![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 112571 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() عتاب مع الله لِمَاذَا آخُذُ لَحْمِي بِأَسْنَانِي، وَأَضَعُ نَفْسِي فِي كَفِّي؟ [14] لعل أيوب يود أن يبرز رغبته في الشهادة للحق تحت كل الظروف، ليس فقط عندما مُزق بسبب كوارثه، وإنما حتى إن مزق جسمه بأسنانه، وإن وضع نفسه على كفه ليسلمها للموت، هذا كله لن يجعله يصمت عن الكشف عن براءته في الرب، وعن خطأ تفسير أصدقائه للأحداث. * إنها تعني: لماذا أدين نفسي بطريقة صارمة أمام البشر، أو أظهر ما يميل إليه قلبي مادام هذا ليس فيه بنيان قريبي، سواء بإدانة شروري أو إبراز صلاحي؟ البابا غريغوريوس (الكبير) القديس يوحنا الذهبي الفم الأب هيسيخيوس الأورشليمي كأن أيوب وقد أراد أن يأخذ الأمور الخارجية (لحمه) بمفاهيم روحية، يمضغها بأسنان روحه ليتمتع بالملذات الروحية التي لا يقبلها أصدقاؤه، لأنهم يطلبون مجد العالم وملذات الجسد. يقاومونه ويطلبون هلاكه، لأن الجسدانيين لا يطيقون الروحيين. هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئًا. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ [15]. اعتزم أيوب على التمسك بطريقه، ولم يشأ قط أن يتخلى عن الراحة التي وجدها في السير باستقامة مع الله مهما بلغت ضيقاته، ولو إلى الموت. فيقول مع حزقيا: "آه يا رب. أذكر كيف سرت أمامك بالأمانة وبقلبٍ سليم؟" (2 مل 20: 3). حتى وإن دفعت بي التجارب إلى قتلي، فإني أبقى واثقًا فيه، أو مملوء رجاءً فيه، لكي أتزكى أمامه. إني صديقه وهو صديقي، لن أتخلى عن الالتصاق به، حتى وإن بدا كعدوٍ لي يسلمني للتجارب حتى الموت. * "وإن كان يقتلني إلا إني أثق فيه" [15]... يكون الإنسان بالحق صابرًا عندما تحلّ به الكوارث... بهنا يتميز الذهن البار عن الشرير؛ ففي وسط الضيق، يعرف الأول أن المجد لله القدير لا يهتز مع الأحداث العالمية، فلا ينهار مع انهيار المجد الخارجي، بل بالحري يؤكد أنه يكون أكثر قوة عندما يفقد الخيرات الزمنية. البابا غريغوريوس (الكبير) * الإنسان المحب الملتصق بالله على الدوام لا تؤذيه الأمواج مهما كثرت، بل على العكس يخرج منها بقوةٍ جديدةٍ. أما الإنسان الضعيف المتخاذل فإنه يسقط كثيرًا حتى ولو لم يوجد ما يضايقه. القديس يوحنا الذهبي الفم العلامة أوريجينوس فَهَذَا يَعُودُ إِلَى خَلاَصِي، أَنَّ الْفَاجِر َ(المرائي) لاَ يَأْتِي قُدَّامَهُ [16]. لا يقصد هنا الخلاص الوقتي، فقد كان رجاؤه في الخلاص من تجاربه في هذا العالم وعودته إلى ما كان عليه يكاد يكون معدومًا، لكنه يترجى خلاصه الأبدي حيث يلتقي مع الله، ويراه وجهًا لوجه. أما سرّ ثقته في خلاصه الأبدي، فهو أنه يعلم بأن علاقته بالله ليس فيها رياء ولا انحراف، فالله لا يلتصق بالمرائيين، ولن يسمح لهم بالوقوف أمامه يتمتعون بمجده. * "فإن المرائي (الفاجر) لا يأتي قدامه" [16]... يلزمنا أن نضع في أذهاننا أننا نأتي أمام الرب بطريقين. نحاسب أنفسنا على معاصينا هنا ونحكم عليها أمامه ونعاقبها بالبكاء. فإننا في أي وقت نذكر إدراكنا لقوة خالقنا، نكون كمن يقف أمامه. هكذا حسنًا قال إيليا رجل الله: "حي هو الرب إله إسرائيل الذي أقف أمامه. والطريق الآخر هو أن نأتي أمام الله عندما نُحضر أنفسنا أمام منبره فقط في الدينونة الأخيرة. هكذا فإن المرائي - في الحساب الأخير - يأتي أمام الديان، لكنه إذ يغمض عينيه عن التطلع إلى خطاياه هنا وانتحابها، يرفض أن يأتي أمام الرب.... وإذ يفسد ذهنه بكلمات المديح الموجهة إليه، لن يستدعيه للتعرف على الخطية، ولا يدرك أنه يعارض الديان الداخلي، ولا يخشى حزمه... بهذا لا تتجه عيناه إلى حزم الله، إذ يطمع في أن يبهج عيون الناس. * "لكنني أوبخ طرقي قدامه، سيكون هو خلاصي" [15] يقول بولس الرسول: "لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حُكم علينا" (1 كو 11: 31). يكون الرب خلاصنا قدر ما نوبخ خطايانا بمخافة الله. البابا غريغوريوس (الكبير) القديس أغسطينوس القديس باسيليوس الكبير القديس ميليتو أسقف ساردس إن كان أحد يهرب بالرياء لئلا يُكتشف أمره، فإلى حين، إذ لا يدوم كثيرًا، بل ينكشف كل شيء، فيجلب على صاحبه عارًا. وهكذا يكون أشبه بامرأة قبيحة المنظر، تُنزَع عنها زينتها الخارجيَّة التي وُضعت لها بطرق صناعيَّة. الرياء إذن غريب عن القدِّيسين، إذ يستحيل أن يفلت شيء مما نفعله أو نقوله من عيني اللاهوت، إذقيل: "ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لا يُعرف" (لو 12: 2). فإن كانت كل كلماتنا وأعمالنا ستُعلن في يوم الدينونة، فالرياء مُتعب