منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 12 - 06 - 2014, 09:04 PM
الصورة الرمزية Ramez5
 
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  Ramez5 متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

أنبا مقارة الكاتب

قال مقارة الكاتب: أردتُ الدخولَ إلى مدينةِ الإسكندريةِ لقضاءِ بعض حوائجي، ولما دخلتُ إلى المدينةِ قابلني رجلٌ لا أعرفه خارجاً من المدينةِ، وعلى كتفِه وعاتقهِ آلةُ صناعةِ البستانِ ومعه من ثمارِه، فقال لي: «من أين أتيتَ يا أبي، وإلى أين تذهبُ»؟ فقلت له: «أنا من الوادي المقدس، وأنا طالبٌ هذه المدينةَ». فقال: «أنا أسألك أن تبيتَ عندي الليلةَ في منزلي، وعند الصباحِ تمضي حيث تريد».
وكان ذلك الوقت مساءً، وسألني باسم يسوع المسيح، فأجبتُه إلى ما سأل، وكنتُ لا أعلمُ معبودَه، ولا مذهبه، إلا أنه يعرفُ كلامَ أهلِ الجبالِ، وهي اللغة القبطية، فمضيتُ معه إلى منزلِه، فأخرجَ مفتاحاً، وفتح البابَ، ودخلنا، فنظرتُ يميناً وشمالاً، فلم أجد شيئاً سوى حصيرةٍ، قد مضى عليها مدةٌ من الزمنِ، ووعاءً فيه ماء، وحبلاً مشدوداً في سقفِ البيتِ، وكتاباً موضوعاً على كرسي، وسراجاً فيه زيت، ومنديلاً فيه رغيف من الخبزِ اليابسِ لا غير. فقدَّم لي ماءً أولاً، فغسلتُ وجهي ورجليَّ، ثم بعد ذلك انتصب إلى الصلاةِ، فوقفتُ وصليتُ معه إلى حينِ أتم صلاتَه، وأنا معه، فأحضر ذلك الرغيف اليابس وقليلاً من الملحِ، وسألني أن آكلَ، فأخذتُ وأخذ معي، وأكلنا جميعاً.
أما أنا، فلما وقع ذلك الطعامُ في فمي، وإذا طعمُه مثل شهدِ العسلِ، وأحلى منه، والملحُ أيضاً كان كأنه مثل ذلك، فتداخلني العَجَبُ، وأكلنا من رغيفِ الخبزِ هذا، نحن الرجلين، ولم يذهب منه شيءٌ، فقلت: «يا ليت شِعري، ما هذا الرجل»؟
وبعد أكلِ الطعام بدأ يسألني عن الكتبِ المقدسةِ، وما فيها من آلام المسيح، ويشرحُ تفسيرها، ورغم أني كاتبٌ جميعُ أيامي كلِّها، ومطَّلع في الكتبِ المقدسةِ، إلا أني لم أكن عارفاً بما أوضحه لي. فقلتُ: «هذا من اللهِ، هذا الرجل هو ملاكٌ، وإن الله سهَّل طريقي، إذ جمعَ بيني وبينه». وكنتُ أسمع منه، ولا أقدر أن أجيبه، لأجلِ ما فيه من الروحِ الناطقةِ.
ولما كان الصباحُ، وهو لم ينم، أخذ آلتَه، وأراد الخروجَ إلى المكانِ الذي فيه الكرم الذي كان له، وأنا لا أعلمُ بذلك، وقال لي: «أنا أريدُ أن أخرجَ إلى عملي باكراً حتى أنصرفَ باكراً»؛ وإنما كان يشيرُ بذلك إلى الآخرةِ، وأنا لا أعلمُ. ودفع لي مفتاحَ منزلِه، وقال لي: «اخرج أنت واقضِ ما تريده من حوائجك، وعد إلى منزلي، فإنك تكون عندي إلى عشرةِ أيامٍ»، فأخذتُ المفتاحَ، وتوجَّه هو إلى عَمَلِهِ.
أما أنا فقد مضيْتُ إلى البيعةِ والصلاةِ وتناول الأسرار، فوجدتُ فيها رهباناً قديسين كنتُ أعرفهم، فلما رأوني، فرحوا بي وقالوا لي: «يا مقارة، متى أتيتَ إلى هنا»؟ فقلتُ: «بالأمسِ». فقالوا: «أين أنت نازلٌ»؟ فقلت لهم عن صفةِ ذلك الرجلِ، فتعجبوا، ولم يعرفوه، فسألوا عنه الرجلَ الذي كان قيِّماً بالبيعةِ، وهو خبيرٌ بجميعِ سكانِ المدينةِ، فلم يعرفه، وكان ذلك عجيباً.
ولما فرغتُ من الصلاةِ والقداس، عدتُ أريدُ المنزلَ، فلم أجده، وتعبتُ متحيراً، لا أدري كيف أذهبُ، فتفكرتُ وقلتُ: «لعل الذي رأيتُه كلَّه كان مناماً، أمضي وأجلس على الطريقِ في المكانِ الذي اجتمعتُ به فيه أولاً، لعلي أراه».
وكنتُ قد وضعتُ في المنزلِ قبل خروجي منه بعضَ حوائجي، فخرجتُ إلى خارجِ المدينةِ، وجلستُ على الطريقِ في المكانِ الذي اجتمعتُ به فيه أولاً، فلم أجلس إلا قليلاً، وإذا بذلك الرجلِ قد أقبلَ عليَّ، على تلك الحالةِ الأولى، فتطلَّع وأبصرني، وقال لي: «لِمَ خرجتَ إلى ها هنا»؟ فأعلمتُه بجميعِ ما نالني في ذلك اليوم. فقال لي: «أسأتَ إليَّ اليومَ لَمَّا فعلتَ هذا، إني رجلٌ مُطَالبٌ بما قدمته يداي، وكنتُ لا أريدُ أن يعرفَ موضعي أحدٌ»، وهذا كان تعليماً حسناً.
ثم إنه مشى، وأنا أتبعه، حتى دخلنا إلى المنزلِ، وفعل مثلَ المرةِ الأولى، وأقمتُ عنده ثلاثةَ أيامٍ، وذلك الرغيف لم يذهب منه شيءٌ، وقضيتُ بعضَ حوائجي في هذه المدةِ، وأردتُ الانصرافَ، فقال لي: «ألم أقل لك إنك ستقيم عندي عشرةَ أيامٍ»؟
وأخذ آلتَه، وأراد الخروجَ إلى كرمِهِ، فقلتُ له: «أنا أمضي معك اليومَ إلى كرمِك لأبصرَه، وأنظرَ عملَك». فقال لي: «قم وامشِ»، وأخذ بيدي، وخرج أمامي، وأنا أتبعه حتى خرجنا من بابِ المدينةِ. وإذا بثلاثةِ رجالٍ، لابسين لِباسه، ومعهم أداةً مثلَ أداتِه، وقالوا له: «قد أبطأتَ علينا، انهض»، فنهضَ وهو يقول لي: «يا مقارة، امشِ خلفَنا». فمشيتُ وأنا أريد أن أكلِّمهم، وهو وإياهم لا يلتفتون إليَّ، وهم مجدين في المسيرِ، وأنا لا أعلمُ أين يريدون إلى وقتِ صلاة الثالثةِ من النهارِ؛ وإذا نحن قد أشرفنا على عينٍ جاريةٍ ونهرِ ماءٍ لا يعرفُ أحدٌ آخِرَه، وحوله شجرٌ من النخيلِ والعنب والزيتون والتين والرمان؛ فصلوا، وأخذوا الأداةَ التي معهم، وجعلوا يكرمون في تلك الأشجار، ولا يأكلون من ثمارِها، وأنا كنتُ متفكراً.
فدنوتُ إلى الرجلِ الذي كنتُ نازلاً عندَه، وقلتُ له: «هؤلاء القوم شركاؤك في هذه الروضةِ، لم يكلموني»، فقال لي: «هم يعرفونك، لكنهم يقولون إنك لا تريدُ أن تكونَ معهم مقيماً». فقلتُ: «إنهم يعملون أعمالاً لا أعرفها، وأنا مشغولٌ بما أنت عارفٌ، فإني أكتبُ كتبَ البيعةِ، وأريد بذلك عمارتها، فأجدد ما قدم منها».
وأقمتُ ذلك النهارَ كلَّه معهم، وعند صلاة التاسعةِ أكلتُ من ثمرةِ ذلك الشجرِ، وكنتُ أُكثرُ من الأكلِ منه ولا أملُّ، وهي لا تُشبعني، فقلتُ لذلك الرجلِ: «إن ثمرات هذا الشجرِ لا تُشبع الجائعَ». فقال كلاماً، وهو تعليمٌ روحاني: «إنّ اهتمامَك هو بطعامِ العالمِ، وتركتَ الاهتمامَ بالعملِ الصالحِ، والطعام الروحاني»؛ وللوقتِ علمتُ أن القومَ صالحون، فدنوتُ إليهم أريدُ أن أتباركَ منهم، وطلبتُهم فلم أجدهم.
وبقيتُ في الروضةِ وحدي، أطوفُ فيها يميناً وشمالاً، ولا أدري أين أذهبُ، وأقمتُ على هذه الحال عاماً كاملاً، آكُلُ من ثمرِ الشجرِ، ولا أدري من يجاوبني، ولا القوم الذين رأيتُهم، وقلتُ: «لقد فعل الله معي، مثل قديسيه، وأسكنني هذا الجنان، وهو الذي بعثَ لي هؤلاء القوم الذين رأيتُهم».
وبينما أنا في آخرِ العامِ، وإذا بي أرى ركاباً يريدون المسيرِ إلى حاجتهم، فتقدمتُ إليهم، وقلتُ لهم: «إلى أين تقصدون»؟ فقالوا: «مدينةَ الإسكندريةِ». فقلتُ لهم: «هل لكم أن تأخذوني معكم؟ فإني ها هنا في هذه البريةِ لا أعلمُ أين أذهبُ»، حدث هذا لما داخلني الفكرُ بحبِ العالمِ بينهم، فظهر لي الشيطانُ وجنودُه في هذه الهيئةِ، ليخرجوني من الموضعِ الرحبِ إلى الضيقِ والتعبِ. وحملوني وأنا لا أعلمُ أنهم الشياطين؛ وفي أسرعِ وقتِ مضيتُ إلى مدينةِ الإسكندرية، وكان رجلٌ من الركابِ يقول: «قد ربحنا هذا، وأخرجناه من النعيمِ إلى التعبِ».
وفيما أنا متفكرٌ في كلامهِ، إذا بالرجلِ الذي كنتُ نازلاً في منزلهِ، وكنتُ قد جعتُ، فمشى أمامي وأنا أتبعه إلى منزلِه، فأحضر لي ذلك الرغيفَ بعينِه، وأكلتُ، وأكل معي كالعادةِ، وقال: «يا مقارة، أين كنتَ في هذه المدة»؟ فقلتُ له: «إني في الروضةِ، ومنذ فارقتُك انتظرتُك عساك تعودَ إليَّ، فلم أنظرك إلا في هذه الساعةِ»؛ ثم أقبل عليَّ، وقال لي: «يا مقارة، اخترتُ لك مكاناً تكون فيه، ولكنك لم ترغب فيه؛ لكن الشيطانَ العدو، هو الذي أخرجك منه ولم تعلم». فقلتُ له: «يا أبي، مَن هؤلاء القوم الذين كانوا معك»؟ فأخبرني بأنهم قديسون عظام، يسكنون هذه المدينةَ، ومنازلهم مثل منزلي هذا، ونحن كلّ يومٍ نمضي مع بعضنا سراً إلى هذه الروضةِ، نصلي فيها، ونُصلح أشجارها، ونعودُ إلى منازلنا، وأهلُ هذه البلادِ لا يشعرون بنا، فلو صبرتَ قليلاً، لكنتَ لنا رفيقاً. هل تعرف هذه البريةَ والروضةَ؟ فقلت: «لا». فقال لي إنها من الجنانِ التي وعدَ الله بها أتقياءه وأصفياءه، ولا يعرف أحدٌ من الناسِ بُعدَ المسافةِ بين العالم الكوني وبينها.
