. "العمق يقول: ليست هي فيٌ"، "السماوات تعلن مجد الله" (مز 1:19). وأيضًا يصدر الأمر إلى السيف (زك 7:13)، وتُسأل الجبال والتلال عن وثبها بمرحٍ (مز 6:114). إننا لا نتذرع بأي واحدٍ منهم، وإن كان بعض سلفائنا استخدموها كبرهانٍ قويٍ. لنحسب أن هذا التعبير قد اُستخدم عن مخلصنا نفسه، الحكمة الحقيقية. الأب غريغوريوس النزينزي مرة أخرى عندما قال بأن ثمنها غير معروف بواسطة إنسان [15]، ثم أكمل: "لا يُعطي ذهب خالص بدلها" لم يظهر ما هو ثمنها، بل ما هو ليس بثمنها. فمن الواضح للكل أن هذه الحكمة لا يمكن لإنسانٍ أن يجدها في موضعٍ ما، ولا أن يشتريها بالغنى. لكن الإنسان القديس إذ هو مملوء بأفكار سرائرية ينطلق بنا لاكتشاف أمورٍ أخرى، فلا يطلب حكمة مخلوقة، بل الحكمة الخالق. فإننا ما لم نبحث الأعماق المخفية للرمزية في هذه الكلمات، بالتأكيد ما يُنطق به يكون غير ذي قيمة، إن كانت تُفسر من الجانب التاريخي وحده... هكذا إذن ما هي الحكمة التي يتأملها الإنسان القديس سوى ما يقوله بولس الرسول: "المسيح قوة الله، وحكمة الله" (1 كو 24:1)؟ كتب عنها سليمان: "الحكمة بنت بيتها" (أم 9: 1). ويقول عنها المرتل: "في الحكمة خلقت كل شيء" )مز 24:104). عن هذه الحكمة عينها "لا يعرف الإنسان الثمن"، إذ لا يجد شيئًا يمكن به أن يقدرها... ليس من وسيلة للحصول عليها... ماذا نعطي لكي نتأهل لنوال هذه الحكمة، التي هي المسيح؟ فإننا بالنعمة نحن مخلصون... فالإنسان يستحق شيئًا واحدًا في طريق العدالة (وهو الموت)، وينال شيئًا آخر بخصوص النعمة... يقول بولس: "ونحن بعد خطاة مات المسيح في الوقت المعين لأجل الفجار" (رو 8:5، 6). إذن نحن الذين وُجدنا فجارًا، عندما جاء الحكمة، أي شيء صالح قدمناه لكي ننال به هذه الحكمة؟ "لا يعرف إنسان ثمن هذه الحكمة"... "لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله، ليس من أعمالٍ، كيلا يفتخر أحد" (أف 8:2-9). ويتكلم عن نفسه قائلًا: "ولكن بنعمة الله أنا ما أنا" (1 كو 10:15). * إلى ماذا يشير "البحر" إلا إلى الأذهان الدنيوية التي تعاني من الاضطراب المر، فتدخل في عداوة مع الغير في غباوة، وتنطلق بالعداوة من نحو شخصٍ إلى آخر بالتناوب، وتحطم الأذهان بعضها البعض، مثل أمواج تصطدم بعضها ببعضٍ. بحق تدعى حياة الأشخاص الدنيويين بحرًا، لأنها في حالة هياج بواسطة العواصف المثيرة، فتُحرم من الهدوء وثبات الحكمة الداخلية. على نقيض هذا حسنًا قيل بالنبي: "على من يستقر روحي، إلا على المتواضع والهادئ والمرتعب من كلامي" (راجع إش 2:66)... يدعونا الرب ونحن في جراحات الاضطراب هذا، قائلًا: "تعالوا إلىٌ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم" (مت 28:11-29). أي شيء منهك أكثر من أن يكون الإنسان محمومًا بالشهوات الأرضية؟ أو أي شيء أكثر راحة هنا من ألا يشتهي الإنسان شيئًا من هذا العالم؟ لهذا السبب تسلم الإسرائيليون حفظ السبت كهبة... فإن الشعب الذي يتبع الله يتقبل السبت - أي راحة الروح - بعدم الارتباك بهذه الحياة، وذلك بعدم الانهماك في الملذات الجسدية... لكن كيف يمكننا أن نعرف أن أغلب الآباء القدامى تمسكوا بهذه الحكمة في حياتهم الداخلية، بينما من الخارج كانوا يديرون شئون العالم؟ هل نحسب يوسف محرومًا من نوال هذه الحكمة الذي في وقت المجاعة أُلقى على عاتقه شئون كل مصر، ليس فقط لتدبير احتياجات المصريين فقط، وإنما بمهارته الفائقة اهتم بحفظ حياة الشعب الغريب أيضًا القادم إليه؟ هل كان دانيال غريبًا عن هذه الحكمة، هذا الذي لما أُقيم رئيسًا على الحكام بواسطة ملك الكلدانيين في بابل كان مشغولًا بمسؤوليات عظيمة...؟ إذن من الواضح غالبًا حتى الصالحون ينشغلون بالتزامات أرضية دون ارتباك... هؤلاء الذين لهم هذا الهدوء، مهما كانت متاعب أعمالهم الخارجية لن تدخل هذه المتاعب إلى أعماقهم الداخلية... فإن قلوبهم مملوءة بهذه الحكمة، فلا ترتبك ولا تضطرب... الأذهان المضطربة بالأمور العالمية تصرخ لمجرد عدم هدوئها وعزلها عن الحكمة الحقيقية. البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116239 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
لاَ يُعْطَى ذَهَبٌ خَالِصٌ بَدَلَهَا، وَلاَ تُوزَنُ فِضَّةٌ ثَمَنًا لَهَا [15]. لما كانت حكمة الله هو أقنوم الكلمة، لذا فإن من يقتنيها إنما يقتني الخالق نفسه, فليس من وجه للمقارنة بينه وبين المخلوقات مهما كانت قيمتها. * إلى ماذا يشير الذهب الخالص إلا إلى الملائكة الذين بحقٍ يدعون ذهبًا خالصًا. فهم ذهب، لأنهم يشرقون ببهاء البرّ، وذهب خالص لأنه لم يصبهم قط أي دنس للخطية، أما بالنسبة للبشر فطالما هم في الجسد القابل للفساد وخاضعون للموت، يمكن أن يكونوا ذهبًا، لكن لا يُمكن أن يكونوا ذهبًا خالصًا. "الجسد الفاسد يثقل النفس، والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم" (حك 15:9). فإنهم حتى في هذه الحياة قد يشرقون ببهاءٍ فائقٍ للبرّ، ومع هذا فلن يتخلصوا تمامًا من زغل الخطايا. يشهد الرسول يوحنا لهذا بقوله: "إن قلنا إننا بلا خطية نضل أنفسنا، والحق ليس فينا" (1 يو 8:1). يؤكد يعقوب ذلك، قائلًا: "فإننا في أمورٍ كثيرةٍ نعثر جميعنا" (يع 2:3). بنفس الطريقة يتوسل النبي، قائلًا: "لا تدخل في المحاكمة مع عبدك يا رب، فإنه لن يتبرر قدامك إنسان" (مز 2:143). فالحكمة تُعلن عن نفسها بذاتها، حتى يمكن للجنس البشري أن يخلصوا من الخطية. لا يُرسل ملاك عوض الحكمة، إذ من الضروري أن يتحرر المخلوق بواسطة الخالق. هكذا يقول الرب في الإنجيل: "إن حرركم الابن، فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو 36:8). لكن الرجل القديس (أيوب) إذ امتلأ بروح هذه الحكمة سبق فرأى أن اليهودية يصير بها من يضعون رجاءهم في صاحب الشريعة، ويجعلون من موسى مصدر خلاصهم، إذ نطقوا بالشر حتى مع ذاك الذي شُفي: "أنت تلميذ ذاك، وأما نحن فإننا تلاميذ موسى" (يو 28:9). البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 116240 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
لاَ تُوزَنُ بِذَهَبِ أُوفِيرَ، أَوْ بِالْجَزْعِ الْكَرِيمِ، أَوِ الْيَاقُوتِ الأَزْرَقِ [16]. جاء في الترجمة السبعينية: "لا تُقارن بألوان الصبغة في الهند". ويرى البابا غريغوريوس (الكبير)أن حكمة الله لا تشوبها زخرفة البلاغة، فإنها تكون مبهجة كثوبٍ بلا صبغة. لقد استخف بولس بالصبغة بقوله: "التي تتكلم بها أيضًا، لا بأقوال تُعلمها حكمة إنسانية، بل بما تُعلمه الروح القدس" (1 كو 13:2). فقد اختار الرسول أن يستخدم هذه الحكمة في بساطة الحق النقي وحدها، ولكن دون أن يلطخها بصبغة الكلام. |
||||