وبلا منفعة. يليق بنا أن نتزكَّى كعابدين حقيقيِّين نخدم الله بملامح صادقة وصريحة . القديس كيرلس الكبير سَمْعًا اسْمَعُوا أَقْوَالِي، وَتَصْرِيحِي بِمَسَامِعِكُمْ [17]. يعود فيدعوهم أن يكفوا عن الاتهامات ويصغوا بآذانهم، حتى يتمتعوا معه باللقاء مع الله خلال الإخلاص والنقاوة والحب. يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أيوب يكرر كلمة "اسمعوا"، إذ يريدهم ألا يسمعوا بأذانهم الخارجية فحسب، وإنما أن ينصتوا بأذانهم الداخلية أيضًا حتى يفهموا أعماق كلماته بطريقة روحية. هَأنَذَا قَدْ أَحْسَنْتُ الدَّعْوَى. أَعْلَمُ أَنِّي أَتَبَرَّرُ [18]. إنه ليس في حاجة إلى شهادتهم، فقد أحسن الدعوى أمام الله، وقدم له إخلاص ضميره ونقاوة قلبه فيتمتع بالبراءة خلال نعمة الله. * "ها أنا قريب جدًا من حكمي، أعلم إنني سأوجد بارًا". هذا هو الحكم الذي يقال عنه في سفر آخر: "سيظهر برَّكم كالنور، وحكمكم كالظهيرة". لكنه لم يقل: "أنا بالفعل هكذا"، بل "أنا قريب جدًا". فإن كان حكمه الذي يعنيه لم يكن هكذا كما اختبره، إنما سيكون هكذا في اليوم الأخير، حيث يُدان الكل، فيوجدون أبرارًا هؤلاء الذين يصلون بإخلاص: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر نحن لمن لنا عليهم" (مت 6:12). فخلال هذه المغفرة يوجدون أبرارًا، إذ تُمحى الخطايا التي ارتكبوها هنا وذلك بأعمال المحبة التي مارسوها (بغفرانهم للغير). القديس أغسطينوس * "أنا أعرف إنني سأظهر بارًا"، فإنني قد تممت كل الناموس، ونفذت كل الوصايا. لم أبالِ بخطاياي غير المعروفة، وتلك التي ارتكبتها بإرادتي، فقد غسلتها بالصلاة والدموع. "إني أعرف إنني سأظهر بارًا". بالرغم من أن العدو يرغب في إخفاء بري بإثارة أصحابي لاتهامي، فإنني حتى في هذا سأظهر بارًا، بينما حجاب هذه الحياة الحاضرة سيُفتح، بينما سُحب حال هذه الحياة فاسدة، لكنني حتى الآن أظهر بارًا مادام صبري قائمًا حتى النهاية، وسأظهر شجاعة في التجارب حتى المنتهى. الأب هيسيخيوس الأورشليمي مَنْ هُوَ الَّذِي يُخَاصِمُنِي، حَتَّى أَصْمُتَ الآنَ، وَأُسْلِمَ الرُّوحَ؟ [19] في يقين بمراحم الله المتسعة للمؤمنين المخلصين لا يبالي بخصومتهم، ولا يخشى التأديب الإلهي، إنما في طمأنينة يسلم روحه ويجد راحة أبدية. يقدم لنا أيوب صورة حية للمسيحي الذي يتمتع برؤيا صادقة لعمل الصليب في حياته، كيف حرره من إبليس خصمه، وشهَّر به، فصار العدو تحت قدميه. بهذا لا يخاف منه ولا يرتعب، بل يسخر به. * إذ رأى في تصرفاته الخارجية ليس من إمكانية لأن يلومه أحد لهذا بكل حرية يتطلع نحو أي متهم له. البابا غريغوريوس (الكبير) إذ تهلك قواهم ويفشلون في صراعهم معنا، نقول: "فليخزَ وليخجل الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء ويخز المسرورون بأذيتي" (مز 40: 14). وأيضًا يقول إرميا: "ليخز طارديّ ولا أخزَ أنا، ليرتعبوا هم ولا أرتعب أنا، أجلب عليهم يوم الشر واسحقهم سحقًا مضاعفًا" (إر 17: 18)، إذ لا يقدر أحد أن يشك في أنه متى انتصرنا عليهم يهلكون هلاكًا مضاعفًا. الأب سيرينوس القديس مقاريوس الكبير حتى إلى هذا الحد، ليس للشيطان أي سلطان أن يحرك أفكارنا وإلا ما كان يرحمنا بل كان يدس لنا كل أنواع الأفكار الشريرة ولا يسمح لنا بأي صلاح. إنما قدرته محصورة في مجرد تقديم مشورة كاذبة في بدء كل فكر، ليختبر أي جهة يميل إليها قلبنا: هل يميل إلى مشورته أم إلى مشورة اللّه؟ لأنهما نقيضان. القديس مرقس الناسك القديس بفنوتيوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112572 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() صرخة لوقف التأديب إِنَّمَا أَمْرَيْنِ لاَ تَفْعَلْ بِي، فَحِينَئِذٍ لاَ أَخْتَفِي مِنْ حَضْرَتِكَ [20]. مع ما حلٌ بأيوب، فإنه لا يريد أن يختفي من وجه الله مثل أبيه آدم، وإنما يريد أن يتراءى في حضرته. مع اعتراف أيوب في أكثر من موضع بخطاياه إلا أنه يريد أن يكون دومًا مع الله. "أعلمني ذنبي وخطيتي، لماذا تحجب وجهك، وتحسبني عدوًا لك؟" (أي 24:13). اشتهى أيوب أمرين بهما يقف في حضرة الديان، لا في خوفٍ من محاكمة، بل كخالق محبٍ لمؤمنيه. هذا ما يدفعه للشوق إلى الوقوف أمام الله، وعدم الرغبة في الاختفاء من حضرته كما فعله أبوانا الأولان حين ظنا أن ظلال شجرة التين تخفيهما عن خالقهما. ولكن ما هما هذان الأمران؟ أشار إليهما في العبارة التالية [21]. يقول الله نفسه بالنبي: "أنا الله القريب، ولست الله البعيد." (إر 23: 23 LXX) الأب ثيؤدورت أسقف قورش القديس غريغوريوس النيسي المدعو ديونيسيوس الأريوباغي القديس ميليتو أسقف ساردس أَبْعِدْ يَدَيْكَ عَنِّي، وَلاَ تَدَعْ هَيْبَتَكَ تُرْعِبُنِي [21]. ربما عني بالأمرين الآتي: 1. "أبعد يدك عني": ربما طالبه لا أن ينزع التجربة عنه، بل أن يخففها. ففي تخفيفها يجد فرصته للهدوء، والتحرر من الانزعاج، فيتفرغ للحديث مع الله. فهو لا يطلب تخفيف آلامه لكي يفتخر أمام أصدقائه أنه ليس بشريرٍ كما ادعوا، وأن ما يشغله هو الوقوف في حضرة الله. 2. يعلم أيوب هيبة الله، هذه المهابة مبعث فرح وبهجة للمؤمن الأمين وليست مبعث رعب! * "محتاج إلى أمرين، عندئذ لا أخفي نفسي عن وجهك" [20] ما هما الأمران الذي يحتاج إليهما أيوب من الله؛ هذان اللذان كما يقول إن نالهما لا يخفي نفسه عن وجه الديان؟ "أمسك يدك عني، ولا تدع خوفك يرعبني" [21]... عن هذا قال داود: "انزع ضرباتك عني، لقد هزلت بسبب قوة يدك" (مز 39: 10)... أنت غير الفاسد، وأما أنا ففاسد (رو 1: 23). أنت هو السيد، وأنا عبد، كمصارعٍ تحت التمرين، كجنديٍ مسلح. أنت تتكلم، وأنا أجاوب، ليس في جسارة أعارض، بل رغبة في نوال الحكمة، وأن أتعلم خلال الكلام والاستماع. الأب هيسيخيوس الأورشليمي ثُمَّ ادْعُ فَأَنَا أُجِيبُ، أَوْ أَتَكَلَّمُ فَتُجَاوِبُنِي [22]. بهذين الأمرين يوجد في حضرة الله، ويدخل في حوار ممتع. يتكلم الله وأيوب يجيب، ويتكلم أيوب، والله يحجب. هذا هو الحب المشترك بين الله ومؤمنيه. هذه هي الدالة العجيبة التي لنا حين تقف أمام عرش النعمة الإلهية. * "لتدعوني وأنا أجيب، أو دعني أتكلم، وأنت تجيبني"... دعوة الله لنا هي تقديره لنا بالحب واختياره لنا، وإجابتنا نحن هي خضوعنا بالطاعة لحبه بالأعمال الصالحة... من يركض لاهثًا مشتاقًا إلى العالم الأبدي يفحص أعماله، يضع في نفسه أن يعمل بدقة عظيمة، ويفحص نفسه تمامًا لئلا يوجد فيه شيء يكون به معارضًا وجه خالقه. البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112573 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() لماذا تحجب وجهك عني؟ كَمْ لِي مِنَ الآثَامِ وَالْخَطَايَا. أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي [23]. الآن إذ يقف في حضرة الرب يسأل أيوب الله عن آثامه وخطاياه لكي يكشفها له، فيعترف بها، ويطلب الصفح عنها بروح التواضع لا يخشى فضيحته أمام نفسه. يقول البابا غريغوريوس (الكبير) أنه يوجد فارق بين الجرائم والآثام. فالجرائم أثقل جدًا من قياس الخطية، أما الإثم فلا يتعدى وزن الخطية. عندما يًؤمر بتقديم ذبيحة حسب الناموس فإنها دون شك تُفرض عن "الخطية" وفي نفس الوقت عن "الإثم" أيضًا. لن تتحقق الجريمة إلا بالفعل، أما الإثم عادة ما يرتكب في الفكر وحده. لِمَاذَا تَحْجُبُ وَجْهَك،َ وَتَحْسِبُنِي عَدُوًّا لَكَ؟ [24] يعترف أيوب أنه خاطئ أثيم، لكن بروح التواضع والتوبة يطلب من مخلصه الإلهي، ألا يحجب وجهه عنه، ولا يحسبه عدوًا له، فإنه مع كل ضعفاته وخطاياه لن يكف عن السؤال لكي يتمتع بالشركة مع الله خالقه. * "لماذا تخفي وجهك، وتحسبني عدوك؟" [24] تمتع الإنسان بنور التأمل الداخلي في الفردوس، لكنه إذ سرّ بذاته ورحل عن نفسه. فقد نور الخالق، وهرب من وجهه إلى أشجار الفردوس. بعد أن ارتكب خطيته خشي أن يراه، ذاك الذي كان قبلًا يحبه. لكن لاحظوا قد جلبت عليه العقوبة بعد الخطية، ولكن بعد العقوبة رجع إلى الحب، إذ وجد نتائج عصيانه، والوجه الذي كان يخشاه وهو في الخطية، إذ استيقظ إلى فهم سليم بدأ يبحث عنه من جديد خلال العقوبة، حتى يهرب من ظلمة حالة العمى التي حلت به، وصار يتراجع في فزع من هذه الوحدة التي منعته عن رؤية خالقه. البابا غريغوريوس (الكبير) أَتُرْعِبُ وَرَقَةً مُنْدَفَعَة،ً وَتُطَارِدُ قَشًّا يَابِسًا! [25] يستعطف أيوب الله، إذ يتصاغر أمام الله وأمام نفسه جدًا، فيحسب نفسه أشبه بورقة شجر يابسة تطير باندفاع تسقط على الأرض، وقش يابس تحركه الرياح... إنه مدوس بطبعه الفاسد، فهل يليق بكرامة الله أن يُداس بما هو مدوس فعلًا؟ أو يسحق شخصًا ليس لديه قوة للمقاومة؟ "جرفتهم كسنة، يكونون بالغداة كعشب يزول" (مز 90: 5). "إذا زها الأشرار كالعشب وأزهر كل فاعلي الإثم، فلكي يبادوا إلى الدهر" (مز 92: 7). "أيامي كظلٍ مائلٍ، وأنا مثل العشب يبست" (مز 102: 11). "الإنسان مثل العشب أيامه، كزهر الحقل كذلك يزهر" (مز 103: 15). "ليكونوا كعشب السطوح، الذي ييبس قبل أن يقلع" (مز 129: 6). "فسكانها قصار الأيدي قد ارتاعوا وخجلوا، صاروا كعشب الحقل، وكالنبات الأخضر، كحشيش السطوح، وكالملفوح قبل نموه" (إش 37: 27). "لأن الشمس أشرقت بالحر، فيبست العشب، فسقط زهره، وفني جمال منظره، هكذا يذبل الغني أيضًا في طرقه" (يع 1: 11). "لأن كل جسد كعشبٍ، وكل مجد إنسانٍ كزهر عشب، العشب يبس، وزهره سقط" (1 بط 1: 24). * "هل ُظهر سلطانك على ورقة شجر تطير هنا وهناك؟ وهل تقتفي أثر جذامة (بواقي الحصاد) الجاف؟" [25] ما هو الإنسان إلا ورقة سقطت من الشجرة في الفردوس؟ ماذا يكون ذاك الذي تلعب به ريح التجربة، فترفعه عواصف شهواته، سوى أنه ورقة شجر؟ يُثار ذهن الإنسان بعواصفٍ كثيرةٍ عندما يعاني من التجارب. هكذا غالبًا ما يثيره الغضب. وإذ يزول الغضب يتبعه مرح فارغ. إنه ينسحب بمنخاس الشهوة، يرفعه الكبرياء، وأحيانًا يغطس به الخوف المتزايد إلى ما هو تحت التراب. هكذا إذ يرى الإنسان نفسه مرتفعًا محمولًا بعواصفٍ كثيرةٍ كهذه للتجربة يصير الإنسان كورقة شجر. لذلك حسنًا قيل بإشعياء النبي: "كلنا سقطنا كورقة شجر، وآثامنا مثل الريح استبعدتنا" (راجع إش 64: 6). * نرى أن ما نقوله يعبر، أما ما نكتبه فيبقى، لذلك قيل عن الله لا إنه يتكلم بل ويكتب أمورًا مرة، حيث أن ضرباته علينا تبقى إلى زمنٍ طويلٍ. قيل مرة للإنسان الذي أخطأ: "أنت تراب وإلى تراب تعود"، وظهرت الملائكة مرارًا، وأعطت وصايا للناس. وحدد موسى مستلم الناموس الخطايا بوسائل حازمة. وجاء ابن الآب والعلي الوحيد ليخلصنا. لقد ابتلع الموت بموته. لقد أعلن أن الحياة الأبدية لنا قد أظهرها في نفسه. غير أن هذا الحكم الذي صدر في الفردوس بخصوص موت جسدنا بقي دون تغيير منذ بداية الجنس البشري حتى نهاية العالم. "فإن أي إنسان يحيا ولا يرى الموت؟" (مز 89: 48) ، وأيضًا: "أنت، أنت المخوف، ومن يقف قدام عينيك عندما غضبت؟" (مز 76: 7). فبكونه قد غضب مرة عندما أخطأ الإنسان في الفردوس تثبت حكم موت جسدنا. البابا غريغوريوس (الكبير) * الذين لا يفكرون في قلوبهم باستقامة يتطلعون إلى الأشرار حينما يكونون كالعشب الأخضر، أي عندما يكونون مزدهرين إلى حين. لماذا يتطلعون إليهم؟ " لكي يهلكوا إلى الأبد". يتطلعون إلى ازدهارهم المؤقت ويتمثلون بهم، ويريدون أن يزدهروا معهم إلى حين، ويهلكون معهم إلى الأبد. * إذ تقول في هذا الزمان إن كل شيء يعبر كظلٍ، فإنك لا تعبر أنت كظل. "أيامي تعبر كظل، وأنا مثل العشب يبست".. لكن العشب إذ يتبلل بدم المخلص يعود فيزدهر. لقد صرت يابسًا مثل العشب؛ فإني كإنسان عانيت من حكمك العادل لأنك "أنت تقوم وترحم صهيون، لأنه وقت الرأفة، جاء الميعاد" (مز 102: 13). * "الإنسان، مثل العشب أيامه" (مز 103: 15). ليدرك الإنسان ما هو؛ فلا يفتخر إنسان ما. "مثل العشب أيامه". لماذا يفتخر العشب، هذا الذي يزدهر الآن، وفي وقت بسيط ييبس؟ لماذا يفتخر العشب هذا الذي يزهر فقط إلى فترة قصيرة، حتى تصير الشمس حارة؟ إذن من الصالح لنا أن تحل رحمته علينا، ويجعل من العشب ذهبًا! "إنه مثل زهر الحقل يزهر". كل سمو الجنس البشري من كرامات وسلطات وغني وكبرياء وتهديدات هي زهر العشب. ذاك البيت يزهو، وهذه الأسرة عظيمة، وتلك العائلة تنمو؛ كم من كثيرين يزدهرون، وكم من سنين يعيشون! بالنسبة لك هي سنين كثيرة، أما بالنسبة لله فهي فترة قصيرة - حسابات الله ليست كحساباتك. بالمقارنة لطول الحياة لعصور طويلة تكون زهرة أي بيت مثل زهرة عشب. بصعوبة يبقى جمال السنة طوال العام. كل ما يزهو، كل ما يمتلئ بدفء الحرارة، كل ما هو جميل لن يدوم، لا بل ولا يبقي سنة كاملة...! لقد أرسل إلينا كلمته، كلمته الذي يدوم إلى الأبد... لا تعجب أنك ستشاركه أبديته، فقد شاركك العشب الذي لك. هل هذا الذي انتحل منك ما هو سفلي، يبخل عليك أن يهبك ما هو سام؟ القديس أغسطينوس لأَنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ [26]. في أحاديثه مع أصدقائه إذ يقارن نفسه بالبشرية، يؤكد أنه بار وليس شريرًا كما يدعي أصدقاؤه. وعندما يتحدث مع القدوس يعترف بآثام صباه، ويطلب منه أن يفسر له لماذا يتركه ليبلى كما بالسوس، أو كثوب يأكله العث [28]! يقول لله: إن كنت تسجل خطاياي وسقطاتي فهي مرة، لن أبرر نفسي منها، وإن سجلت آثامي فهي آثام صباي. أعرفها تمامًا ولا أنكرها، لكني أذكر حبك يا غافر الخطايا والآثام. يطلب داود النبي من المعلم ألا يذكر خطاياه وإنما يذكره هوكخليقة الله المحبوبة لديه، والتي لها تقديرها الخاص، لا لفضل له فيها، وإنما من أجل مراحم الله وصلاحه، ولأجل اسمه القدوس. يقول: "لا تذكر خطايا صباي، ولا معاصي، كرحمتك أذكرني أنت من أجل جودك يا رب" (مز 25: 7). طلب اللص اليمين من المعلم الحق أن يذكره متى جاء ملكوته، فلم يذكر جرائمه ولا خطاياه، بل حمل نفسه إلى الفردوس، مبررة في استحقاقات الدم الثمين. هكذا إذ نطلب من الرب أن يذكرنا يجيب قائلًا: "أنا أنا هو الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكرها" (إش 25:43). يوصي القديس بولس تلميذه تيموثاوس: "أما الشهوات الشبابية فاهرب منها، وأتبع البرّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي" (2 تي 2: 22). * "لماذا كتبت عليٌ أمورًا شريرة، وتتهمني بخطايا صباي؟" (أي 13: 26 LXX) إنه بصدق وجدارة حسب هذه الفترة من الحياة (الشباب) علة شكواه، لأنه بصفة عامة يكون الشخص في هذه الفترة مزعزعًا من جهة الخطية. حقًا تتسم الطفولة بالبراءة، والشيخوخة بالحكمة. ويُنظر إلى الرجولة المبكرة التي تلتصق بمرحلة الشباب أنها مرحلة نوال سمعة طيبة، ويشعر الشخص بخجل إن ارتكب خطية. أما مرحلة الشباب فهي وحدها تحمل سمة الضعف والمشورة الواهنة، مع الحماس في الخطية، والاستخفاف بمن يقدمون لهم مشورة، وهم مهيأون أن ينخدعوا بالملذات. لذات السبب سأل داود بطريقة مدهشة العفو من الرب عما سقط فيه في تلك الفترة كلها، إذ قال: "خطايا صباي وجهلي لا تذكر" (مز 25: 7). لأنه في تلك الفترة الغالبية يعانون من التهاب الشهوات واشتعالها بحرارة الدم الساخن . القديس أمبروسيوس الأب هيسيخيوس الأورشليمي القديس أغسطينوس فَجَعَلْتَ رِجْلَيَّ فِي الْمِقْطَرَةِ، وَلاَحَظْتَ جَمِيعَ مَسَالِكِي، وَعَلَى أُصُولِ رِجْلَيَّ نَبَشْتَ [27]. لقد تأدبت بسبب ضعفاتي وآثام صباي، صرت كسجينٍ وُضعت رجلاه في مقطرة، عاجز عن الحركة. إني لن أهرب من ضربات تأديبك. أنت تدرك كل مسالكي، وتؤدبني حتى من أجل أفكاري الخفية أو نظراتي المنحرفة. تسجل على باطن قدمي كل ما قد ارتكبته، وأنا لا أنكر ما فعلت. * "وضعت قدمي في المقطرة"، لأن أقدامنا قد مُنعت عن السير للتمتع بمنافع الفردوس. لأن الله "يلاحظ أعمالنا". بخصوص عصيان الوصية الذي ارتكبه آدم أدان الله الجنس البشري كله الذي هو نسله. على أي الأحوال، إذ هو صانع خيرات ومحب للإنسان (حك 7: 23) "يلاحظ أعمالنا". فإن كانت شريرة ننسبها لأنفسنا، بكوننا على مثال آدم القديم، ونسقط تحت التأديب الذي حلّ عليه. أما إذا كانت أعمالًا صالحة، فسنخلص من اللعنة، ونتحرر من العقوبات (2 كو 11: 4) على شبه آدم الجديد، وبوساطته ننال إبطالًا لمحنتنا الكبرى. الأب هيسيخيوس الأورشليمي القديس يوحنا الذهبي الفم * "وتتطلع بتدقيق في كل سبلي، إنك تضع علامة لآثار قدمي" [27]... من الممكن أن تكون آثار القدمين هي الأمور الكثيرة التي تمارس خطأ، فإنها تدرك... عادة عندما نمارس أشياء خاطئة ويراها إخوتنا نكون مثالًا رديئًا لهم، وتكون أقدامنا قد انحرفت عن الطريق، ونترك آثار أقدامنا كلها المنحرفة لمن يتبعنا، فنكون بتصرفاتنا قدنا ضمائر الآخرين للعثرة. لكن كل هذه الأمور يفحصها الله القدير بدقةٍ، ويزن كل منها في الحكم. ولكن متى يمكن للإنسان المربوط كما بضعف الجسد أن يكون له سلطان أن يقوم ضد هذه كلها بدقة ويحفظ خط استقامة فكر القلب دون أن يتحرك؟ لذلك يقول: "من أنا؟ كشيء فاسد يهلك، وكثوب أكله العث" [28]... فالإنسان مثل شيء فاسد يهلك، حيث يبدده فساد جسده. ولأن تجربة النجاسة تنبع فيه ليس من مصدرٍ آخر سوى منه هو، مثل العث، هكذا تهلك التجربة الجسد، كما يفسد العث الثوب مما يصدر عنه، فإن الإنسان يحوي فيه الفرصة التي منها تصدر التجربة، لذلك فالعث يفسد الثوب، بينما يصدر العث من الثوب ذاته. البابا غريغوريوس (الكبير) وَأَنَا كَمُتَسَوِّسٍ يَبْلَى، كَثَوْبٍ أَكَلَهُ الْعُثُّ [28]. يعترف أيوب بأنه يدخل من فسادٍ إلى فسادٍ بسبب خطاياه، وكأن السوس قد أبلى عظامه والعث أكل ثوبه (جسده) فسدت أعماقه بسوس الخطية وبلي جسده بعث الإثم... لكن يوجد من ينقذ النفس من الفساد، ويهب الجسم مجدًا أبديًا حين يلبس الفاسد عدم الفساد، ويحتل الجسم الروحاني ذاك الترابي. * إن أردت، تستطيع أن تكون عبدًا للشهوات. وإن أردت، تقدر أن تتحرر منها ولا تخضع لنيرها، لأن الله خلقك وأعطاك هذا السلطان. من يُقهر شهوات الجسد يُتوَّج بعدم الفساد. فلو لم تكن هناك شهوات ما كان يمكن أن توجد فضائل، وبالتالي ما كان يعطي الله أكاليل لمن يستحقونها. * من يفهم ما هو الجسد، أي إنه قابل للفساد وقصير الأجل، يفهم أيضًا أن النفس سمائية وخالدة، وأنها نسمة من الله، ومرتبطة بالجسد إلى أن تتقدم وتسمو نحو التشبه بالله. القديس أنطونيوس الكبير |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112574 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() من وحي أيوب 13 أقع في يدك يا إلهي، ولا أقع في يد إنسان! * الوقوع في يديك يا إلهي، أفضل من الوقوع في يد إنسان! يظن الإنسان أنه صاحب السلطان، كمن هو فريد في معرفته. يحسب