وللوقتِ صرتُ نادماً، وكلح وجهي، وأطرقتُ وجهي إلى الأرضِ، ولم أستطع رفعَ رأسي، ثم رفعتُ صوتي وبكيتُ نادماً، فقال لي: «قم ارجع إلى مكانِك، فإنّ اللهَ جعلَك لتمجيدِ اسمه فيما تكتبه، وستصير راعياً، وأخبرني بأشياءٍ كثيرةٍ، وأقمتُ عنده بقيةِ العشرةِ أيامٍ التي ذكرها، ولم تكن المدة التي كانت، وكنتُ فيها في الروضةِ، إلا مثل منامٍ رأيته، وإني سألتُه في عدةِ مسائل وأبوابٍ، فأخبرني بها، وقد كتبتُها في كتابٍ آخر.
ولما أردتُ المسيرَ، أخرج لي ذلك الرغيف، وأعطاه لي، وقال لي: «استعمل منه وقتَ حاجتك، فإنه يُغنيك عن كثيرٍ من الطعامِ، واحذر أن تُعلِمَ أحداً بما رأيتَ، وسطِّره في كتابٍ، ولا يقرأه أحدٌ إلا بعد وفاتِك، وإني أُعلمك أنك ستكونَ رئيساً، وتدوم رئاستُك اثنتين وعشرين سنةً، وتكتب كتباً كثيرةً، فيها عجائب وبراهين، وهي تكون بعدك ذِكراً لك».
ولما خرج يريدُ أن يودعني عند مسيري، قال لي: «يا ولدي أوصيك إذا انتقلتْ إليك الرياسةُ، فلا تَكبُر نفسُك على أخيك، بل كن متواضعاً، رحوماً جداً، عفيفاً، وطوباك لأنك تقدس قرابين كثيرة، وتصبغ شعباً كبيراً بالمعموديةِ. وفي العام التالي، تأتي إلى هذا المنزلِ، وتطلبني، ويهديك الله إليه».
ثم إني انطلقتُ، وفي تلك الساعةِ وصلتُ إلى مسكني بدير برموس، ولم يمضِ إلا خمسةٌ وعشرون يوماً، وإذا بالأب البطريرك البابا ديمتريوس يدخل إلى الدير، ويأخذني ويرسمني أسقفاً على كرسي نقيوس، وسلم إليَّ رعايةَ شعبٍ كثيرٍ، كما ذكر لي الأب القديس؛ ولما كان في العام الثاني، أتيتُ إلى مدينة الإسكندرية، واجتمعتُ بذلك الأب القديس، فوجدتُه على حالِه، وعندما رآني، قبلني وقبلته، ونزلتُ بمنزلِه، ووجدتُ عنده القومَ رفقاءَه، فسلموا عليَّ، وسلمتُ عليهم، وقالوا: «يا مقارة، اليوم تحصنتَ من الشيطانِ، احفظ هذه، فهي حصنٌ عظيمٌ»، وتباركتُ منهم، وودعوني، فلما أرادوا المسير، سألتهم هل لي وصولٌ إلى تلك الروضةِ؟ فقالوا: «لا، فهو ذا أنت ترعى شعباً كثيراً، إياك أن تحيفَ في الحكمِ أو تحابي».
وأما أنا، فإن ذلك الرغيفَ الذي أعطاني إياه القديس، فقد كنتُ آكل منه في اليومِ ما يغنيني عن ثلاثةِ أيامٍ، وسألتُ القديس عنه، فلم يخبرني ما هو.
وأنا مقارة، كتبتُ هذا جميعَه، وكنتُ قد سألتُ الله أن يحلَّ هؤلاء القوم في منزلي ويصلُّوا في بيعتي بنقيوس، فرأيتُ أحدَهما قائماً أمامي، وقال لي: «يا مقارة، إنك لن ترانا إلى اليوم الذي تمضي فيه إلى ربك، فنكون حاضرين الصلاةَ عليكَ».
فنسأل الله أن يجعلنا من العاملين بطاعتِه، ويكفينا شرّ الشياطين، آمين.
Ð Ñ w Ð Ñ
كان شابٌ اسمه مقارة، اتفق له وهو يرعى ويلعب مع صديقٍ له، فقتله بغيرِ تعمدٍ، ولم يعلم به أحدٌ. فمضى لوقته إلى البريةِ وترهب، وأقام ثلاث سنين في البردِ والحرِ، في أرضٍ ليس فيها ماءٌ. وبعد ذلك بنى كنيسةً داخل البريةِ، وأقام فيها خمساً وعشرين سنةً، واستحق نعمةً من الله، حتى إنه قويَ على الشياطين، وفرح في نسك الرهبنةِ. وأقمتُ بالقربِ منه زماناً، ولما صار لي عليه دلالٌ، فتشتُهُ عن فكرِهِ بسبب خطيةِ القتلِ، فقال: «أقمتُ أياماً كثيرةً متعباً، لأجلِ هذا الفكر، وهو يلازمني ليلاً ونهاراً، ويقلقني جداً، وآخر الأمرِ أراحني الربُّ من حزنِ القلبِ بسببه، حتى لقد شكرتُ القتلَ الذي فعلتُه بغيرِ اختياري، لكونه كان سبباً لخلاصي، وبنعمةِ الربِ صرتُ، إذا تعرضتْ إليَّ الشياطينُ، بفكرِ تعظيم القلبِ، ويقولون لي: قد صرتَ رجلاً عظيماً أكثرَ من الرهبانِ كلِّهم، فأجيبهم قائلاً: «والقتل الذي فعلتُه، ما أشد عذابي في الجحيم بسببه». فيمضون عني. ومرةً أخرى يقولون لي: «أيها القاتل، لماذا تقعد في هذه البريةِ، وليست لك توبةٌ، فتتعب في الباطلِ، امضِ إلى العالمِ واصنع إرادتك لئلا يفوتك الأمران»، فأقول لهم: «الربُّ الذي صنع الرحمةَ مع عبدِه موسى، يرحمني أنا أيضاً»، وكنتُ أعزي نفسي وحدي بأن موسى لم يستحق أن يرى الله، إلا بعد أن هرب من مصر، ودخل البريةَ، لأجلِ الذي قتله بغيرِ اختياره.
وما قلتُ هذا ليطيبَ قلبُ أحدٍ بالقتلِ، بل ليعرفوا أن أسباباً كثيرةً مختلفةً تجتذبُ الناسَ إلى الفردوس؛ فواحدٌ يهربُ لأجل الفقرِ والاستدانةِ، وآخر يهربُ من جورِ المتسلطين، وآخر بسببِ زنى زوجته، وآخر من شرِّ أسياده، وبالجملةِ فإن قوماً يهربون من الخوفِ الدنيوي، وقوماً يحبون الله، ويؤثرون خلاصهم، فيصيرون رهباناً بإرادتهم.
قال دورثاوس: «إن الأوجاعَ هي غيرُ الخطايا، فالخطايا هي عملُ الأوجاعِ بالفعلِ، والأوجاعُ هي أسباب الخطايا، فقد يوجد إنسانٌ فيه الأوجاع كالغضبِ الضار، وشهوةِ الشرِّ، ولا يستعملها.
والقديسون ما اكتفوا بأن لا يفعلوا الشرورَ فقط، بل واجتهدوا في أن يقلعوا من نفوسِهم الأوجاعَ التي هي أصولُها، ولما صَعُبَ عليهم ذلك وهم بين العلمانيين، تغرَّبوا في البريةِ، ولازموا الصوم والصلاةَ والسهرَ، فقاموا بما قُرر عليهم من الوصايا، من عفةٍ، ومسكنةٍ، ونافلةٍ، وغربةٍ، لتكميل وصايا الربِّ. وزيادة العفةِ، وهي عدم الجماع البتة. والمسكنةِ، وهي عدم القنيةِ بالكمالِ. والنافلة، وهي ما زاد على الفريضةِ، وهي الرهبنة. وفرزوا للرهبنة شكلاً (أي زِيًّا) فيه رموزٌ على غرضها. أما القلونية التي ليس لها كُم، فإذا أردنا أن نعملَ بأيدينا شراً، إما بالسرقةِ، أو الضربِ، أو غيرهِ، فإن ذلك يُقصِّر أيدينا كتقصيرِ كُمِّنا. وأما الاشتداد بالمنطقةِ، فللتشمر والاجتهاد في خدمةِ اللهِ، وكونها من جلدٍ ميت، لنميتَ أوجاعَنا. وأما الأباليون بشبهِ الصليب، فإشارة إلى حملِ الصليبِ واتِّباع سيدنا. وأما القوفلية، فهو شبه الخنق، وهو لباس الأطفال، والأطفال لا مكر عندهم، ولا حقد ولا نجس، ولا إقامة هوى، وذلك هو أكبر أغراض الرهبنةِ».
قال شيخٌ: «الرهبنة هي غربةٌ، وفقرٌ، وصبرٌ على البلايا والظلمِ».
وقال أيضاً: «إن لم تبغض الإثمَ، فلن تستطيعَ أن تحبَّ البرَّ، كما كُتب: حِدْ عن الشرِّ واصنع الخيرَ».
كذلك قال: «النيةُ هي المطلوبةُ في كلِّ موضعٍ، لا الموضعَ، فإنَّ آدم كان جالساً في الفردوسِ، وأطاع مشورةَ الشيطانِ، وتبعَ هواه وعصى وصيةَ اللهِ، وأيوبَ كان جالساً على المزبلةِ، وقاوم الشيطانَ، وضبطَ هواه، وحفظ وصيةَ الإله».
كما قال: «إنَّ المسيحيين الحقيقيين، هم أفضلُ الأممِ، والرهبان (الحقيقيين) أفضل المسيحيين».
كان رئيسُ ديرٍ أباً لمائتي راهب، هذا زاره السيد المسيح بصورةِ شيخٍ مسكينٍ، فسأل البوابَ أن يقولَ للمعلمِ عنه، فدخل، فوجده يخاطب آخرين، فصبر، ثم عرَّفه، فقال له: «دعنا في هذا الوقتِ»، فتأخر البوابُ. وعند الساعةِ الخامسةِ زارهم رجلٌ مُوسِرٌ، فتلقاه رئيسُ الديرِ بسرعةٍ، فتقدم ربنا سائلاً قائلاً: «أريدُ يا معلم أن أكلمَك»، والرئيسُ دخل مع ذلك الغني مسرعاً ليصلحَ له طعاماً، بمعنى أنه غريبٌ، وبعد الأكلِ شيَّعه إلى البابِ، ونسي المسكين إلى المساءِ، ولم يَقبل الغريبَ المسكين. ثم انصرف الربُّ، بعد أن راسله على لسانِ البوابِ قائلاً: «قل للمعلمِ إن كنتَ ترى كرامةً وتشريفاً، فذلك لأجلِ سالفِ تعبك، إني مرسلٌ لك أقواماً يزورونك من أربعِ جهات الدنيا، وأما خيرات ملكوتي، فلا تذوقها». فعرف حينئذ أن الشيخَ المسكين، هو الربُّ، وتندم وتألم.
اتفق اثنا عشر من القديسين الحكماء، واجتمعوا على رأيٍ واحدٍ، ورغب بعضُهم إلى بعضٍ في أن يَذكُرَ لهم طريقةَ نسكِهِ، لينتفعوا:
فقال الأول:« أنا منذ بدأتُ بالانفرادِ، صلبتُ ذاتي عما هو خارج عني، وجعلتُ فيما بين نفسي وبين الأشياءِ الجسمانيةِ سوراً، وصرتُ في بيتي، كمن هو داخل السورِ، فلا ينظر إلى ما هو خارج عنه، فكنتُ أتأمل ذاتي فقط، منتظراً الرجاءَ كلَّ وقتٍ من اللهِ، وصوَّرتُ الأفكارَ الخبيثةَ بصورةِ العقاربِ والحيات، فمتى أحسستُ بها متحركةً فيَّ، طردتُها وأبعدتُها بالغيظِ والتهويل، وما كففتُ في وقتٍ من الأوقاتِ من الغضبِ على نفسي وجسمي، لكي لا يعملا عملاً شريراً».
وقال الثاني: «أنا منذ زهدتُ في العالمِ، قلتُ في نفسي، اليومَ وُلدتَ، فاترك ما مضى وابتدئ بالعبادةِ لله. وأنزلتُ نفسي منزلةَ الغريبِ في المكانِ الذي من شأنهِ أن ينصرفَ غداً».
وقال الثالث: «أنا من باكرِ النهارِ أطرحُ ذاتي على وجهي أمامَ ربي، وأقرُّ بجرائمي، ثم أتضرعُ للملائكةِ أن يسألوا الله العفوَ عني، وعن الناسِ جميعاً، ثم أطوفُ أماكنَ العذابِ بعقلي، وأبكي وأنوح إذ أرى أعضائي مع الذين يُعاقبون ويبكون».
