![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 109741 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() نكبات متلاحقة "وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا، فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [13]. * يلزمنا ملاحظة التوقيت الذي حلت به التجارب، فقد اختار الشيطان وقت التجربة عندما كان أبناء الطوباوي أيوب منشغلين في وليمة (أي 1: 13). فإن المقاوم لم يبحث فقط ماذا يفعل، وإنما متى يفعل هذا. فمع نواله السماح، إلا أنه بحث عن التوقيت المناسب ليمارس تدميره. وبترتيب الله كان الهدف هو تسجيل هذا لنفعنا، فإن التمتع بالملذات الكاملة هو تهيئة لحلول البلايا. البابا غريغوريوس (الكبير) الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا" [14]. جاء في الترجمة السبعينية "الأتن مع صغارها"، ففي حذاقة شديدة أراد العدو أن يزيد من مرارة الكارثة، فقد سَبَى السبئيون البقر النافعة، إذ كانت تحرث الأرض، والأتن المخصبة، إذ كان معها صغارها. بهذا أراد العدو أن يضرب بعنفٍ ليجعل الجرح في نفس البار أيوب أكثر مرارة. هذا بجانب سقوط الكوارث متلاحقة وبسرعة بالغة. فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ [15]. إذ أخذ الشيطان إذنًا بالتجربة لم تعوزه الإرادة التي ينفذ بها خطته، فإن الأشرار يتممون مشورة أبيهم الشرير. وكما قال السيد المسيح لليهود في عصره: "أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 8: 44). فإنه هو "الروح الذي يعمل في أبناء المعصية" (أف 2: 2). ألا ترون سرعة الضربة...؟ مثل هذا لم يحث قط من قبل، ولا سمع أحد عن أمرٍ كهذا. أضف إلى هذا أنه لم يُعد ممكنًا حرث الأرض بعد، وفي لحظة جُرد أيوب من كل ممتلكاته. رؤية هلاك القطيع مؤلمة دائمًا، خاصة إن حدث في وقت يعتمد الإنسان تمامًا عليه... أضف إلى ذلك فإن حدوث قتلٍ وسط الدمار يجعل الصراع غير محتمل، حيث تظهر الوحشية والهمجية. إنها كارثة مزدوجة، القتل والحملات الهجومية، مع الهزال المتبقي مضافًا إلى المحن التي لحقت به، حيث لم تعد تجعله جاهلًا بهول طبيعة الكارثة التي للحدث. القديس يوحنا الذهبي الفم * أما كان (أيوب) يصير في حالٍ أقل تطويبًا لو لم يعاني من هذه الأمور التي بها بالحقيقة قد تزكى؟ القديس أمبروسيوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109742 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() "وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: نَارُ الله سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [16]. تلاحقت النكبات في لحظات وبسرعة فائقة، ولعل العدو تعمد ذلك لكي لا يترك لأيوب فرصة للتفكير المتزن، بل مع تلاحق الكوارث يظن أن غضب الله قد حّل عليه، وأنه لن يتوقف. كانت التجارب كأمواج لا تهدأ. "غمر ينادي غمرًا" (مز 42: 7). العجيب في الرسل القادمين إلى أيوب أنهم يؤكدون أن البقر كانت تحرث، والأتن ترعى. وكأنه حتى الحيوانات كانت تقوم بدورها، فليس من لومٍ على الأبناء، ولا الخدم، ولا الحيوانات، وكأن اللوم كله ينصب على الله وحده دون غيره. لقد كانت خطة الشيطان محكمة للغاية، ليضرب قلب أيوب حتى يحول كل مشاعره وأفكاره نحو التجديف على الله. بينما كنت أسجل هذا التفسير إذا بشاب يموت فجأة، فصار صديقه العزيز عليه جدًا يجدف: "لماذا أخذ الله أعز صديق لدي؟" ويرفض أية تعزية... بل وأحيانًا يتمتم: "أين هو الله؟ وإن وُجد، فأين رحمته ورعايته؟" وكأن عدو الخير في كل جيل يبذل كل الجهد لتحويل طاقات البشرية نحو التجديف على الله. لم يعطِ عدو الخير الفرصة لأيوب كي يفكر في القيام بحرب ضد السبئيين ورد ممتلكاته، إذ جاء الخبر التالي يعلن أن نارًا من السماء نزلت من عند الله فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم. فإن كان يريد أن يحارب السبئيين، فمن أين يأتي برجاله للقتال وقد أحرقتهم نار إلهية. ثم هل يحارب الله؟ وكيف يبلغ إليه...؟ وكأنه لم يعد في متناول يد أيوب غير لسانه ليجدف على الله كظالمٍ عنيفٍ لا يعرف الرحمة. يرى القديس يوحنا الذهبي الفمأن بقوله: "نار الله سقطت من السماء"، أراد العدو أن يوحي لأيوب أن ما يحل به ليس بضربات بشرية بل من قبل الله، وموجهة ضده وحده دون بقية المحيطين به. ولعله بهذا أراد تشويه صورة الله في عينيه. فمع عدم ارتكابه خطايا عظمى وعدم إهماله في العبادة لله، إلا أن الله حلّ بغضبه عليه دون غيره، مما يثير فيه الدافع نحو التجديف على الله كظالمٍ. إذ أحرق الله الغنم التي اختار أفضلها ليقدمها محرقات لله، فإن الله يبدو كمن لا يُسر بمحرقاته، ولا يقبل عبادته، أو كأن "عبادة الله باطلة" (مل 3: 14). لم يُسمع عن احتراق صادر من السماء منذ حرق سدوم وعمورة، لذا يقول أيوب: "لأن البوار من الرب رعب عليّ" (أي 31: 23). * لئلا لا يثيره فقدان ممتلكاته بحزنٍ كافٍ عند سماعه الخبر حث مشاعره بكلمات الرسول ذاتها. لاحظوا كيف بمكرٍ قيل "نار الله"، كما لو قيل إنك تعاني من افتقاد ذاك الذي تريد أن تسترضيه بذبائح كثيرة هكذا. ها أنت ساقط تحت غضب ذاك الذي تشغل نفسك بخدمته كل يوم... هذه هي الغاية أن يستعيد في ذاكرته خدماته الماضية، ويحسب أنه باطلًا قد خدم، وكأنه قد أراد أن يثير فيه الشعور بظلم الخالق. فإن الذهن التقي إذ يجد نفسه يواجه حمل صلبان من يدي إنسان يطلب التعزيات من العناية الإلهية. وعندما يرى عاصفة التجربة تستمد قوتها من الخارج، يطلب أن يغطيها بالثقة في الرب، ويلجأ داخليًا إلى ميناء الضمير. لكن ذاك الخصم الماكر أراد أن يحطم في ذات اللحظة قلب هذا القديس الشجاع، وذلك بضربات موجهة من إنسان وباليأس من الله. جاء إليه بأخبار أولًا عن السبائيين الذين قاموا بالنهب، وفي الحال جاء النبأ عن نار الله التي سقطت من السماء، حتى يغلق الباب تمامًا عن أية وسيلة للتعزية. البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109743 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() "وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: الْكِلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [17]. لم يتركه العدو ليفكر لماذا سقطت النار من السماء كما بأمر إلهي، إذ جاءه رسول آخر يخبره بضربة جديدة من فعل الكلدانيين. وهو في هذا يريد أن يربك فكر أيوب. فإن كانت النار قد حلت من قبل الله، فلعل أيوب يظن أنها ضربة لتأديبه، لكن إذ يجد حتى البشر يسقطون عليه، فبماذا يبرر هذا؟ للمرة الثالثة تحل به نكبة خطيرة، وقد جاءت عن طريق ثلاث فرق من الكلدانيين، في وقت فقد فيه أيوب كل إمكانية للمقاومة. ولعل العدو أراد بهذه الضربة أن يصرخ أيوب في قلبه: "لماذا ينجح الرب طريق الأشرار؟" |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109744 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() "وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا، فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [18]. "وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ، وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَع، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ " [19]. لكي يزيد من مرارة الكارثة، بعث إليه بخبرٍ خطيرٍ وهو أن الطبيعة أيضًا ثائرة ضده، فريح شديدة هزت البيت وقتلت أولاده وبناته، حتى يصعب عليه أن يخرج جثثهم سليمة! سيكون منظرهم بشعًا للغاية. هذا بجانب إرباك فكر أيوب: كيف تتكاتف السماء والأرض معًا ضده، الله والبشر والطبيعة يقاومونه، لماذا؟ ماذا فعل ليسقط تحت هذه الكوارث المتلاحقة من مصادر مختلفة؟ هذه أمر الضربات تركها العدو في النهاية، حتى يصوب سهمًا قاتلًا في قلب أيوب، إذ مات أولاده وبناته جميعًا في لحظات تحت الأنقاض. إنها خسارة بالغة جدًا. عندما مرض الابن الرضيع لداود لم يحتمل المرارة، بل صار يسير ذهابًا وإيابًا يصرخ، فماذا يكون حاول أيوب الذي فقد كل أولاده وبناته فجأة. كان أيوب في حاجة إلى أولاده يعزوه في كل ما فقده، لكن موتهم، خاصة بهذه الطريقة، حتمًا جعله ينسى كل التجارب السابقة ليسقط في مرارة لا تُحتمل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه في الكوارث السابقة ربما يوجد ما يبرر قول الرسول: "ونجوت أنا وحدي"، حيث هرب ما لحق بحيوانات أيوب، أما أن ينجو هذا الرسول الأخير من سقوط البيت بينما يموت كل أبناء وبنات أيوب معًا، فهذا أمر غير طبيعي، فما هو السرّ؟ يرى الذهبي الفم أن هذا الرسول لم يكن إنسانًا بل الشيطان نفسه، لأنه كيف ينجو من يخدم أبناء وبنات أيوب دونهم وهو معهم في ذات البيت الذي سقط وأهلك من فيه؟ * هل فقدت طفلًا! إنك لم تفقده؟ لا تقل هذا، إنه نائم، وليس ميتًا، لقد تحرك ولم يتدمر، إنه في رحلة من حال سيئ إلى ما هو أفضل. لا تثر الله ليغضب، بل استعطفه. فإنك إن احتملت هذا بنبلٍ، فإن الراحة تتضاعف بالنسبة للراحل كما بالنسبة لك. أما إن حدث العكس فإنك تلهب بالأكثر غضب الله... قدم شكرًا فإنه بهذا تتبدد سحابة الحزن عنك. قلْ مع أيوب: "الرب قد أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1) . القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109745 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() أيوب الشاكر "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَه،ُ وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ " [20]. لو لم يتصرف أيوب هكذا لحُسب إنسانًا بليد الحس، جامدًا، غير طبيعي وغبيًا، لم يتأثر بموت بنيه وخدمه. لقد كشف بهذا التصرف عن مرارة نفسه دون الخروج عن حدود اللياقة، وذلك بالنسبة لكثرة التجارب المتلاحقة وبشاعتها. بجانب هذا فإن ما فعله كان يناسب العادات المتبعة في ذلك الحين. تصرفه لا يعني أنه فقد سلامه الداخلي أو شجاعته وصبره وقوة احتماله. يرى بعض المفسرين أنه التجأ إلى هذا، لأن عدو الخير حاول أن يبث أفكار التجديف على الله. فتمزيق الثياب وجز الشعر هما علامة على إصراره على رفض هذه الأفكار. لأن تمزيق الثياب علامة الرغبة في رفض التجديف، وذلك كما فعل رئيس الكهنة، حينما ظن في يسوع المسيح أنه قد جدف. سجوده حتى الأرض علامة على إخلاصه مع نفسه، إذ شعر أنه خاطي، وأن نفسه قد انحطت حتى التراب. يرى الأب هيسيخيوس الأورشليمي أن أيوب قام بتمزيق ثيابه كما بجز شعر رأسه من أجل الحزن، لكن بالأكثر لكي يتعرى من كل شيء، حتى من ثوبه وشعر رأسه، فلا يجد عدو الخير شيئًا يمكنه أن يجربه فيه. كما في تواضعٍ أمام الله سقط على الأرض. * "سجد" ليقنع الخائن أنه باطلًا يفتري عليه أمام الله. فإن ذاك الذي قال عنه (الشيطان) أنه سيجدف (11:1؛ 5:2) ها هو يسجد. الشخص الذي قال عنه أنه متى دُمرت ممتلكاته سيظهر جحودًا أمام الله، ها هو يقدم شكرًا أكثر من قبل. * البعض يحسبونها درجة عالية من فلسفة الثبات أنهم متى سقطوا تحت تأديبٍ قاسٍ، يكونوا بليدين في إحساسهم بالضربات، وفي ألم الجلدات. والبعض يبالغون في حساسيتهم لألم الضربات... يقول النبي: "ضربتهم فلم يتوجعوا؛ أفنيتهم وأبوا قبول التأديب" (إر 3:5). مقابل هذا الحوار القلبي في الإحساس بالتأديب يقول المرتل: "لن يثبتوا في المحنة" (مز 10:140 الفولجاتا). فإنهم يثبتون في المحنة إن احتملوها بصبرٍ. كانت العادة في العصور القديمة أن يحتفظ كل واحدٍ بمظهر شخصه بترك شعره ينمو، ليقصه في أوقات الحزن. إذ فقد الرجل القديس كل شيء في وقت محنته بواسطة الخصم، أدرك أن الشيطان ليس له سلطان عليه أن يجربه بدون سماح الرب، لهذا لم يقل: "الرب أعطى، والشيطان أخذ"... فإنه يكون الأمر محزنًا إن كان ما يعطيه الخالق يأخذه منه العدو. لكن الذي يأخذه ليس أحد آخر إلا ذاك الذي أعطى، حيث استرد ما له، ولم يأخذ ما هو لنا. فإن كل ما نستخدمه في حياتنا الحاضرة يأتي من عنده، فلماذا نحزن إن كنا نرد إليه ما اقترضناه منه خلال سخائه؟ البابا غريغوريوس (الكبير) هل ظن العدو أن أيوب لا يبالي بالبقر، ولا يهتم بالأتن، وحسب القطيع أمرًا ليس بذي قيمة، والجمال كأنها لا شيء، وكل ممتلكاته أمورًا يُستهان بها؟ ماذا بخصوص الحزن على موت بنيه وبناته، كيف لم يُسقطه في رعبٍ...؟ ذاك الذي كان أبًا لأبناء كثيرين لم يعد أحدٍ ما يدعوه "أبي". لم يقل لله: "أية خطايا كثيرة ارتكبها أيوب حتى يُحسب غير أهلٍ أن يحتضن أبنائه عند موتهم، ولا يكون قادرًا أن يكرمهم بدفنهم في قبرٍ، ولا في استطاعته أن يتعزى بدموعٍ كعادة طبيعية كاملة، ولا في قدرته أن يقود موكب جنائزي، كما يفعل عادة الآباء والأصدقاء...؟ إذن ليتكم لا تغضبون حينما تُجردون من ممتلكاتكم، وتُحرمون من الكرامات الزمنية، وتُعزلون عن الأبناء أو الآباء. حين تفقدونهم حسب ناموس الطبيعة، لا ترتبكوا... فلا يُمكن أن يُسلب منكم غناكم الحقيقي الذي هو التسبيح لله، الأمر الذي يجعلكم أقوياء تتحَّدون كل الأحداث. هل العبد يقدم اتهامًا عندما يُطالب بالوزنات التي أودعه إياها سيده؟ (مت 19:25) أو إذ أخذ قرضًا، فهل يضطرب عندما يرده...؟ نعم، إذ نعطي ما هو ليس لنا، ليتنا نتقدم لله بكونه مستحقًا الشكر، عندما يعطي كما عندما يأخذ. الأب هيسيخيوس الأورشليمي بولس أيضًا كانت له هذه المشاعر في مواجهة الدموع، إذ يقول: "ماذا تفعلون، تبكون وتكسرون قلبي؟" (أع 13:21) وهو بهذا كان موضوع إعجاب! هكذا أيوب يستحق الإعجاب، لأنه بالرغم من المشاعر التي دفعته إلى هذا التحرك عبَّر عنها بطريقة ليس فيها أي شيء غير لائق نهائيًا... موسى (النبي) كسر (لوحي الناموس)، ويشوع مزق ثيابه (خر 15:32-20؛ يش 6:7)، فلو أن أيوب لم يمزق ثيابه لقيل أن الله خلقه بطبيعة لا تتأثر (جامدة)، لكنه قبل الآلام التي تحل بالأبرار حتى تدركوا أنه التزم أن يكون حكيمًا حتى في حزنه. "وخر على الأرض وسجد" [20]. لكي لا تظنوا أن تمزيق ثيابه يعني تجديفًا، وأنه في حالة غضب على الأحداث أنصتوا إلى ما يقوله. لقد تنازل عن ثوبه للشيطان. يقول النص: "وجزَّ شعر رأسه... وقال: عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك". مرة أخرى يتكلم حسنًا. فإنه منذ ذلك الحين يواجه الصراع ملقيًا بنفسه عاريًا. لقد سقط على الأرض وأسقط الشيطان. لقد أظهر مشاعره وأوضح تقواه... لاحظوا كيف أنه بتصرفاته هذه أعلن عن كلمات الرسول: "لأننا لم ندخل العالم بشيءٍ، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيءٍ" (1 تي 7:6). لاحظوا كيف أن كلماته التي نطق بها خدمته، ليس هو وحده فقط، بل وستخدمنا نحن أيضًا. هذه الممتلكات فوق كل شيء هل هي ملكي؟ هل أنا الذي جبلتها؟ هذه الثروة، أليست هي وديعة؟ إنها غريبة عني، إذ لم ترافقني عند دخولي هذا العالم، لا ترافقني عند خروجي... ليتنا نكون متبلدين من جهة الغنى. لهذا خلقنا الله عراة منذ البداية، وجعلنا قابلين للموت. القديس يوحنا الذهبي الفم القديس جيروم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109746 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() "وَقَالَ: عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى، وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" [21]. لم يذكر الكتاب المقدس أية تسبحة تغنى بها آدم وحواء في الفردوس وسط كل العطايا والبركات الفائقة التي تمتعا بها. لكن سجل لنا سفر أيوب تسبحة قصيرة تفوق الكثير من التسابيح, تسبحة تفرح قلب الله وقلوب السمائيين, وتبقى منقوشة كما على صخر تتغنى بها الأجيال, ويجد فيها البشر عبر الأجيال تعزيان إلهية. هكذا ما كنا نتمتع بالمزامير وحياة التهليل الداخلي لو لم يكن داود النبي رجل الآلام, وما كنا نتغنى بتسبحة الثلاثة فتية القديسين لو لم يلقوا في