أنه دون غيره صاحب معرفة وحكمة. يدين أخاه كأنه عبد جاهل! لا يستطيع أن يدرك مساواته له! * لأُحاكم أمامك، فإنك تصغي إليّ. أنت وحدك الطبيب السماوي الفريد. تقدم ذاتك طبيبًا ودواءً. دواءك الحب والحنو والقرب مني. لا تجرح إنسانًا ولا تطلب إهانته. * الإنسان وهو يحاكم أخاه يظن في نفسه أنه بار. تحت ستار الدفاع عنك، والشهادة للحق، يدين ويحكم في محاباة للوجوه. يتستر بالغيرة المقدسة، وقلبه غاش ومخادع! لا يرهبه جلالك، ولا يرتعب من مجدك. ينطق في خداع كأنك غير فاحص لقلبه. كلماته رماد سرعان ما يذريها الريح، وحصونه طين لا قدرة لها على حمايته. ليته يسمع نصيحتي فيصمت ليسمع. صمته أنفع من كلماته. * حقا، لقد قام البشر عليّ، وثقلت التجربة للغاية. لكني بنعمتك أبقى أمينًا لك إلى الموت! لا أترجي شيئًا سوى أن أتبرر بدمك أمامك! اعترف لك بخطاياي وآثامي. أذكرني، لكن لا تذكر خطاياي! أتراءى قدامك يا أيها الرحوم فأستريح. * لأراك فاطلب أن تسندني في ضيقتي. ترفع يد التأديب حسبما ترى يا أيها المحب. تلهب قلبي بحبك، فلا أحمل خوف العبيد. تظهر وجهك أمامي، فتنزع عداوتي، وتهبني روح البنوة. * لقد فسد كل كياني، صرت كمن دب فيه السوس، فأصابه الدمار. حلّ بي الفساد كالعث للثوب. لست أبرر نفسي، هذا الفساد هو ثمرة خطاياي. لكن دمك يغسل فسادي. عوض الفساد أتمتع بعدم الفساد. وعوض الموت أتمتع ببهجة قيامتك عاملة فيّ! |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112575 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() هَذَا كُلُّهُ رَأَتْهُ عَيْنِي. سَمِعَتْهُ أُذُنِي وَفَطِنَتْ بِهِ [1]. * انظروا كيف -حتى في تواضعه- ما أعلنه كان رمزيًا، يقوده روح النبوي، ويعلن له ما هو أسمي. فإنه يقول: "هذا كله رأته عيني"، واضح أنه ينطق برؤيا نبوية. "سمعته أذني"، ذاك الذي يجده الله مقدسًا اختاره ليسمع أسراره. الأب هيسيخيوس الأورشليمي البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112576 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() مَا تَعْرِفُونَهُ، عَرَفْتُهُ أَنَا أَيْضًا. لَسْتُ دُونَكُمْ [2]. التزم أيوب المتواضع أين يدافع عن نفسه ويمدح نفسه، كما فعل فيما بعد الرسول بولس حين وجهت بعض الجماعات في كورنثوس اتهامًا أنه ليس برسول. هنا يؤكد أيوب أنه ليس دونهم، وأن ما يعرفونه كان يعرفه هو أيضًا، فهو لا يحتاج وسط هذه الظروف إلى عظات ومناقشات، بل إلى حب ورعاية وصلوات تسنده. * ليتنا لا نكون مجاهدين في الحوار وكسالى في صلواتنا (عنهم). لنصلِ أيها الأعزاء المحبوبين، لنصلِ لكي يعطينا الله النعمة، حتى لأعدائنا وبالأخص عن إخوتنا والمحبوبين . القديس أغسطينوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112577 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَدِيرَ، وَأَنْ أُحَاكَمَ إِلَى اللهِ [3]. تحَّول عن أصدقائه واتجه نحو الله، فإنه لم يسترح في الحديث معهم، لذا أراد الحديث مع القدير، فإن المحاكمة أمام الله أفضل من الوقوع في يد إنسانٍ. الدخول في حوار مع الله أهون من الحوار مع الأصدقاء. وكما قال داود لجاد النبي: "قد ضاق بي الأمر جدًا، فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة، ولا أسقط في يد إنسان (2 صم 24: 14؛ 1 أخبار 21: 13). * أنا أيضًا أعرف عظمة الله اللانهائية، حكمة الخالق غير المحدودة، وقوته المذهلة، ولكن مع معرفتي بهذا "أريد أن أكلم الرب"، فإني أعرف برّه. إذ هو بار يحتمل أولئك الذين يتحدثون معه دون أن يكونوا متهمين. فإنه إن لم يرد ذلك سأصمت، إذ أعرف ما ألتزم به بكوني أنال شرف الخادم له. بأمره "أتكلم"، وأتجاسر إلى درجة اتهام الله. الأب هيسيخيوس الأورشليمي يقول إنه لأمر ذو قيمة عظيمة أن يحاكم أمام الله عن أن يحاكم أمامهم. القديس يوحنا الذهبي الفم فإنه بحق يلزمهم أن يحاجوا الله بخصوص الاتهامات في الدينونة، هؤلاء الذين عند (سماعهم) كلمات الله يجحدون العالم الحاضر تمامًا. هكذا يتحقق الكلام معه بالصلاة، والمحاجة معه بالحكم. لهذا يتكلم القديس مع القدير هنا، حتى يحاججه فيما بعد (في وقت الدينونة العام)، حيث يأتي مع الله فيما بعد كديان هذا الذي يلتصق مع القدير هنا بالصلاة. وأما الكنيسة المقدسة التي سبق فقلنا أن أيوب يحمل شبها يأتي لها، فإنها ليس فقط تدين الأشرار حين يحل وقت الدينونة النهائية، وإنما حتى الآن لا تكف عن أن تدين الكل، سواء الذين يسلكون بالشر أو الذين يفكرون بغباوة. البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112578 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() أَمَّا