وقال الرابعُ: «أنا أتصور نفسي جالساً في جبلِ الزيتون مع ربنا وملائكتهِ، وأقولُ لنفسي، منذ الآن لا تعرف أحداً بالجسدِ، بل كن مع هؤلاءِ دائماً، بمنزلةِ مريم الجالسةِ عند قدمي السيدِ، لتسمعَ أقواله سماعاً مطيعاً، كقولِ ربنا: كونوا أطهاراً لأني طاهرٌ، كونوا كاملين مثل أبيكم الذي في السماءِ، فإنه كاملٌ، تعلَّموا مني فإني وديعٌ ومتواضعٌ بقلبي».
وقال الخامس: «وأنا أتصورُ الملائكةَ صاعدين ونازلين، في استدعاءِ النفوسِ، وأتوقعُ وفاتي كلَّ يومٍ، وأقول: مستعدٌ قلبي يا إلهي».
وقال السادس: «أنا أستشعرُ كلَّ يومٍ أنني أسمعُ من ربنا هذه الأقوال: اتعبوا من أجلي فأُنيّحَكم، إن كنتم أولادي فاستحوا مني كأبٍ محبٍ، وإن كنتم إخوتي فوقروني، إن كنتم أحبائي فاحفظوا وصاياي، إن كنتم رعيتي فاتبعوني».
وقال السابع: «أنا أذكِّرُ نفسي بهذه: وهي الإيمان والرجاء والمحبة، حتى أنجح بالإيمانِ، وأفرح بالرجاء، وأكمل المحبة لله والعبادة».
وقال الثامن: «أنا أرى المُحال طائراً طالباً واحداً يبتلعه، وأرفعُ نظري العقلي إلى إلهي واستنجدُ به عليه في أن لا يدعه يتقوى على أحدٍ، وخاصةً على الخائفين منهم».
وقال التاسع: «إني أرى كلَّ يومٍ كنيسةَ القواتِ المعقولةِ، وأعاينُ ربَّ المجدِ، في وسطِها، لامعاً جداً، وأسمعُ نغماتهم في تسابيحهم التي يرفعونها إلى الله، بمنزلةِ من قد فَهِمَ ما هو مكتوبٌ: إن السماواتِ تخبر بمجدِ الله، فأحسبُ كلَّ ما على الأرضِ رماداً وكُناسةً، ويزولُ عني الضجرُ والتعبُ والغم».
وقال العاشرُ: «أنا أرى الملاكَ الذي معي قريباً مني، وصاعداً بأعمالي وأقوالي، فأحفظُ ذاتي، وأتذكرُ قولَ النبي: سبقتُ فرأيتُ الربَّ أمامي في كلِّ حينٍ، لأنه عن يميني لكي لا أتزعزع».
وقال الحادي عشر: «أنا أضعُ وجهي على ضبطِ الهوى، والعفةِ، وطولِ الروحِ، والمحبةِ، وأقولُ لنفسي: لا ننم».
وقال الثاني عشر: «أما أنتم فلكم أجنحةٌ من السماءِ، طالبين ما في العُلا، فقد انتقلتم بالنيةِ من الأرضِ، وتعريتم من هذا العالمِ، فأنتم أناسٌ سمائيون أو ملائكةٌ أرضيون. وأما أنا، فإذا قايستُ نفسي بكم، أكونُ غيرَ مستحقٍ الحياةَ، لأني أُعاينُ خطاياي أمامي في كلِّ حينٍ، وأينما توجهتُ تتقدمني، وقد حكمتُ على ذاتي أني في جملةِ الذين تحت الأرضِ قائلاً: سأكون معهم، إذا كنتُ مستوجباً أن أكونَ قريبهم، وأُبصرُ هناك الدودَ والحسراتِ والعبراتِ المتصلةَ المُرةَ، أقواماً تُقعقع أسنانُهم، ويقفزون بجملةِ جسمِهم مرتعشين، من رؤوسهم إلى أرجلهم، وأطرحُ ذاتي على الأرضِ، وأنثرُ الرمادَ عليَّ، متضرعاً إلى اللهِ، في أن لا أباشرَ تلك العقوباتِ، وأنظر أيضاً بحرَ نارٍ يغلي، ويعجّ، يتوهم من يُبصرُه، أن أمواجَه تبلغُ إلى السماءِ، وملائكةٌ متنمرين يطرحون أناساً لا يُحصَون في ذلك البحرِ المريع، وكلهم يعجُّون بولولةٍ عظيمةٍ، ويحترقون كالقشةِ، وقد ارتدَّتْ عنهم رأفاتُ اللهِ، لأجلِ آثامهم، وأنتحبُ على جنسِ البشرِ، وأتعجب كيف يجسُرُ أحدٌ أن يتكلمَ كلمةً أو ينظرَ نظرةً بمخالفةٍ، وقد أُعدتْ هذه العقوبات، لكلِّ من لا يؤمن بالإلهِ ويطيع وصاياه، وبهذا أضبطُ النوحَ في نفسي، والدموعَ في عيني، وأحكمُ على ذاتي بأني لستُ أهلاً للسماءِ، ولا للأرضِ، متشبهاً بالنبي القائل: صارت دموعي لي خبزاً نهاراً وليلاً».
فهذه أقوالُ وسيرةُ الآباءِ المغبوطين، فطوبى لمن اهتدى بأقوالهِم، واقتدى بأفعالهِم، ومِن ربنا نسألُ العفوَ والعونَ، وله نقدمُ التسبيحَ والشكرَ، ولأبيه الصالح، وروحِ قدسِه، الآن ودائماً، آمين.
كان شيخٌ قديس، إذا قام بخدمةِ القداسِ، يرى ملاكين واقفين، واحداً عن يمينِه، والآخرَ عن اليسارِ، هذا كان قد أخذ نسخةَ القداسِ، من واحدٍ من ذوي البدع في الإيمانِ، وإذ كان ساذجاً، لا يعرفُ تحريرَ الآراءِ الإلهيةِ في تقديسهِ بسذاجةٍ، فقد كان يقولُ كما في النسخةِ، ولا يعلم أنه يغلط. وبتدبيرٍ من اللهِ، زاره شماسٌ، راهبٌ، عالمٌ، فلما خدم الشيخُ القداسَ بحضرتِه، قال له: «هذا ليس قولَ أصحابِ الأمانةِ الصحيحةِ»، وإذ كان الشيخُ يبصرُ الملاكين في قداسِه، فإنه لم يلتفت إلى قولِ الشماس. أما الشماسُ، فإنه لبث يقول له: «غلطتَ يا أبي، والكنيسةُ الأرثوذكسية، لا تقبلُ هذا القولَ». ولما رآه الشيخُ لا يكفُّ عن توبيخهِ، التفتَ إلى الملاكين، وقال لهما: «ما معنى قول الشماس»؟ فقالا له: «اقبل منه، فقد قال لك الصوابَ». فقال لهما الشيخُ: «وأنتما، ما بالكما لم تقولا لي»، فقالا: «إنَّ اللهَ رسمَ هذا التدبيرَ، أن يُصلحَ الإنسانَ، إنسانٌ مثله». فانصلح رأيُ الشيخِ من ذلك اليوم، وشكر الله تعالى، والشماسَ.
قال القديس يوحنا ذهبي الفم: «إذا ما أخطأنا، فإن الله قد يُنهض علينا أعداءَنا ليؤدبونا، وعلى هذا فلا ينبغي أن نحاربهم، بل يجبُ أن نحاسبَ نفوسَنا ونثقفها، ولكونه أطلقهم علينا لأجلِ خطايانا، فمتى حاربناهم، نصرَهم علينا، ولهذا أمرنا أن لا نكافئَ أعداءنا، فلنقبل الامتحانات، كقبولِ الأدويةِ من الحكيمِ لنخلصَ، وكقبول التأديب من الأب لنتشرف، فلهذا قال الحكيمُ ابن سيراخ: أيها الولدُ، إن تقدمتَ لخدمةِ ربك، فهيئ نفسَك للتجاربِ».
قال القديس باسيليوس: «إن النصارى قد مُنعوا من محبةِ المجدِ الباطلِ، ومن إرضاءِ الناسِ، ومن المباهاة، أما العلمانيون فإنهم يَخزون من المسكنةِ، ويهيئون أنواعَ المأكولات للضيفِ، وأما نحن، فلا نرذل المسكنةَ التي طوَّبها الربُّ. وكما لا يليق بنا إعداد الآلات الكريمة الثمينة في الضيافات، وإحضار البُسط فيها، كذلك لا يحسن بنا الاحتفال بالمأكولات اللذيذة الثمينة، الخارجة عن مأكولاتنا.
فإن قَصَدَك أيها الأخُ غريبٌ، فإن كان حالُه كحالِك، قدم له الخبزَ، فإنه يعرفُ فائدته ويجد عندك ما تركه في قلايته، فإن كان قد أتعبه، فقدم له ما يزيل تعبَه.
وإن قَصَدَك علمانيٌ، فإنه يأخذُ من عندِك رسماً للقناعةِ في المأكولاتِ، وتذكاراً لموائد النصارى، ونموذجاً للمسكنةِ المسيحيةِ.
إذا كنا نُغيِّر ملابسنا لمن يتلقانا، فلا نُغيِّر أيضاً موائدنا للذي يطرقُ بابَنا. والرسولُ يقول: إن أكلتم وشربتم، أو مهما عملتم، فاعملوه لتمجيدِ اللهِ. وما يُعمل للمباهاةِ، ليس هو لتمجيدِ اللهِ. ويعقوبُ اكتفى في مطلوبهِ من اللهِ، بخبزٍ يأكله، وثوبٍ يلبسه. والرسول قال: يكفينا القوتُ والكسوةُ. وسليمان سأل اللهَ قائلاً: رتِّب لي الكفافَ، الذي يقومُ بالأَودِ. والكفافُ هو عدم الفضلةِ، وعدم الحاجةِ الضرورية معاً، والغذاء الضروري هو اليسير الثمن، والسهل الموجود، فبهذا يجبُ الاهتمام، وتقديمه لكلِّ محتاجٍ إليه.
ولما كان قوتُنا إنما نحصلُ عليه من شغلِ أيدينا، يوماً بيومٍ، فلا نصرفه في تنعيمِ غير المحتاجين، لئلا نضيِّق على نفوسِنا، ونُسببُ لهم المضرةَ الحادثةَ من التبذيرِ حيث يجب التقشف».
وقال أيضاً: «لما شاهدتُ قوماً أماتوا أجسادَهم بالنسكِ، مدحتُهم، لأني رأيتُ ضبطَ الهوى قاهراً للشياطين، إذا كان مبنياً على ناموسِ الربِّ. ولما رأيتُهم بعد ذلك كذابين حلافين، سألتُهم قائلاً: إذا كنتم عاملين بوصايا الناسِ، فاهتموا أولاً بوصايا الربِّ، وتجنبوا الكذبَ، واليمينَ الحقَ، وباقي ما نهى عنه، وتوعَّد بالعقابِ عليه. فلمَّا لم يقبلوا مشورتي، بان لي أن الذي يعملونه، إنما هو من أجلِ تمجيدِ الناس، لأن ضبطَ الهوى، يحتاجُ إلى تعبٍ كثيرٍ، أما تركُ الكذبِ واليمين، فلا يحتاج إلا إلى تأملٍ فقط».
كان شيخٌ ببريةِ الإسقيط اسمه يوساب، وكان شيخاً كبيراً، متقدماً في الأيامِ، هذا قد فرغ (أي ضمر) جسمُه وبقى يُظَنُ أنه خيالٌ، من كثرةِ الصومِ، والصلاةِ، والسهرِ، والتعبِ، والصبرِ على حرِّ الصيفِ وبردِ الشتاءِ، وكان طعامُهُ من عقاقير البريةِ، ولِباسُه الليفَ الخشن، وكان لا يفتر من التسابيح والقداديس، وتناهى في العبادةِ حتى بقى يركبُ على السحابِ، ويغتذي من طعامٍ يأتيه من السماءِ، في أوقاتٍ معلومةٍ، وحصل له من العبادةِ الربانيةِ قوةٌ تمنع عنه البردَ والحرَّ، وكان يزداد في فضائلِهِ، مزدرياً بنفسِه متيقناً بأنه غيرُ مستحقٍ لِما صار إليه.