أتون النار. بقوله هذا يعلن أيوب عن عودته إلى أصله، وكما يقول الحكيم: "يرجع التراب إلى الأرض كما كان" (جا 12: 7). عرايا نعود حيث نرجع إلى التراب الذي أُخذنا منه (أي 23: 6). جاء المثل اللاتيني بأنه "لا يمكن أن يبلغ أحد إلى حالة من الفقر المدقع أكثر مما كان عليه حين وُلد". ظهرت أمانة أيوب على غير ما ادعي الشيطان، فعوض أن يجدف على الله باركه، معترفًا بالعناية الإلهية مهما حلّ به من ضيقات. لم يقل الله أعطى والسبائيون والكلدانيون أخذوا، ولا قال الله أعطاني والرب أفقرني، وإنما قال بأن الله الذي أعطى من حقه أن يأخذ. إنه لم يخسر شيئًا، لأن كل ما لديه حتى أولاده هم ملك الله، هم عطيته. بارك الله الذي أعطى، ويباركه لأنه أخذ، لأن بقاء العطايا ولو إلى حين هو من قبيل محبة الله لنا. ولأن الله الكلي الحكمة والحب والقدرة يعرف ما لبنياننا وبالقدر الذي فيه نفعنا، لذا حتى الأخذ منا هو لخيرنا. * عندما جاء الرسل إلى الطوباوي أيوب واحد يلي الآخر، وسمعهم يعلنون عن أخبار مميتة، مضافًا إلى ذلك دمار أبنائه الذي لا يُحتمل، لم يصرخ ولا تنهد، بل التجأ إلى الصلاة وقدم شكرًا للرب؛ فلتتمثلوا به. * أيوب ليس فقط لم يجدف، بل وبارك! لم يكتفِ أن يحتمل كارثته في صمتٍ، بل مجد الله، ليس فقط في ذلك الحين، وإنما في المستقبل أيضًا. إن كنا نمارس هذه الحكمة الروحية (الشكر الدائم)، فلن نختبر أي شر، حتى إن سقطنا تحت آلام لا حصر لها، بل يكون الربح أعظم من الخسارة، ويطغي الخير على الشر. بهذه الكلمات تجعل الله رحومًا نحوك، ويدافع عنك ضد طغيان إبليس. ما أن ينطق لسانك بهذه الكلمات، حتى يهرب الشيطان منك سريعًا. * حينما كان (أيوب) محاطًا بالتمام بتلك الثروة، لم يكن ظاهرًا لكثيرين أي رجل كان هذا. ولكن عندما أُنتزعت ثيابه كمصارع وألقاها جانبًا، وجاء عاريًا للمصارعات لأجل التقوى، أدهش كل الذين رأوه. حتى أن مسرح الملائكة صرخوا عندما شاهدوا نفسه الثابتة في جلدٍ، وامتدحوه بكونه قد كسب الإكليل. وكما سبق فلاحظت أنه لم يكن يراه البشر حسنًا حينما كان ملتحفًا بكل الثروة مثلما رأوه حينما طرحها كثوبٍ، وظهر كعريانٍ على خشبة المسرح وسط العالم، فدُهش الكل لقوة نفسه. لقد شهدوا له ليس بكونه تجرد من كل شيء، وإنما بكونه في صراعه احتمل بصبر ضعفاته . * "الرب أعطى، والرب أخذ" [21]، ليفعل ما يحسن لدى الرب. انظروا فقد آمن أن الله هو الذي أخذ... أي شيء يمكن مقارنته بهذا الاتجاه؟ إنه لم يطلب أن يعرف عن حب استطلاع، ولم يقل: لماذا يعطيني الله؟ ولماذا يأخذ؟ "فليكن اسم الرب مباركًا" [21]. لاحظوا بأية وسيلة يتمتع بتعزية... إنه الرب هو الذي قرر. تقولون: لماذا قرر الله بهذه الطريقة...؟ عندما جعلني غنيًا لم أبحث عن معرفة لماذا أعطاني الغنى، والآن لا أريد أن أعرف لماذا أخذه مني. لأنه هل أعطاني هذا عن استحقاق من جانبي؟ هل أعطاني هذا مقابل أعمال صالحة؟ لقد قرر أن يعطيني، وفعل ذلك. لقد قرر أن يأخذ، وهو يفعل هذا. إنها علامة على الروح التقوية أن نصنع كل شيء حسب إرادة الله، ولا نطلب منه حسابًا، ولا تفسيرًا لما يفعله. * إنه لأمر عظيم إن استطعنا أن نقدم الشكر بفرحٍ عظيمٍ. لكن تقديم الشكر عن خوفٍ شيء، وتقديم الشكر أثناء الحزن شيء آخر. هذا ما فعله أيوب عندما شكر الله.. لا يقل أحد إنه لم يحزن على ما حلّ به أو أنه لم يتأثر به في أعماقه. لا تنزع عنه المديح العظيم لبرِّه... يؤذينا الشيطان لا لكي يسحب ما لنا ويتركنا مُعدمين، وإنما لأنه عندما يحدث هذا يلزمنا أن نجدف على الله. * توَّج أيوب وصار مشهورًا، ليس لأنه لم يهتز بالرغم من التجارب غير المحصاة التي أحدقت به، وبالرغم من مقاومة زوجته له، وإنما استمر في شكره للرب على كل حال ليس عندما كان غنيًا فقط، وإنما عند صار فقيرًا أيضًا، ليس عندما كان في صحة، بل وعندما ضُرب جسمه (بالقروح) أيضًا، ليس عندما حلت به هذه الأمور ببطء، وإنما عندما حلت به عاصفة عنيفة، حلت ببيته كما بشخصه بالكامل أيضًا. * يسبب لنا الشيطان خسائر, لا لكي ينزع عنا خيراتنا فحسب, إذ هو يعلم أن هذه كلا شيء, إنما لكي يلزمنا بهذا أن ننطق بالتجديف. هكذا في حالة الطوباوي أيوب لم يجاهد ليجعله فقيرا فحسب وإنما ليجعله أيضًا مجدفًا. القديس يوحنا الذهبي الفم القديس مقاريوس الكبير * هنا نجد مثالًا للإنسان الذي يبارك الرب في كل الأوقات . * ليأخذ ما قد أعطاه، لكن هل فقدت العاطي...؟ كأنه يقول: أخذ الكل وليأخذ كل شيء، وليرسلني عريانًا، لكن لأحتفظ به هو نفسه، ماذا ينقصني إن اقتنيت الله؟ أو ما هو نفع كل شيء لي إن كنت لا أقتني الله؟ *كان يمكنه القول:"الرب أعطى، الرب أخذ. الذي أخذه الرب يمكنه أن يعطي مرة أخرى، ويرد أكثر مما أخذ". لكنه لم يقل هذا، بل قال: "ما يحسن لدى الرب فليكن". إذ ما يسره يسرني. ليت ما يسر الرب الصالح لا يُحزن العبد الخاضع، ما يسر الطبيب لا يُحزن المريض . * من أين جاءت مثل هذه الجواهر التي لمديح الله؟ انظروا إنسانًا كان من الخارج فقيرًا، لكن في الداخل كان غنيًا. هل كان يمكن لمثل هذه الجواهر أن تصدر عن شفتيه لو لم يحمل كنزًا مخفيًا في قلبه؟ * يا للغنى الداخلي الذي لا يقدر لص أن يقترب إليه! الله أعطاه نفسه. لقد أغناه إذ قدم له نفسه، بما يحبه. * أنت تأخذ ما لدي، أنت لا تأخذ ما في داخلي. فإنه لن يصير فقيرًا القائل: "الرب أعطى الرب أخذ، ليفعل ما يحسن في عينيه، مبارك اسم الرب". * مال الظلم هو كل غنى هذا العالم، أيا كان مصدره. إذ يجمع الغني، إنما يجمع مال الظلم أي غنى الظلم... إن أردنا الغنى الحقيقي فهو مختلف عن هذا الغنى. هذا الغنى كان بوفرة، فإذ كان أيوب عاريًا كان قلبه مملوء بالإلهيات، يفيض بالتسابيح كأثمن جواهر مُقدمة لإلهه، وذلك عندما فقد كل ما لديه . * إذ تسمعون هذا وجهوا قلوبكم نحو الله. لا تخدعوا نفوسكم. اطلبوا أنفسكم... سواء كنتم تحبون العالم أو لا تحبونه، وتعلموا أن تدعوه يرحل أمامكم قبل أن ترحلوا أنتم. ماذا يعني أنكم تدعونه يرحل؟ أي لا تتعلق قلوبكم به. عندما يكون لديكم شيء ما مما ستفقدونه يومًا، سواء وأنتم في الحياة أو بالموت، دعوه يرحل، فإنه لن يقدر أن يرافقكم على الدوام. تهيأوا لإرادة الله وتعلقوا به. تمسكوا به هذا الذي لا يمكن أن تفقدوه بدون إرادتكم. فإن حانت فرصة لفقدان الزمنيات، قولوا: "الرب أعطى، الرب أخذ." * وُجد أيوب يتعبد لله من أجل الله نفسه، يحبه لأجل ذاته، وليس لأنه أعطاه ما يلزمه، وإنما لأنه لم ينزع الله نفسه عنه... لقد اقتربت نيران التجربة منه، لكن وجدته ذهبًا وليس قشًا. نزعت عنه الزغل، ولم تحوله إلى رماد! * إن أخطأت فلتحزن على فقدان كنزك الداخلي. ليس لديك شيء في بيتك، لكن قد يكون قلبك أكثر فراغًا. ولكن إن كان قلبك مملوء بصلاحه، مملوء بإلهك، فلماذا لا تقول: "الرب أعطى، الرب أخذ، ما يحسن لدى الرب فليكن! مبارك هو اسم الرب!" ما الذي يُحزن الله؟ هل من الضربات وهو نفسه قد ضُرب؟ حاشا! *يا لجواهر التسبيح لله، فقد احضرها من كنوزه الداخلية! هذه هي ثروته! أخرج تسبحة عذبة تمجد الله وتزكي أيوب. * يا له من صوت شجاع عذب! من لا يستيقظ على هذا الصوت من النوم؟ من لا يثق في الله في يقظة، ليسير في المعركة بلا خوف ضد إبليس، محاربًا لا بقوته الذاتية، بل بقوة ذاك الذي يزكيه . القديس أغسطينوس * واضح أن الفضائل تصير ممتلكاتنا، عندما تصير عمليًا منسوجة في طبيعتنا. إنها لا تتركنا ونحن نجاهد على هذه الأرض، ما لم نطردها نحن بإرادتنا ونلزمها بذلك، وذلك بفتح الباب للرذيلة لتدخل. إنها تجري بنا متلهفة كلما أسرعنا نحو العالم الآخر. إنها تقيم من يمتلكونها في رتبة الملائكة، وتشرق أبديًا في عيني الخالق. أما الغنى والسلطة واللذة وكل حشد مثل هذه الغباوات التي تتزايد يوميًا بسبب غباوتنا، هذه لا تدخل معنا في هذه الحياة ولا تصحب أحدًا عند تركه هذا