قَوْلُ يسوع المسيح: "بِي" (δι’ ἐμοῦ)، أَي "مِن خِلالي" أَو "بِوَاسِطَتي"، فَيُشيرُ إِلى أَنَّ المَسيحَ هُوَ الوَسيطُ الحَيُّ بَينَ الإِنسانِ وَالآبِ. فَهٰذِهِ العِبَارَةُ لا تَحمِلُ مَعنى وَسِيلَةٍ خَارِجِيَّةٍ فَحَسب، بَلْ تَدلُّ عَلَى شَرِكَةٍ حَيَّةٍ وَوُجودِيَّةٍ مَعَ شَخصِ المَسيحِ نَفسِهِ.
فَالخَلاصُ، وَفْقَ اللاهوتِ اليوحنّاويّ، لا يُفْهَمُ كَفِكرَةٍ مُجَرَّدَةٍ أَو كَمَبدَإٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ كَدُخولٍ فِي عَلاقَةٍ شَخصيَّةٍ مَعَ يسوع المسيح، الَّذي بِهِ وَفِيهِ وَمِنهُ يَتَحَقَّقُ الخَلاصُ. وَيَتَأَكَّدُ هٰذا المَعنى فِي قَولِهِ: "لا يَمضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلّا بي" (يوحنّا 14: 6)، حَيْثُ يَظهَرُ أَنَّ المَسيحَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَليلٍ إِلَى اللهِ، بَلْ هُوَ الطَّريقُ الحَيُّ الَّذي يَحمِلُ الإِنسانَ إِلَى شَرِكَةِ الآبِ.
وَيُعَلِّقُ القديس كيرلس الإسكندري قائلًا: "بِالمَسيحِ وَحدَهُ نَحصُلُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الآبِ، لِأَنَّهُ هُوَ الوَسيطُ وَالطَّريقُ الَّذي يَجْمَعُ الإِنسانَ بِاللهِ" (In Ioannem). وَهٰكَذا تَكشِفُ عِبَارَةُ «بِي" (δι’ ἐμοῦ) أَنَّ الخَلاصَ هُوَ اتِّحادٌ شَخصيٌّ بِالمَسيحِ، وَمُشارَكَةٌ فِي حَياتِهِ الإِلٰهيَّةِ، لا مُجرَّدُ مَعرفةٍ أَو انتماءٍ ظاهِريّ.