![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
![]() الكَلِمَةُ وَالتَّارِيخُ (يوحنّا 1: 6–13) بَعْدَ أَنْ وَصَفَ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ "الكَلِمَة" كَائِنًا أَزَلِيًّا، وَبِهِ خُلِقَ العَالَم، يَنْتَقِلُ الآن إِلَى إِظْهَارِ عَلاَقَتِهِ بِالتَّارِيخِ البَشَرِيّ، لَا كَمَسَارٍ عَرَضِيّ، بَلْ كَمَسْرَحٍ لِتَدَخُّلِ اللهِ وَإِعْلَانِهِ الخَلَاصِيّ. فَالَّذِي هُوَ فَوْقَ الزَّمَن، دَخَلَ الزَّمَنَ، وَالَّذِي هُوَ أَزَلِيٌّ، قَبِلَ أَنْ يُعْرَفَ فِي مَسِيرَةِ التَّارِيخ. وَلِذَلِكَ يُقَدِّمُ الإِنْجِيلُ شَخْصِيَّةَ يُوحَنَّا المَعْمَدَان بُوصْفِهِ أَوَّلَ شَاهِدٍ تَارِيخِيٍّ لِلنُّور: "كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ الله، اسْمُهُ يُوحَنَّا… جَاءَ لِلشَّهَادَة، لِيَشْهَدَ لِلنُّور" (يوحنّا 1: 6–7). فَيُوحَنَّا المَعْمَدَان لَا يَشْغَلُ مَرْكَزَ التَّارِيخ، بَلْ يُحِيلُ إِلَى مَرْكَزِهِ؛ وَلَا يَجْذِبُ النَّاسَ إِلَى ذَاتِهِ، بَلْ يَقُودُهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِالشَّخْصِ الآتِي إِلَى العَالَم. وَهُنَا يُوَضِّحُ القديس أوغسطينوس أَنَّ يُوحَنَّا هُوَ "الصَّوْت"، لَا "الكَلِمَة"، لِأَنَّ الصَّوْتَ يَظْهَرُ فِي الزَّمَن وَيَزُول، أَمَّا الكَلِمَةُ فَبَاقِيَة؛ وَالصَّوْتُ يُهَيِّئُ، أَمَّا الكَلِمَةُ فَتُخَلِّص. فَهُوَ شَاهِدٌ لِلنُّور، لَا النُّورُ ذَاتُهُ، وَبِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يَخْضَعُ التَّارِيخُ لِأَوْلَوِيَّةِ الكَلِمَةِ، لَا لِعَظَمَةِ الشُّهُود. ثُمَّ يُعْلِنُ الإِنْجِيلُ أَنَّ "النُّورَ الحَقِيقِيّ" قَدْ دَخَلَ العَالَمَ الَّذِي خُلِقَ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ "العَالَمُ لَمْ يَعْرِفْهُ" (يوحنّا 1: 10). فَالمَفَارَقَةُ التَّارِيخِيَّةُ الصَّادِمَةُ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الخَالِقَ وَجَدَ نَفْسَهُ مَرْفُوضًا مِنَ المَخْلُوقِين، وَأَنَّ مَنْ أَعْطَى النُّورَ وُوجِهَ بِالعَمَى. وَيَتَعَمَّقُ هَذَا الرَّفْضُ أَكْثَرَ عِنْدَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ:"إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يوحنّا 1: 11). فَإِسْرَائِيل، شَعْبُ العَهْدِ وَالمَوَاعِيد، الَّذِي هَيَّأَهُ اللهُ بِالشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاءِ، لَمْ يَتَعَرَّفْ إِلَى تَحَقُّقِ الوَعْدِ. وَهُنَا تَظْهَرُ مَأْسَاةُ التَّارِيخ: أَنْ يَمُرَّ اللهُ فِي وَسَطِ شَعْبِهِ وَلَا يُدْرَك، وَأَنْ يَتَكَلَّمَ الكَلِمَةُ وَلَا يُصْغَى إِلَيْهَا. وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري " "أَنَّ هَذَا الرَّفْضَ لَا يُبْطِلُ قُوَّةَ النُّور، بَلْ يَكْشِفُ حُرِّيَّةَ الإِنْسَان؛ فَاللهُ يَدْخُلُ التَّارِيخَ مُتَوَاضِعًا، لَا قَاهِرًا، وَيَعْرِضُ الخَلَاصَ دُونَ أَنْ يَفْرِضَهُ". وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّفْضَ لَيْسَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَ فِي التَّارِيخ. فَيُوحَنَّا يُعْلِنُ بِفَرَحٍ: "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ الله"(يوحنّا 1: 12). فَقُبُولُ الكَلِمَةِ يَفْتَحُ بَدَايَةً جَدِيدَةً لِلإِنْسَان، لَا عَلَى أَسَاسِ الوِلَادَةِ الجَسَدِيَّةِ، "«لَا مِنْ دَمٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلَا مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل"، بَلْ مِنْ وِلَادَةٍ جَدِيدَةٍ "مِنَ الله" (يوحنّا 1: 13). وَيُوَضِّحُ القديس أثناسيوس الرسولي أَنَّ هَذِهِ البُنُوَّةَ لَيْسَتْ لَقَبًا أَخْلَاقِيًّا أَوْ مَكَانَةً رَمْزِيَّة، بَلْ اشْتِرَاكٌ حَقِيقِيٌّ فِي حَيَاةِ الله، فَالِابْنُ صَارَ ابْنَ إِنْسَانٍ لِكَيْ يَصِيرَ الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ بِالنِّعْمَة. إِنَّ هَذِهِ البَدَايَةَ الجَدِيدَةَ فِي التَّارِيخِ مُتَاحَةٌ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِالمَسِيح، لِأَنَّهُ جَاءَ إِلَى العَالَم لِيَهَبَ البَشَرِيَّةَ رَجَاءَ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ وَنُورَهَا؛ حَيَاةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى، بَلْ تُعْطَى كَهِبَةٍ لِمَنْ يَقْبَلُ أَنْ يَحْيَا كَابْنٍ لِله، وَيَسِيرَ فِي نُورِ مَلَكُوتِهِ. وَكَأَبْنَاءِ الله، يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ أَنْ نَتَخِذَ مَوْقِفَ يُوحَنَّا المَعْمَدَان نَفْسَهُ: أَنْ نَكُونَ شُهُودًا لِلنُّور دُونَ أَنْ نَدَّعِي أَنَّنَا النُّور، أَنْ نَعْكِسَ نُورَ المَسِيحِ فِي العَالَم، وَأَنْ نُوَجِّهَ النَّاسَ دَائِمًا إِلَى النُّورِ الحَقِيقِيّ الَّذِي دَخَلَ التَّارِيخَ لِيُجَدِّدَهُ مِنَ الدَّاخِل. |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|