العالم. فإن قول الرجل البار قديمًا: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (أي 1: 21) هو قول بحقٍ راسخٍ سائدٍ بالنسبة لكل إنسانٍ. * بين الرجال القدامى والمعاصرين يُفترض أن كل واحدٍ منهم تمتع بنجاحٍ معينٍ، إذ يتمتع كل بفضيلةٍ معينة: أيوب نال صبرًا لا ينهزم وسط المحنة، وموسى وداود الوداعة، وصموئيل النبوة متطلعُا إلى المستقبل، وفينحاس الغيرة (عد 7:35)... وبطرس وبولس الغيرة في الكرازة (غل 7:2)، وابنا زبدي بفخامة الأسلوب، فدُعيا ابني الرعد (مر 17:3). القديس غريغوريوس النزينزي القديس باسيليوس الكبير العدو نفسه سُلب، وقد ارتبك باطلًا. فإن أيوب لم يتأثر قط بالأحداث، منصتًا إلى أحاديث الشرور الساقطة عليه كما لو كانت تخص غيره، وأما هو فكصخرةٍ تصد الأمواج التي تتخبط عليها. الأب هيسيخيوس الأورشليمي * الإنسان البار الذي يعاني من التحطيم (للأمور المادية) هو غني وعريان. كان القديس أيوب مملوءً من هذا الغنى... لقد فقد كل تلك الأشياء التي وهبه الله إياها، لكنه اقتنى الله نفسه واهبها . الأب قيصريوس أسقف آرل البابا غريغوريوس (الكبير) القديس كيرلس الكبير * من يحتمل بهدوء أن يرى طفلًا وحيدًا له مطروحًا كجثةٍ هامدةٍ؟ إنه يحتاج إلى نفسٍ كالفولاذ لاحتمال ذلك. مثل هذا يلزمه أن يستريح من تنهدات الطبيعة، وأن يتقوى لينطق كلمات أيوب: "الرب أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1). فبهذه الكلمات وحدها يقف مع إبراهيم نفسه وأيوب ليُعلن عنه أنه غالب. وإن منع نحيب النساء وقام بتفريق جماعات النائحين ليقيمهم للتغني بمجد الله، فإنه ينال فوق الكل مكافآت لا حصر لها، يندهش منه البشر، وتمتدحه الملائكة، ويُتوجه الله. * هذه كلمات نفسٍ حيةٍ، نفس تؤدي دورها اللائق بها. * لنفرض أن شخصًا فقد ابنه، وآخر كل ممتلكاته... فإنه يمكن اقتناء ثمر من المحنة حتى وإن كان لا يمكن علاجها، وذلك باحتمال الظروف بنبلٍ، وعوض استخدام كلمات تجديف، تقدم كلمات شكر للرب، بهذا فإن الشرور التي تُجلب عليكم بغير إرادتكم تصير أعمالًا صالحة باختياركم. القديس يوحنا الذهبي الفم هل قرر أنه يجب أن أفقد زوجي؟ اندب خسارتي, لكن مادامت هذه هي إرادته احتملها بتسليم. هل يختطف مني الابن الوحيد؟ الضربة القاسية, لكن يمكن احتمالها, لأن الذي يأخذ هو نفسه الذي أعطي. إن صرت أعمى فقراءة صديقي تعزني. إن صرت أصم اهرب من سماع الكلمات الشريرة، وتتركز أفكاري في الله وحده. القديس جيروم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109747 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() "فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ، وَلَمْ يَنْسِبْ لله جَهَالَةً" [22]. هذه شهادة حيَّة يقدمها لنا الروح القدس عن حسن تصرفه وسط الضيق. لقد اجتاز التجربة في نجاحٍ ونصرةٍ صادقةٍ. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في تعبير "لم ينسب لله جهالة" أنه لم يتهم الله بالظلم، ولا حسب أن ما حلَّ به هو وليد صدفة، ولا تذمر قائلًا بأنه لم يخطئ فلماذا حلت به الشرور، ألا يبالي الله بأمره. مثل هذه الأفكار تحل بالبعض حينما تحل بهم التجارب بينما يرون غيرهم يتمتعون ببركات زمنية. * حارب الشيطان (أيوب) بثباتٍ، لكنه عجز عن النصرة على مصارع الله. لقد فرّغ جعبة أسهمه، لكنه لم يستطع أن يجرح مقاتله الشجاع الباسل. أثار أمواجًا ضخمة، لكنه لم يقدر أن يحرك الصخرة الثابتة. استخدم حيله، لكنه لم يقدر أن يهدم البرج القوي. هزّ الشجرة، لكنه لم يحطم الثمرة. لقد كسَّر الأغصان، لكنه لم يوذِ الجذر. لقد اخترق السور، لكنه لم يحمل الكنز. الآن أقول إن هذا الكنز الذي أشير إليه ليس من ذهبٍ ولا فضةٍ، بل إيمان الرجل البار. فإن الشيطان أراد تحطيم هذا الكنز عندما هيّج عليه بلاء لا يُحتمل بعد أن نزع عنه كل ثروته... ها أنتم ترون الله يتمجد والشيطان يخزى . الأب