أَنْتُمْ فَمُلَفِّقُو كَذِبٍ. أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ [4]. يشتكي أيوب من أصدقائه، لأنهم حكموا عليه ودانوه حسب تصوراتهم الكاذبة وعدم إدراكهم لعناية الله ورعايته وخطته من نحو البشرية. لهذا صاروا ملفقي كذب. نطقوا بالكذب ولفقوا له اتهامات كاذبة. جاءوا إليه كأطباء يتعهدون جراحاته، لكنهم بالحق كانوا أطباء بطالين، لم يعرفوا المرض، فجاء العلاج قاتلًا. تحولوا من أطباء حكماء إلى مشعوذين دجالين. ادعوا العلم والمعرفة، وهم في جهل تامٍ للحق الإلهي، لأنهم فقدوا الحب. لم يقبل أيوب إخوته كأطباء يقدمون له العلاج، متطلعًا إلى المسيا القادم، بكونه طبيب النفوس والأجساد السماوي، الذي يشفي عيون نفوسنا، فتتمتع برؤية الإلهيات. عجيب هو طبيبنا السماوي، فإنه حين أعلن عن نفسه كطبيبٍ كان يأكل في بيت عشار، ويلتف حوله كثير من العشارين والخطاة. لم يكن يعظهم ولا كان يوبخهم على خطاياهم، لكنه كان يأكل معهم (لو5: 27- 32). لست أظن إني أجد طبيبًا يدخل إلى مستشفي ويدعو كل المرضى ليأكل معهم ثم يتركهم ويخرج من المستشفي دون أن يقدم لهم أدوية خاصة بأمراضهم لشفائهم منها. لقد قدم السيد الدواء حين أكل معهم، حيث قدم لهم الحب العملي، كان يأكل مع أولئك الذين كان المجتمع يمقتهم ولا يريد حتى التعامل معهم لئلا يتدنس. يمد القدوس يده ويأكل معهم، لكي يدركوا أن مخلصهم ليس ببعيدٍ عنهم، ولا منعزلٍ عنهم. هذا هو الدواء السماوي الذي قدمه الطبيب السماوي. إنه طبيب فريد ودواءه فريد! والعجيب أنه أعلن شخصيته هكذا كطبيب في اللحظات التي أعلن فيها أن تلاميذه هم بنو العرس أو أصدقاء العريس. وكأن العاملين معه عملهم أن يتقبلوا أسرار العريس، فيعلنوا عن شخصه وسماته وإمكانياته للعروس، البشرية التي تقبل الإيمان به. كأنه لا عمل للعاملين مع الطبيب سوى الإعداد للعرس السماوي المفرح. عمل خادم السيد المسيح وكل القادة، بل وكل مسيحي أن يساهم في الإعداد لهذا العرس، لا بالتوبيخ والانتهار والإدانة، بل بالكشف عن محبة العريس ونزوله إلى عروسه، وفتح أبواب السماء - حجاله - لها. فالعروس تُعد لعريسها باكتشافها محبة عريسها لها وشوقه إليها. * إنكم أطباء ضارون تجددون الأمراض، "تجددون الشر"، أنتم الذين لا تحققون الشفاء من الجراحات باستخدام أدوية لائقة جدًا. هكذا أنتم تظنون أنكم تدافعون عن الله، وأن فمكم ينطق بكلمات مُسرة، ها أنتم ترون شرورًا لمن قد وضع تحت المحاكمة، وتأتون لتعينوا العدو بإثارة مشاعر الألم للمجروح. الأب هيسيخيوس الأورشليمي * من هو؟ تعلموا باختصار أنه كلمة الحق، كلمة عدم الفساد، الذي يجدد الإنسان إذ يرده إلى الحق. أنه المهماز الذي يحث على الخلاص. هو محطم الهلاك وطارد الموت. أنه يبني هيكل الله في الناس، فيأخذهم لله مسكنًا له. يحتاج المرضى إلى مخلص، ويحتاج الضالون إلى مرشد، يحتاج العميان إلى من يقودهم إلى النور، والعطاش إلى الينبوع الحيَّ الذي من يشرب منه لا يعطش أبدًا، والموتى إلى الحياة، والخراف إلى راعي، والأبناء إلى معلم؛ تحتاج كل البشرية إلى يسوع! القديس إكليمنضس السكندري * في داخل ألوهية الكلمة قوة، ليس فقط لمساعدة وشفاء من هم مرضى...، بل للإعلان عن الأسرار لأنقياء الجسد والذهن. قد أُرْسِلَ الكلمة كطبيب للخطاة، بل وكمعلم لأولئك الذين هم بالفعل أنقياء وبغير خطية. * بواسطة نور الكلمة تتبدد ظلمة التعاليم الهرطوقية. فالكلمة يفتح أعين أنفسنا، فنستطيع التمييز بين النور والظلمة، ونختار في كل حال أن نمكث في النور. * ليس أمام من ينشد الشفاء سوى أن يتبع يسوع. * تعال الآن إلى يسوع، الطبيب السماوي. ادخل إلى هذه العيادة، التي هي كنيسته. أنظُر. فهناك يرقد أعداد من الضعفاء. تجد امرأةً تطلب التطهير (مر 25:5، لا12). كما تجد أبرص معزولًا "خارج المحلة" بسبب دنس برصه (مر 40:1، لا46:13). إنهم ينشدون الشفاء من الطبيب، يطلبون كيف يصيرون أصحاء، وكيف يتطهرون. يسوع الطبيب هو نفسه كلمة الله. إنه يُعِدُّ أدوية لمرضاه، لا من مستحضرات أعشاب، بل من قُدسِيات الكلمات. إذا ما نظر أحد إلى تلك الأدوية اللفظية متناثرة بلا ترتيب في ثنايا الكتب، ولم يعرف قوة مُفْرَد الكلمات، ربما يعدل عنها كأشياء رخيصة تعوزها بلاغة. أما منيَعْلَم أن دواء النفوس هو في المسيح، فسيفهم حتمًا من هذه الكتب التي تُقرأ في الكنيسة كيف يجب على كل شخص أن يجمع أعشابًا مفيدة من الحقول والجبال، أعني قوة الكلمات، لكي يحصل من هو متعب النفس soul على الشفاء، لا بقوة الأغصان الخارجية (للنباتات الطبية) والقشرة السطحية، بقدر ما هو بفاعلية العصارة الداخلية. * هناك