ومع هذا، اشتهى من اللهِ فكراً طلع على قلبهِ، وهو أن يريه إنساناً يماثله في نعيمِ الآخرةِ، وطلب من اللهِ بخشوعٍ وتضرعٍ كثيرٍ، فجاء إليه صوتٌ يقول له: «يا يوساب، يا يوساب، الملكُ الذي في إنطاكية». واستجاب الربُّ طلبتَه واختطفته سحابةٌ، وأنزلته خارج مدينة إنطاكية، وأخذ جريدته بيدهِ، وقصد باب المدينةِ، فلما انتهى إلى البابِ وجد الملكَ قد ركبَ في ذلك اليوم، وهو خارجٌ من المدينةِ، وحوله عسكرٌ كبيرٌ بالتبجيل العظيم، فبعضهم يمشي في ركابهِ، وبعضهم على خيلهم. فاستند الراهبُ إلى باب المدينةِ حتى يشاهدَ الملك وجهاً لوجه، وإذا الملكُ قد أقبلَ راكباً، وفرسُه مثقلٌ بالحلي والمجوهرات التي عليه، وكان شعاعُ الجواهر المختلفة الألوان التي في التاج الذي على رأس الملكِ يضيءُ.
فحينئذ ندم الشيخُ وحزن لما أبصر هذه العظمةَ التي للملكِ، وقال: «من يكون هذا الملك العظيم، كيف يكون له إرثٌ في ملكوتِ السمواتِ»؟ وصار حزيناً باكياً، ووقع الازدحامُ في البابِ وصار الشيخُ من الازدحام في بلبلةٍ وتعبٍ عظيم، ولما وصل الملكُ إلى البابِ خفَّ الازدحامُ. حينئذ التفت الملكُ إلى الشيخِ وقال له: «يا أنبا يوساب، لقد اشتهيتَ لنفسِك تعباً ما كان إليه حاجةٌ»، وأمر بأن يمضي به إلى القصر، حتى يعود.
فلما سمع الشيخُ قول الملكِ فرح جداً، وقال: «لولا أن اللهَ ساكنٌ في ذلك الإنسانِ، لما عرفني، ولا عرف قصدي». فلما وصل الشيخُ إلى الدارِ، جلس في الدهليزِ، حتى نزل الملكُ من الركوبةِ، فأخذ بيدِ الشيخِ ودخل إلى مجلسٍ عظيمٍ، وقد هيئ فيه طعامٌ للعسكرِ، فجلس في ناحيةٍ من العسكرِ، ودخل العسكرُ جميعُهم، فلما أكلوا وشبعوا من ذلك الطعامِ، انصرفوا.
حينئذ قام الملكُ والشيخُ، ودخلا إلى ذلك القصر، وإذا بالملكةِ زوجة الملكِ، تلتقي بهما وعليها من الحلي والجواهر، ما يفوق الوصف، وحولها من الجواري جمعٌ كبيرٌ، يفوق الوصف في حسن الصورةِ وجمال اللِباس، والحلي. فلم يزالوا في خدمةِ الملكِ حتى جلس على سريرهِ، وحينئذ انعزلت الملكةُ وجواريها عنهما، وبعد ساعةٍ عادت إليهما، وهي لابسةٌ مِسحَ شعرٍ، وعند ذلك انعزل الملكُ أيضاً، ولبس مسح شعرٍ وعاد، ثم نهضا، وخرجا من ذلك الموضعِ، والسائح معهما، وأتوا إلى مكانٍ في القصرِ، فيه راهبٌ جالسٌ، يعمل في شغلِهِ.
فلما رآهم الراهبُ، وقف وقبَّل السائحَ، وسلما بعضُهما على بعضٍ، وصلوا جميعهم، وقالوا البركةَ، وجلسوا، وإذا خادمٌ صغيرٌ قد جاء إلى الملك والملكةِ بشغلِ أيديهما، فتناول كلُّ واحدٍ فواحدٍ صنعتَه، ليعملَ فيها.
فقال الراهبُ للسائحِ، من حيث لا يعرفه: «يا يوساب، إن الربَّ أراد بك خيراً عظيماً، لأنه أوقفك على سيرةِ الملكِ والملكةِ»، وبدءوا يتحدثون بعظائمِ الله إلى وقتِ الساعةِ التاسعةِ، حيث أتى خادمٌ بمائدةٍ عليها خبزٌ وطعامٌ يوافق الرهبانَ، فصلوا، وأكلوا، ورُفعت المائدةُ.
فلما عزم السائحُ على الانصرافِ، تباركوا منه، وقال له الراهبُ: «امضِ بسلامِ الربِّ، وعظ بهذه السيرةِ، فإنها عظيمةٌ جداً، لأنك قد نظرتَ عظمةَ الملكِ وزوجته، وها أنت ترى عيشتهما الآن، والتواضع الذي هما فيه، حتى إنهما لا يتناولان شيئاً من طعامِ المملكةِ البتة، إلا من شغلِ أيديهما، وفي هذا كفايةٌ»، ثم إن السائح ودَّعهم وركب على السحابةِ، وعاد إلى بريةِ الإسقيط، وهو متعجبٌ مما رأى من مجدِ الله، الذي له التسبيح والعظمة والإكرامُ إلى الأبدِ، آمين.
أخبروا إنه كان في البريةِ بالديارات، راهبٌ كبيرُ السنِ، طالت أيامُه، وكان له تلميذان، وكان أحدُهما غافلاً عن نفسِه، عن الصلاةِ في أوقاتها، عاجزاً متوانياً فيما يُقرِّبه إلى الله سبحانه، وكان الشيخُ معلَّمُه يعاتبه كثيراً ويعظه، ويوصيه أن لا يتركَ الصلاةَ، قائلاً له: «يا ابني، ليس شيءٌ أضرَ بالراهبِ من تركِ الصلاةِ، وليس شيءٌ يحبه المجرِّب مثلَ تركِ الصلاةِ، فاحذر يا ابني أن تُقوِّي الشيطانَ على هلاكِك».
بهذا الكلامِ ومثلِه، كان الشيخُ يعظه، ويؤدبه، وهو لا يسمع، ولا يرجع عن التواني، وأقام على ذلك مدةً.
ثم إن الراهبَ تنيح، فأحبَّ الشيخُ أن يَعلمَ مصيرَ التلميذ، فقام وأغلق بابَ قلايته، وأتعبَ نفسَه بالصومِ والصلاةِ والسهرِ الدائم، ولما طال تعبُه، أحبَّ اللهُ أن يُظهرَه له، فطرح عليه سُباتاً، فنام، وبينما هو نائمٌ، رأى ملاكَ الربِّ أخذ بيدِه، يدور به ويريه مواطنَ الأبرارِ، ومساكنَ الصديقين، وهو متعجبٌ من الراحةِ التي هم فيها، وكان الملاكُ يقول له: «هؤلاء هم الذين أرضوا المسيحَ»، كما أراه الملاكُ مواضعَ أصنافِ العذاب، وأهوالاً عظيمةً، ففزع مما رأى، فقال له الملاكُ: «لا تخف، حتى تعلمَ ما أتعبتَ نفسَك بسببهِ»، فقويَ قلبُه، وبقيَ متفرساً.
وبينما هو كذلك، إذ رأى بركةً عظيمةً شبه الموضع الواسع، وفيها نيرانٌ متقدة، ولهيبُها يصعدُ، وإذا بجماعةٍ، قيام فيها، بعضُهم في النارِ إلى عنقِهِ، وبعضُهم إلى صدرِهِ، وبعضُهم إلى بطنهِ، وبعضُهم إلى ركبتيه، فلما رآهم، جعل يتفرس فيهم، وبينما هو كذلك، إذا به يرى تلميذَه المتواني قائماً في وسطِ النارِ، إلى سُرَّتِه، فقال له: «أليس هذا ما كنتُ أخشى عليك منه؟ وقد كنتُ أحذَّرك يا ابني»، وصار الشيخُ يبكي عليه، فقال له تلميذُه: «من شأنِ الله يا أبي، ارفع عني القربانَ، واطلب من اللهِ بسببي. يا أبي، إنَّ تحت رجليَّ أقواماً آخرين، وأنا واقفٌ على رؤوسِهم».
وبينما الشيخُ كذلك، انتبه من نومِه وهو مرعوبٌ، فصنع الشيخُ عن تلميذِه قرابينَ كثيرةً، وسأل الربَّ أن يريه حال التلميذِ، فخُطف عقلُه في نصفِ النهارِ بسهوٍ، فرأى تلك البركةَ المنتنةَ، ورأى تلميذَه وقد تركته النيران، وبقيت فقط على أمشاطِ رجليه، وهو يصرخُ، فناداه الشيخُ قائلاً،: «يا ابني، ويا نور عينّيَّ، ها قد صنعتُ عنك القربانَ، فكيف حالُك الآن؟» فقال له: «يا أبي، قد زالت النارُ عني، ووجدتُ راحةً ما خلا رجليَّ، فلا زالتا في الأتونِ، فتصدَّق عليَّ بقربانٍ آخر».
فلما انتبه الشيخُ، صنع عنه القربانَ، وأَكثَرَ الطلبَ بسببهِ، وسأل أن ينظرَه دفعةً أخرى، فرأى في الرؤيا، وقد زالت النارُ عنه، فسأله قائلاً: «يا ولدي، كيف حالُك اليوم؟»، فقال: «يا أبي، قد زالت عني النارُ، ولستُ أريد شيئاً سوى أن أنظرَ لأني أعمى».
وعندئذ انتبه الشيخُ من نومِه، وسبَّح الله قائلاً: «يا رب، ما أكثر تحننك على جنسِ البشرِ»، وهمَّ الشيخُ أن يطلبَ من الربِّ بسببِ التلميذِ كي ينظرَ، ولكن في أثناءِ ذلك، تنيح الشيخُ بشيخوخةٍ حسنةٍ مُرضيةٍ.
قيل إن إنساناً تاجراً، خبيراً بالفصوصٍ والخرز، عارفاً بجوهر اللؤلؤ؛ هذا ركب في سفينةٍ مع غلمانِه، وكانت معه جواهر جزيلة الثمن، وأشياء أخرى ثمينة، وكان في السفينةِ عدة نواتية. وكان بين النواتيةِ صبي، حسنٌ، هادئُ الحركةِ، هذا شكا لذلك التاجرِ بأنه يبغضُ صناعةَ البحرِ، كما يبغض معاشرةَ رفقته، لما هم عليه من العوائدِ الذميمةِ. ثم إن التاجرَ قال له: « لا يضيق عليك الأمرُ، فإذا سَهُلَتْ طرقُنا بمعونةِ الربِّ، وصعدتُ من هذه السفينةِ، أخذتُك معي، واعتنيتُ بمصالحك». فطاب قلبُ الصبي بالكلامِ.
وحدث في بعضِ الأيامِ، أن تشاورَ النواتيةُ فيما بينهم على أن يقذفوا بالتاجرِ وبغلمانِهِ إلى البحرِ، ومن أجلِ ما معه من المالِ، فلما أعلموا ذلك الصبيَ الذي كان صديقاً لذلك التاجرِ، أسرع وأخبرَه بما تشاورا عليه، فقال له التاجرُ: «هل أنت متحققٌ من ذلك»؟ قال له: «نعم».
حينئذ قام الجواهري بسرعةٍ واستدعى غلمانَه، وقال لهم: «كلُّ ما آمركم به، افعلوه بسرعةٍ، لأنه إن تهاونتم، فسوف أموتُ أنا، وسوف تموتون أنتم أيضاً». ثم بَسط إزاراً في وسطِ المركبِ، وقال لهم: «هاتوا ربوات الجواهر كلِّها»، فقدموها إليه، ففتحها وأفرغها قدام كلِّ من في المركبِ، وبدأ يقول: «هذا عدوي، وأنا أشفقُ عليه، هذا قاتلي، وأنا أحبُه، هذا مبعدي من الحياتين، فما انتفاعي به؟ احملوا معي»، فحملوا معه، وبسرعةٍ طرح جميعَ الجواهرِ في البحرِ، فلما رأى الملاحون ذلك تحيروا في أمرهم، وانحلت مشورتهم، ثم أصبح يتصدق منهم الخبزَ، فالملاحون لما أبصروه على تلك الحالِ، رحموه، وبدأ هو يقول: «أشكرك يا ربُّ، لأنك أنهضتني لخلاصِ نفسي وجسدي، اليوم زالت عني قساوةُ القلبِ، وربحتُ تلك النفوسَ الهالكة، أولئك الذين بعمى قلوبهم تشاوروا، وبسببي طلبوا أن يسكنوا الجحيمَ المخلدَ».