قيصريوس أسقف آرل القديس أغسطينوس "في كل هذا لم يخطئ أيوب، ولم ينسب لله جهالة" [22]... إذ لم ينطق بشيء فيه غباوة، حافظًا لسانه من الإثم، بينما قيل: "لم يخطئ"، فيظهر أنه استبعد عنه خطأ التذمر حتى من فكره، فلم يخطئ، ولا تكلم بجهالة، ولا ثار السخط في شعوره الصامت، ولا انحل لسانه بالسب. البابا غريغوريوس (الكبير) هذا هو الطريق الذي به قدم أيوب ذبيحة (تسبيح) بالرغم من الأحزان المرعبة التي فوق الطاقة البشرية قد حلت به. القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109748 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
هذا الاسم "رجل" لا نعًّرفه حسبما يعرفه الذين هم في الخارج، بل حسبما يعًّرفه الكتاب المقدس. فالإنسان ليس هو كل من له يدا إنسان وقدماه، ولا من كان عاقلًا فحسب، بل من يمارس التقوى والفضيلة بشجاعة. القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109749 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
*كثيرون يدعون أنفسهم "رجالًا" (أناسًا)، لكنهم هم ليسوا بالحق هكذا. فالبعض يعيشون بسلوك بهيمي، بينما آخرون بسلوك الزواحف، يبثون حنقهم كوحوشٍ مفترسةٍ. لهذا يقول داود نفسه: "والإنسان في كرامةٍ لا يبيت، يشبه البهائم" (مز 49: 12)... لكن بالتأكيد تُستخدم كلمة "إنسان" على من يحمل صورة الله (تك 1: 27)، هذا الذي يحمي كرامته بطريقة لائقة، ويضع الخيار بين الخير والشر، ويهب مجده لخليقته التي تبتهج به، وتجد مسرتها فيه (مز 104: 31). هكذا "كان رجل في أرض عوص". فقد كانت المنطقة قفرًا موحشًا، لكن به غرس... كان أيوب كنزًا لا ينقصه شيء. كان مملوءً من عنب الحصاد المغروس. كان كاملًا (حقيقيًاtrue ) كخليقة الإله الحق، إذ استخدم فضائله لحساب الحق بغير رياءٍ، متممًا وصايا الله... فقد عبد الله حسبما يريد الله. الأب هيسيخيوس الأورشليمي |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 109750 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
* لكي يكشف عن استحقاق فضيلته أُخبرنا أين قطن الرجل القديس، لأنه من لا يعرف أن عوص هي بلد أممي؟ كان العالم الأممي تحت سلطان الشرير؛ وبالتالي كانت عيناه مغلقتين عن معرفة خالقه. إذن لنُخبر أين قطن، فإن في هذا مديح له. كان رجلًا صالحًا يقطن بين أناسٍ أشرارٍ. إنه لمديح ليس بعظيمٍ أن تكون صالحًا في صحبة الصالحين، وإنما أن تكون صالحًا ساكنًا وسط أشرارٍ، فهذه شهادة لا يُمكن قياسها... فقد قيل: "وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة، إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يُعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بالأفعال الأثيمة" (2 بط 2: 7-8)... وهكذا يقول بولس لتلاميذه: "في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ تضيئون بينهم كأنوارٍ في العالم" (في 2: 15). وقيل لملاك كنيسة برغامس: "أنا عارف أعمالك، وأين تسكن، حيث كرسي الشيطان، وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني" (رؤ 2: 13). هكذا مُدحت الكنيسة بصوت العريس، قائلًا في نشيد الحب: "كالسوسنة بين الشوك، كذلك حبيبتي بين البنات" (نش 2: 2)... بحقٍ قيل عنه إنه كان "يحيد عن الشر" فقد كُتب: "حد عن الشر، وأفعل الخير" (مز 37: 27). فإنه بالحق الأعمال الصالحة تكون غير مقبولة لدى الله إن كانت في عينيه ملطخة بمزجها بأعمال شريرة، وذلك كما قيل بسليمان: "من يخطئ في أمرٍ واحدٍ يُفسد خيرًا جزيلًا" (راجع جا 9: 18). يشهد يعقوب لذلك، قائلًا: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10). بولس يقول: "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (1 كو 5: 6). إذن كان لائقًا أن يُشار كيف كان يحيد عن الأعمال الشريرة لإظهار كيف كان الطوباوي أيوب بلا غضن ثابتًا في أعماله الصالحة. البابا غريغوريوس (الكبير) |
||||