أيضا أمور أخرى كثيرة مخفية عنا، لا يعلمها إلا ذاك الذي هو طبيب نفوسنا. فإنه فيما يختص بصحتنا الجسدية نجد لزامًا علينا في بعض الأحيان أن نتعاطى أدوية كريهة ومُرَّة كعلاجٍ لأمراضٍ جلبناها على أنفسنا من خلال الطعام والشراب. كما يحدث إذا ما استلزمت طبيعة الداء أن تحتاج إلى معالجة قاسية بمشرط الجراح في عملية جراحية مؤلمة. نعم، وإذا حدث أن امتد المرض إلى حد تجاوز تأثير هذه الوسائل العلاجية، يصير اللجوء آخر المطاف إلى حيث لا بُد من كي الداء بالنار. كيف يتسنى لنا أن ندرك أن الله طبيبنا، يرغب في غسل أمراض نفوسنا التي جلبتها علينا العديد من الخطايا والجرائم، ويستخدم علاجًا تأديبيًا من أنواع مماثلة قد تصل إلى حد توقيع عقوبة النار على الذين فقدوا صحة نفوسهم. العلامة أوريجينوس اعترفوا بضعفكم؛ ولترقدوا أمام الطبيب في صبرٍ. عندما تدركون تنازله ترتفعون معه، ليس بأن يرفع نفسه بكونه الكلمة، بل بالحري يُدرَكْ منكم أكثر فأكثر... هو لا يزيد، لكنكم أنتم تتقدمون، فيكون كمن ارتفع معكم... تطلعوا إلى الشجرة فإنها أولًا ضربت جذورها إلى أسفل حتى تنمو إلى فوق. تثبت جذرها السفلي في الأرض لكي ما تمتد بقمتها إلى السماء. هل تبذل جهدًا للنمو إلاَّ من خلال التواضع؟ إذن "ليحلّ المسيح بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة... لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله" (أف 3: 17 - 19). القديس أغسطينوس القديس باسيليوس الكبير القدِّيس أغناطيوس الثيوفورس * "يسوع" تعني "مخلص"، أما في اليونانية فتعني "الشافي"، إذ هو طبيب الأنفس والأجساد، شافي الأرواح، فتح عيني المولود أعمى، وقاد الأذهان إلى النور. يشفي العرج المنظورين، ويقود الخطاة في طريق التوبة، يقول للمفلوج: "لا تخطئ"، وأيضًا: "احمل سريرك وامشِ"، لأن الجسد كان مفلوجًا بسبب خطية النفس. خدم النفس أولًا حتى يمتد بالشفاء إلى الجسد. لذلك إن كان أحدكم متألمًا في نفسه من خطاياه، فإنك تجده طبيبًا لك. وإن كان أحدكم قليل الإيمان فليقل له: "أعن عدم إيماني" (مر 24:9). وإن أصاب أحدكم آلام جسدية، فلا يكن غير مؤمنٍ، بل يقترب فإن يسوع يعالج مثل هذه الأمراض، وليعلم أن يسوع هو المسيح . القديس كيرلس الأورشليمي القديس أمبروسيوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112579 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() يَكُونُ ذَلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً [5]. أنهم جاءوا ليقدموا مشورات حكيمة، فظهروا أنهم هم بالأكثر يحتاجون إلى من يرشدهم، ويدخل بهم إلى الحكمة. أما الحكمة التي هم في عوز إليها فهي أن يصمتوا صمتًا، فصمتهم أنفع من الكلام الباطل الجارح. وكما يقول الحكيم: "الأحمق إذا سكت يُحسب حكيمُا، ومن ضم شفتيه فهيمًا" (أم 17: 28). * "كان الأفضل من أجل الله أن تلتزموا بالصمت، فيكون لكم حكمة" [5]... الحكيم ليس فقط من يتكلم حسنًا، مقدمًا مشورات مفيدة، ومعلنًا ما هو نافع ووقور للكل، وإنما أيضًا من يلجم نفسه (يع 3: 2)... إنه يراعي ما تغنى به داود في المزامير: "ضع يا رب حارسًا لفمي، وبابًا حصينًا لشفتي. لا تمل قلبي للشر لأتعلل بعلل الشر مع فاعلي إثم" (مز 141: 3-4). لننعزل تمامًا عنهم حتى إن ظنوا أحيانًا أنهم يدافعون عن الله، لا بقصد تمجيد الله، وإنما للافتراء على من يكرس نفسه للبرّ، وأن يخون جندي الصلاح... إذ يحتاج الإنسان أن يهرب من المخادعين وصداقتهم، ويدير وجهه عن إطرائهم. أما رجال الصلاح فيقبلون التوبيخ الصادر عنهم، ويذكرون في وقارٍ حديثهم الخبيث ضدهم، فإن كل الأمور تؤول لخيرهم، وتعمل للصلاح (رو 8: 28)، وسرعان ما ينالون مديح الله الآب والابن والروح القدس... لقد تحدث أيوب بعد فقدانه كل غناه كما لو كان في فيضٍ. الأب هيسيخيوس الأورشليمي البابا غريغوريوس (الكبير) القديس أغسطينوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 112580 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() اسْمَعُوا الآنَ حُجَّتِي، وَاصْغُوا إِلَى دَعَاوِي شَفَتَيَّ [6]. يدعوهم إلى الاستماع إليه عوض الكلام الباطل. بالرغم من أنهم لم يقاطعوه، لكنهم لم يبالوا بكلماته، ولا أصغوا لصرخات نفسه المرة. ظنوا أنهم دافعوا عن الله، ونطقوا بالحق، لكن بدون الحب العملي لا يعرفون الله، ولا يدركون الحق. * "اسمعوا الآن توبيخاتي، وأنصتوا إلى حكم شفتي" [6] حسنًا يبدأ أولًا بتقديم التوبيخ وبعد ذلك "الحكم". فإنه ما لم يخمد غرور الأحمق لا يفهم حكم البار نهائيًا. البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||