قال شيخٌ: «حدث أني كنتُ دفعةً سائراً في الصعيدِ مع رجلٍ إسماعيلي، وأمسى علينا الوقتُ، ولم نستطع أن نصلَ إلى مسكنٍ لنلتجئَ فيه إلى باكرٍ، وفيما نحن محتارون، خائفون من الوحوشِ، صادفتنا بربا عتيقةٌ، فدخلناها لنستريحَ إلى باكرٍ. وإني وقفتُ ورشمتُ علامةَ الصليبِ المقدسةِ من ناحيتي هذه، وهذه، ثم رشمتها أيضاً تحتي وفوق رأسي، ورقدتُ.
وفي نصفِ الليلِ، إذا بنا نسمعُ صهيلَ خيلٍ، وصياحاً، وخيالاً عظيماً، وقلقاً من الجنونِ، ورأيتُ واحداً أجلسوه على كرسي مثل والٍ، وأمر القيامَ بين يديه، وهم كالرقاصين، أن يدخلوا البربا حيث كنا راقدين، وأخرجوا الراقدَ معي، وضربوه حتى شارف الموتَ، وكانوا يقولون له: «أين هو الراقدُ معك»؟ فيقول لهم: «إنه في الموضع الذي كنتُ راقداً فيه».
أما أنا فصرتُ كالميتِ من الخوفِ الذي لحقني، وهم كلما اقتربوا مني ونظروا علامةَ الصليبِ، يهربون إلى خلفٍ، ويقعون على وجوههم. وكان الجالسُ على الكرسي يقول لهم: «ما بالكم لا تحضرونه»؟ فكانوا يقولون له: «إذا نحن دنونا منه، ننظرُ علامةَ الصليبِ، فلا نقدر أن نقفَ، بل نهرب إلى خلف، ونسقط على الأرضِ». فيقول لهم: «اصعدوا إلى الهواءِ، وانزلوا عليه من فوق، وائتوني به». فكانوا لما يأتون إليَّ، ينظرون العلامةَ على رأسي، فيهربون إلى خلف. ومكثتُ هكذا في هذا الانزعاج العظيمِ، حتى أشرق النورُ، حيث ذهبوا خائبين، تاركين ذلك الرجلَ قريباً من الموتِ. وقد عجبتُ إذ لم يقدروا الدنو مني وقلتُ: «سبحان السيد المسيح صاحب العلامة».
أما ذلك الرجل الذي ضربوه، فقد تعجب مني لما رآني، وقال: «لماذا لم يقدروا أن يضربوك، وقتلوني أنا (ضرباً)»؟، فأعلمتُه بعلامةِ الصليبِ المخلص الذي لسيدنا يسوع المسيح، فعندما سمع مني هذا، مضى وتعمَّد، وصار مسيحياً مختاراً، وأكمل عمرَه وهو لابسٌ السلاحَ، والمثال الذي لإلهنا يسوع المسيح».
أخبر بعضُ الشيوخِ عن رجلٍ كان يعملُ فاعلاً في البساتين، ويتصدق بجميعِ أجرتهِ، خلا قُوتَه، هذا خطر له فكرٌ من العدوِ قائلاً له: «ها قد قضيتَ عمرَك جميعَه وأنت تتصدق بأجرتِك، فهل ضمنتَ لنفسِك عوارضَ الزمان؟ اجمع أجرتَك واحفظها تنفعك». فجمع ما استطاع جمعه من أجرتِهِ.
وحدث بعد قليل، وهو في البستانِ يعملُ، أن ضربت شوكةٌ في رجلِهِ، وعمَّلت عليه، فأنفق جميعَ ما كان معه، ولم ينتفع بشيءٍ منه، وبعد ذلك ابتدأ يسألُ ويتصدقُ من الذين كان يتصدق عليهم، وأخيراً… أنتنت رجلُه جداً، فأشار عليه الأطباءُ بقطعِها، لئلا يَسْوَدَّ الجلدُ جميعُه ويُسَوِّس، وأوصوا بسرعةِ قطعها سَحَراً.
وفي تلك الليلةِ، بينما كان يبكي ويتنهد، رجع إلى نفسِه وندم، لأنه أخطأ بجمعهِ الصدقةَ التي كان يتصدق بها، وكان يقول: «أخطأتُ يا ربُّ، اغفر لي من أجلِ محبتِك لجنسِ البشرِ». فظهر له ملاكُ الربِّ قائلاً له: «أين هي الفضةُ التي ادخرتَها، وتوكَّلتَ عليها، لتعينك في مرضِك، لقد راح ما جمعتَه باطلاً، والصدقةُ التي كنتَ تصرفها، قد رجعتَ وأخذتها»؟ فبدأ يبكي ويقول: «أخطأتُ إليك، اغفر لي، وإن رجعتُ معافى قوياً، عُدتُ إلى ما كنتُ عليه أولاً». ففي ساعتِها مسَّ الملاكُ رجلَه، وشُفيت للوقتِ، وقام من ساعتِه، ومضى إلى البستانِ الذي كان يعمل فيه.
وباكراً حضر إليه الطبيبُ، ومعه المنشار ليقطعَ رجلَه، فقالوا له: «لقد مضى إلى البستانِ يعمل فيه»، فمضى إليه الطبيبُ، فوجده واقفاً يحفرُ في الأرضِ، وهو صحيحٌ، فتعجَّب وسبَّح الله، وحينئذ عرَّفه سببَ مرضِ رجلِه وعافيتها، فمجَّد الله، وانصرف عنه.
قيل عن أنبا لونجينوس، إن أفكارَه قاتلته بالخروجِ إلى البريةِ الداخليةِ، لكي يستريحَ، فجاء صوتٌ سمعه سماعاً بليغاً وهو يقول: «قلايتك أعظم من خروجِ البريةِ، وهي صخرٌ أكثر من البريةِ».
فنهض بسرعةٍ، وأخذ بيدِه عصا، وبدأ يمشي في القلاية ويقول: «من هذه الجهةِ الشرقيةِ، يمضي الناسُ إلى القدسِ. والقدسُ هذه، هي المدينةُ المقدسةُ وفيها صُلبَ الربُّ، وأيضاً قُتلَ فيها الأنبياءُ، وذُبح فيها زكريا بن برخيا بين الهيكلِ والمذبحِ، فما أعظم ما في هذا المشرقِ، الذي منه المجوسُ أقبلوا كذلك». وانتقل إلى غربِ قلايته، وهو يقول: «وأما هذا الغربُ، فهو الجبلُ المقدس، وهو المعروف بالإسقيط، وأسماه أنبا بلاماي جبل شيهات، الذي هو ميزان القلوب، فما أعظمه من جبلٍ، فالربُ وعد بالمغفرةِ لجميعِ من يسكنونه، ويموتون فيه، وبالراحةِ لهم يوم الدين. وأما الجهة القبلية، فما أعظمها، فقد كان يسكن فيها رأسُ الآباءِ البطاركة إبراهيم أبو الأممِ، وعلى رأس هذه الجهةِ القبليةِ، تكلم الله مع إبراهيم، واستضافه وملائكته، وفي هذه الجهةِ القبليةِ، صعد إبراهيم على رأسِها، وربط ولدهَ إسحق بيديه ورجليه، فقال له ولدُه إسحق: يا أبتاه، هوذا الرباط، وها هي النارُ والحطبُ والسكين، فأين هو الحمل، ألعلي أنا هو الضحية اليوم؟ فنادى الربُّ إبراهيم قائلاً: لا تمد يدَك إلى الغلامِ، قد قبلتُ ضحيتَك». ثم صار يمشي في القلايةِ إلى الجهةِ البحريةِ، وفكَّر قليلاً: «هذا شرحٌ يطولُ، هذه القلايةُ أعظم وأوسع من البرية».
ولما أعيى من الفكرِ والمشي، جلس، ثم أدركه المساءُ، وبدأ يقول لأفكارهِ: «لقد دخلنا في البريةِ، ووصلنا إلى المشرقِ والمغربِ»، ثم قال لنفسِه: «إنّ الذين يبتغون سكنى البريةِ، خبزاً لا يأكلون، وماءً لا يشربون، فافعل أنت هكذا».
وخرج على بابِ قلايته، وأكل قليلاً من نباتِ الأرضِ، ثم قال لنفسِه: «والذين في البريةِ، لا ينامون تحت سقفٍ، بل تحت السماءِ»، وفعل كذلك، بأن ألقى بنفسِه على الصخرةِ ونام متعباً.
وأقام على هذه الحال ثلاثةَ أيامٍ، يمشي من باكر إلى عشية في جوانب قلايته، ويأكل البقل الأخضر، ويضطجعُ قليلاً تحت السماءِ، حتى أعيي وضجر، وبدأ يخاصمُ نفسَه بحردٍ، ولطم على خديه قائلاً: «ادخل بعد إلى قلايتك، وابكِ على خطاياك، ولا يطيش عقلُك بقولِك: البرية، قد دخلتَ البريةَ. أما سمعتَ داود يقول: عينُ الربِ على خائفيه، وأذناه ينصتان إلى تضرعهم، ولا يخفى عنه شيءٌ من أفكارِنا»، فلما نظره المجرِّب هكذا، خاف منه، وانصرف عنه.
أخبروا عن شيخٍ قديسٍ، إنه كان داخلاً إلى مدينةٍ لها أميرٌ كبير، وكانت له ابنهٌ، قد قاربت الموتَ، فلما رأى القديسَ، أمسكه وأعاقه من السفرِ قائلاً له: «لن أُطلقَك حتى تصلِّي على ابنتي فتعافى»، فتبعه الشيخُ إلى موضع الصبيةِ، ووقف فوق رأسِها، وبسطَ يديه قائلاً: «أيها الربُّ العارف بخيرة النفوس، يا علام الغيوب، يا من لا يشاء أن يَهلكَ أحدٌ من جنسِ البشر، أنت تعلم خيرة هذه الصبيةِ، إرادتك افعلها معها». وللوقتِ أسلمت الصبيةُ روحَها، فصاح أبوها على الشيخِ قائلاً: «وا ويلاه منك يا شيخُ، فإن كنتَ لم تقدر أن تقيمها، فلا أقل من أن تعطيها لي كما كانت، وإلا فلن أطلقَ سبيلَك»، فطلب الشيخُ من اللهِ، فعادت نفسُها فيها بطلبةِ الشيخ دفعةً أخرى.
ولما عوفيت، لم تَلبَث أن سارت سيرةً رديئةً، فأفسدت جلالَ أبيها، فمضى إلى موضعِ الشيخِ، وطلب منه قائلاً: «أريدُ أن تموتَ، فقد عاشت عيشةً رديئةً، وأنا أحتشمُ أن أمشي بسببها»، فقال له الشيخُ: «أنا قد طلبتُ من اللهِ الخيرَ فيما يريد، وقد علم الله أنَّ موتَها أصلح، لكنك لم تُرد، والآن لا شأن لي معك»، ومضى الشيخُ وتركه.
وقال هذا القديس: «إني أعرفُ امرأةً بأورشليم اسمها ستروتين، هذه كانت خاطئةً، وتابت بحرقةِ قلبٍ، ورجعت إلى الله، وتنسكت، وعملت فضائلَ كثيرةً، حتى إنها من كثرةِ الفضائل التي عملتها، ونعمةِ الربِّ يسوع المسيح التي معها، صارت مدبرةً لدير عذارى.
ولما صارت مدبرةً للديرِ، زادت على نسكِها وصبرِها، حتى إنها من كثرةِ نسكِها وصبرِها، ضعفت قوَّتُها، فسألتها العذارى قائلات: يا أمنا كلي قليلاً من الطعامِ، كي يكونَ في جسدِك غذاءٌ قليل، وتستطيعين أن تمشي إلى داخلِ الموضع المقدس. فقالت لهن: يا بناتي، لا تتعبنني لأجلِ طعامِ قليل، بأكلِهِ أرجعُ إلى عاداتي القديمة، فلأجل هذا أنا أخافُ من الأكلِ».
قديم 12 - 06 - 2014, 09:14 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

الصورة الرمزية Ramez5

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Ramez5 متواجد حالياً

افتراضي رد: بستان الرهبان

تدبيرات الرهبنة


ماهى الرهبنة

+ قال أحد الشيوخ:

" لا تكون تحت السماء امة مثل المسيحيين إذا اكملوا ناموسهم كما لا توجد مرتبة جليلة كمثل مرتبة الرهبان إذا حفظوا طقوسهم. ولذلك فان الشياطين تحسدهم. يحاربونهم بكل اصناف الرذيلة ، ويجعلونهم يغمضون أعينهم عن خطاياهم ويوبخون خطايا غيرهم لكى يبعدوا عنهم السلامة ، ويلقوا فيهم الشرور. فنسأل الرب الإله ان يخزق شباكهم عنا ويخلصنا من أيديهم " .

+ وقال شيخ آخر :

" كما ان الإنسان الذى ترك المملكة وترهب يمدح من كل العقلاء والفضلاء لان الرهبنة أفضل من كل ما تركه ، إذ هى توصل إلى المملكة السمائية الدائمة ، كذلك إذا ترك إنسان الرهبنة وصار ملكاً ، فانه يلم من كل الفضلاء".

+ وقيل أيضا :

" ان المسيحيين الحقيقيين ، هم أفضل الأمم ، والرهبان أفضل المسيحيين ".

+ وقال أنبا يوحنا القصير :

" بالرغم من اننا نفر قليلون فى نظر الناس لكن دعنا نقدر الشرف الذى لنا أمام الله ".

ضبط الجسد وضبط الفكر :

من هو الراهب .. ؟

+ قال شيخ :

" ان الراهب يدعى راهباً من وجهتين : الأولى ، ان يبتعد من مناظر النساء ، ويرفض العالم وكل ما فيه ، ولا يهتم بشئ البتة. والثانية ، ان يتقى عقله من الآلام ويتحد بالرب وحده ، وحينئذ يثمر ثمر الروح الذى هو الحب والفرح والسلامة والخيرية ، وطول الروح والإيمان والود والوداعة والامساك. ومن كان هكذا فلن يوجد له ناموس يقاومه. وبقدر ما تكون همة الإنسان ملازمة لله بلا طياشة ، بقدر ما تكون نعمة الله متضاعف عليه ، وبقدر ما نتقرب إليه بقدر ما يهتم هو بنا ، ويقدر ما نبتعد عنه بهمتنا بقدر ذلك يبتعد هو عنا ، لأنه جعل الاختيار لنا فى ذلك ، إذ خلق روح الإنسان على صورته ، فهى بطبعها تحبه وتشتاق إليه ، وهى روحانية ، فهى تشتاق إلى الأمور الروحانية واما الجسد فخاصته من الأرض ، فهو يحب الأرضيات واليها يميل بطبعه. الصلاة الدائمة بتحريك الشهوات الجسدانية يجذب الشيطان النفس إلى الأمور الأرضية ، فينبغى للراهب ان يكون له افراز ، ويطلب من الله الهداية والمعونة حتى لا ينخدع ويعتمد عليه بإيمان تام ، لأنه بغير معونة من الله لا يقدر ان يناصب الشيطان ولا يبعد منه الأفكار الرديئة. لكنه إذا سلم نفسه لله ولازم الصلاة فان الله حينئذ يملك على نفسه ويجعل فيه هواه ، ويكمل فيه وصاياه. فالذى يعلم انه لا يقدر ان يعمل شيئاً بغير الله ، لا يفتخر كأنه قد عمل شيئاً ، لكنه يشكر الله الذى عمل. والشيطان إذا رأى إنسانا مجاهداً ، فانه يحرك عليه الأوجاع الخبيثة ، وقد يفسخ الله له المجال فى ذلك – حتى لا يتعظم بأنه جاهد ، حتى يلتصق به الصلاة الدائمة ، فإذا هو عرف ضعفه ، فان الله يبطلها عنه اعنى الأوجاع الخبيثة ، وتعبر نفسه فى هدوء وسلام ".

إلى المنتهى :

قال سمعان العمودى :

" كما ان الإنسان إذا مشى كثيراً نحو المدينة ونقص سيره ميلاً واحداً ، فقد أضاع كل تعبه ولم يدخلها ، كذلك الراهب إذا لم يجاهد إلى النفس الأخير لا يدرك مدينة الأطهار. وكما ان الإنسان إذا عدم آلة واحدة لا يقدر ان يكمل الصناعة اللازمة لها تلك الالة ، هكذا الراهب إذا عدم وصية واحدة ، لا يقدر ان يكمل سيرته ، فليس يكفيه ان يمنع جسده من الزنى فقط / بل ان يضبط فكره ونظرع وشهورة لسانه من الكذب والنميمة والشتم واتنعبير والمداينة والمزاح والمماحكة ، وبالاجمال من كل كلام بطال ، كما ينبغى له أيضا ان يعلم اعضاءه الخضوع لارادة الله ، وليست اعضاء جسده فقط ، بل وأعضاء انسانه الجوانى كذلك ..".

وجماعة من الإخوة انو إلى أنبا ايلاريون وقالوا له :

" ما علامة فضل الراهب ؟ ..

فقال لهم : " كثرة الحب والاتضاع يزنيان الراهب ويشرفانه فى الدنيا وفى الاخرة ، فيجب ان تكون له هذه الخصال وهى : ان يكون عاقلاً ، عالماً ، محتملاً صبوراً ، طاهراً ، عفيفاً ، سمعياً ، جواداً ، متريثاً ، رحيماً ، وقوراً ، كتوما ، شكوراً ، مطيعاً ، مداوماً الصمت ، متوفراً على الصلاة ".

+ قالوا : " إذا اجتمعت هذه الخصال فى إنسان ، فهل يسمى راهباً؟ " قال: " نعم ، انه راهب إذا تعب كذلك وشقى بمقدار ما تصل إليه قوته ".

ما عمله وسيرته

قاله شيخ :

" سيرة الراهب : " الطاعة – الهذيذ فى ناموس الله الليل والنهار – لا يدين لا يغضب – لا يتكلم – لا يبصر بعينه سراً – لا يبحث عن عيوب الناس – لا يسمع بأذنيه نقض آخرين – لا يخطف بيديه – لا يستكبر فى قلبه – لا يملأ بطنه- لا يفتكر افكار سوء – لا تكن له دالة ولا مزاح مع احد – ويعمل اعماله بمعرفة – ويجعل باله فى خطاياه – ويطلب من الله ان يهب له نياحاً واتضاعاً حقانياً ، ولا تكون له دالة مع صبى ، ولا خلطة مع امرأة. وان كلمه إنسان فلا يلاحجه ، وهكذا يكون ساكناً هادئاً مسكناً للروح المقدس.

وقال أنبا بيمين :

" ومن أدلة الرهبانية الشدة والمسكنة والمعرفة ، لأنه مكتوب من هؤلاء الثلاثة الرجال : نوح وأيوب ودانيال ، ان نوحاً يشبه المسكنه ، وأيوب يشبه الشدة ودانيال يشبه المعرفة ، فان كانت هذه الخصال الثلاثة موجودة فى إنسان فالله ساكن فيه ".

ما هو الفرق بين رهبنة القدماء ورهبنة زماننا.

سئل شيخ : " بماذا تشبه رهبنة القدماء ، ورهبنة زماننا هذا ؟ " فأجاب قائلاً :

" كان إنسان غنياً وحكيمأً ، وكان يطلب المسك الخالص ، فلما لم يجد المسك الحقيقى الذى يريده ، قطع المسافات براً وبحراً حتى وصل إلى الصين حيث قدم هدايا للملك الذى هناك ، وسأله ان يعطيه مسكاً ، وطلب إليه ان يقطعه هو بيده ، فلما أخذ المسك ورجع ، أعطاه لأولاده وأولاده بدورهم أعطوه بعضهم لبعض ، وقليلا قليلا غشوه وخلطوه بما يشبه المسك الحقيقى فى اللون ، ويختلف عنه فى الرائحة ، ومع تمادى الزمن بقى الزغل ( التقليد ) موضع المسك الحقيقى ، وعدمت رائحته ، وبقى الشكل والاسم فقط.

وكذلك الآباء القدماء ، فإنهم تجاسروا على الحياة والموت ، وذاقوا كل التجارب ، واحتملوا الضوائق ، وقدموا ذواتهم ذبيحة حية روحانية ن ووهبت لهم المعرفة الروحانية ، وصاروا سكناً لله ، وأحسوا بالأسرار. ثم واتصل الشر شيئاً فشيئاً ، حتى انتهى الحال الينا نحن الذين بالاسم والشكل فقط.

ان أمور سيدنا مرارات تعقبها حلاوات ، مظلمات تعقبها نيرات ، محزنات تعقبها مبهجات ، أما أمور العالم فهى حلاوات تعقبها مرارات ، نيرات تعقبها مظلمات، مبهجات تعقبها محزنات ، يعرف الحق ذاك الذى اختبر هذه ، ليس من سماع الاذان فقط ".

كيف أكون راهباً؟

سأل أنبا يوسف أنبا بيمين قائلاً : " قل لى ، كيف أكون راهباً؟ " قال له: "إن كنت تريد أن تجد نياحاً هاهنا وفى الآخرة ، فقل فى نفسك فى كل أمر : أنا من أنا ، ولا تدن إنسانا"

عمل الرهبان

قال القديس دوروثيئوس :

" إن الأوجاع هى غير الخطايا ، فالخطايا هى عمل الأوجاع بالفعل والأوجاع هى أسباب الخطايا ، فقد يوجد إنسان فيه الأوجاع كالغضب الضار ، وشهوة الشر ، ولا يستعملها.

والقديسون ما اكتفوا بأن لا يفعلوا الشرور ، فقط ، بل واجتهدوا فى أن يقلعوا من نفوسهم الأوجاع التى هى اصولها ، ولما صعب عليهم ذلك وهم بين العلمانيين ، تغربوا فى البرية ، ولزموا الصوم والصلاة والسهر ، فقاموا بما قرر عليهم من الوصايا ، من عفة ، ومسكنة ، ونافلة ، وغربة ، لتكميل وصايا الرب.. وزيادة العفة ، وهى عدم الجماع البتة ، والمسكنة، وهى عدم الفتنة بالكمال ، والنافلة ، وهى ما زاد على الفريضة ، وهى الرهبنة ، وفرزوا للرهبنة شكلاً فيه رموز على غرضها ، اما القولية التى ليس لها كم ، فإذا أردنا أن نعلم بأيدينا شراً ، كالسرقة ، أو الضرب ، أو غيره ، فاها تقصر ايدينا كتقصير كمنا ، واما الاشتداد بالمنطقة ، فللتشمر والاجتهاد فى خدمة الله ، وكونها من جلد ميت ، لنميت أوجاعنا ، وأما الابلايون بشبه الصليب ، فإشارة إلى حمل الصليب واتباع سيدنا : وأما القوفلية ، فهو يشبه الخنف ، وهو لباس الأطفال ، والأطفال لا مكر عندهم ، ولا حقد ولا نجس ولا اقامة هوى ، وذلك هو اكبر أغراض الرهبنة".

انسحاق التوبة :

كان شاب اسمه مقاره ، اتفق له وهو يرعى ، ويلعب مع صديق له ، فقتله بغير تعمد ، ولم يعلم به احد ، فمضى لوقته إلى البرية وترهب ، وأقام ثلاث سنين فى البرد والحر ، فى ارض ليس فيها ماء ، وبعد ذلك بنى كنيسة داخل البرية ، وأقام فيها خمساً وعشرين سنة ، واستحق نعمة من الله ، حتى انه قوى على الشياطين ، وفرح فى نسك الرهبنة وأقمت بالقرب منه زماناً ، ولا صار لى عليه دالة ، فتشته عن كفرة بسبب خطية القتل ، فقال : أقمت أياما كثيرة متعباً، لأجل هذا الفكر ، وهو يلازمنى ليلاً ونهاراً ، ويقلقنى جداً ، وآخر الأمر اراحنى الرب من حزن القلب بسببه ، حتى لقد شكرت القتل الذى فعلته بغير اختيارى ، لكونه كان سبباً لخلاصى وبنعمة الرب صرت ، إذا تعرضت إلى الشياطين ، بفكر تعظيم القلب ، ويقولون لى : " قد صرت رجلاً عظيماً أكثر من الرهبان كلهم ". فأجيبهم قائلاً : " والقتل الذى فعلته ، ما اشد عذابى فى الجحيم بسببه " . فيمضوا عنى ، ومرة أخرى يقولون لى : " أيها القاتل ، لماذا تقعد فى هذه البرية ، وليست لك توبة ، فتتعب فى الباطل ن امض إلى العالم ، واصنع ارادتك ، لئلا يفوتك الامران!" فأقول لهم : " الرب الذى صنع الرحمة مع عبده موسى ، يرحمنى أنا أيضا " وكنت اعزى نفسى وحدى بأن موسى لم يستحق ان يرى الله ، الا بعد ان هرب من مصر ، ودخل البرية لأجل الذى قتله باختياره.

وما قلته هذا ليطيب قلب احد بالقتل ، بل ليعرفوا ان اسباباً كثيرة مختلفة تجتذب الناس إلى الفردوس ، فواحد يهرب لأجل الفقر والاستدانة ، وآخر يهرب من جور المستلطين ، وآخر بسب زنى زوجته ، وآخر من شر سادته ، وبالجملة فان قوماً يهربون من الخوف الدنياوى ، وقوم يحبون الله ، ويؤثرون خلاصهم فيصيروا رهبانا بإراداتهم ".

كيف يقتنى الراهب الفضيلة

سئل شيخ : " كيف يقتنى الراهب الفضيلة ؟ "

فأجاب : ان شاء احد ان يقتنى فضيلة ما ، فانه إن لم يمقت اولاً الرذيلة التى تضادها فلن يستطيع احد ان يقتنيها. فان شئت ان يحصل لك النوح فامقت الضك. وان اثرت ان تقتنى التواضع ابغض الكبرياء. وان احببت ان تضبط هواك فامقت السر والتحريف فى الاشياء. وان شئت ان تكون عفيفاً فامقت الفسق. وان شئت ان تكون زاهداً فى المقتنيات ان يكون له سكوت ، فليمقت الدالة. ومن أراد ان يكون غريباً من عاداته فليبغض التخليط. ومن يريد ان يضبط غضبه فليبغض مشيئاته. ومن يريد ان يضبط بطنه فليبغض اللذات والاقامة مع أهل العالم. ومن أراد عدم الحقد فليبغض المثالب. ومن لا يقدر ان يكابد الهموم فليسكن وحده منفرداً. ومن يريد ان يضبط لسانه فليسد اذنيه لئلا يسمع كثيراً. ومن يريد ان يحصل على خوف الله ، فليمقت راحة الجسد ويحب الضيقة والحزن. فعلى هذه الصفة يمكنك ان تعبد الله باخلاص".

الطريق الضيق – الزهد

قال أنبا ابراهيم:

" إذا حملت نير المسيح ، فانظر كيف تمشى فيه ، ينبغى لك الا تخلط عمل الدنيا بعمل المسيح ، لانهما لا يجتمعان معاً ، ولا يسكنان كلاهما فى موضع واحد، ، لا تسلك فى الطريق الواسعة ، لان كثيرين سلكوا فيها فضلوا وذهبت بهم إلى الظلمة ، حيث النار المعدة ، ولكن اسلك طريق الحق والصواب ، فانها وان كانت ضيقة حزينة ضاغطة ، لكنها تخرج إلى السعة والحياة ، والنعيم الدائم.

لا تبن جسدك بالنعيم واللباس ، مثل البيوت المزخرفة ، التى تؤول إلى الهدم والهلاك ، ولكن ابنه بالتوبه والاعمال المرضية لله على الاساس الوثيق ، الذى بنى عليه القديسون : يمشى هين وصوت لين ، ولباس حقير ، وطعام يسير ، وحب تام ، وطاعة واتضاع ، وأفكار نقية ".

قانون الحياة اليومية

قال شيخ :

" إذا قمت باكر كل يوم : امسك لك امراً يجلب الصلاح ، واحفظ وصايا الله يطول روح ، بمخافة الله ، بالصبر على الاحزان ، وبالحبس وبالصلوات ، وبالتنهد ، بضبط اللسان ، بحفظ العينين ، بقلة الغضب.ولا تحسب نفسك شيئاً بل اجعل فكرك تحت كل الخلقة ، بجهاد الصليب ، بالتوبة والبكاء ، بسهر الليالى ، بصبر صالح ، بالجوع والعطش وذلك لتستحق الدعوة السمائية ، بنعمة ربنا يسوع المسيح له المجد".

وقال أخر:

" ينبغى للمجاهد ان يبتعد عن كل امتلاء ، ولو من الخبز والماء ، وان يجمع عقله فى صلاته ، ليكمل قربانه الروحانى ، ويتذكر خطاياه دائماً ويحزن عليها ، وليكن كل ما يعمله ويقوله من أجل مرضاة الله لا من أجل مجد الناس ، وان يتفقد تدبيره دائماً ، لكى لا تكون سكناه فى البرية على غير مذهب الرهبنة ، فانه قد سكن البرية كثير من اللصوص ، وهى مأوى للوحوش والطيور المؤذية ، اما الراهب فانه يسكنها هرباً من سجن العالم الذى يشغله عن عبادة الله التامة. كما ينبغى ان يصبر على البلايا وكيلف نفسه فى كل شئ ، وان يقدم حب الله على حب القريب ، وحب القريب على حب نفسه ، وحب نفسه على حب كل ما سواها، وليكن له ايمان قوى بالله ورجاء واتضاع وامساك وصمت وصلاة دائمة وتهاون بالارضيات وتذكر للموت والمجلزلة ، وقراءة فى الكتب وتميز كل الأمور وحفظ العقل والقلب ، وطاعة الآباء والوصايا من أجل الله".



قال القديس باسيليوس

" هذا ما يليق بالراهب : التمسكن ، عقل منخفض ، نظر مطرق إلى الأرض ، وجه مقطب ، زى مهمل ، ثوب وسخ حتى يكون حالنا كحال النائحين الباكين ، ثوب بقدر الجسد لان الغرض منه شئ واحد هو ستر الجسد من الحر والبرد ، ولا تطلب ازدهار الصبغ وحسنه ، ولا نعومة الوثب ولا ليونته ، لان الميل إلى ذلك من صفات النساء ، كما يجب ان يكون الثوب سميكاً حتى لا يحتاج الأمر إلى وشاح ليدفئ لابسه وليكن الحذاء بسيطاً يتمم الحاجة الضرورية إليه فقط. وكذلك الحال فى الطعام. خبزة واحدة تسد الجوعة ، والماء ليروى ظمأ العطشان. أما المشى فلا يكون بطيئاً بانحلال ، كما لا يكون بسرعة وعجرفة ، حيث الحركات الخطرة".
 
قديم 12 - 06 - 2014, 09:15 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

الصورة الرمزية Ramez5

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Ramez5 متواجد حالياً

افتراضي رد: بستان الرهبان

من أقوال القديس إكليمادوس

وصايا لمن يريد الدخول فى سلك الرهبنة

اسمع يا بنى كلامى واحفظه فهذه وصاياى يجب ان تمارسيها ان اثرت ان تكون رابهاً لأنك ان كسلت فى اتمام احدى هذه الوصايا فما اكملت الواجب ، ويكون وعدك كاذباً وآراؤك عن الرهبنة ليست صحيحة ، ومالك الذى وزعته قد أضعته سيدى إذ تصبح طلباتك فارغة لأنك لم تستيقط بقوة ولم تقبل على السيرة الرهبانية باجتهاد ولم تربط وسط قلبك بالكمال ولم تستعد للقتال الشيدد ضد الشياطين الغير منظورين ، كما يقول الرسول بولس: ان قتالنا ليس مع لحم ودم ، بل مع الرؤساء والسلاطين ومع احياء الشر فى عالم الظلمة ومع الارواح الخبيثة.

( أ ) الرهبنة

1 – الانحلال من العالم :

الرهبنة هى درجة الملائكة الذين لا يفترون ليلاً ونهاراً عن خدمة ملكهم ومن دخل فيها بانحلال وكسل فقد صير نفسه اشقى حالاً مما لو كان بانحلال فى العالم.

+ الراهب هو ذاك الذى يستعد ليصير مثل الملائكة بدون هم. ويشق عنه ثوب العالم.

لا تظن ان معاشرات القديسين وحدها أو السكنى فى مواضع الصديقين فقط تنفعك، بل أرفض جميع هذه الخرافات لأنه لا تؤخذ اجرة المجاهدين لتعطى للكسلان لان الأخ لا يفدى أخاه إذ يقول " انك تجازى كل واحد حسب عمله ".

2 – السعى للفضيلة :

+ لا تتخل عن كبيرة ولا صغيرة من جميع الوصايا ، بل قم بجميعها بثبات والا فالأفضل لك ان تقيم مع العلمانيين.

+ ان علمت هذا فافحص قبلك قبل ان ترفض الدنيا وتهبئ ذاتك جندياً للسيد المسيح.

+ لا تتوان لئلا تندم اخيرا وتصبح رهبانيتك باطلة.

واذكر هذه الوصايا:

( ب ) الصلاة والهذيذ فى الكتب

3 – الصلاة الجامعة والانفرادية:

+ تأدب فى صلاتك ولتكن من من كل قلبك وعقلك.

+ إذا ضرب الناقوس فى نصف الليل لا تكسل بل قم وصل بحرص ولا تتل صلاتك بفمك وحده بل ليكن فكرك وعقلك وجميع حواسك متضرعة لله وناظره إليه.

4 – الكنيسة :

+ لا تكسل فى الذهاب إلى الكنيسة وقت الصلاة الجامعة وأكمل عبادتك له بخوف.

+ إذا مضيت إلى الكنيسة فاياك ان تجلس عند الباب وهم داخلون للصلاة. احفظ نفسك وكن خائفاً من الله.

+ إذا أتاك أخ وكلمك فيما لا يجب فلا تخف البتة بل اجعل نفسك اخرساً واصما ولا تسمع لقوله ولا تلمه فى قلبك بل كن مثل طفل صغير لا يعرف شراً ولا شيئا من المكر.

+ اياك ان تجيب أو تحدث أحدا حتى ولو كان بكلام جيد ما دمت فى الكنيسة.

5 – الهذيذ فى الكتب :

+ إذا رجعت إلى قلايتك اهتم بقراءة الكتب الإلهية والصلاة ولا تتفرغ لشغل اليد وحده فتنس ذكر الله خالقك.

+ إذا جلست فى خزانتك فاقرا بتعقل وتفهم ، وفكر فى تمجيد الله.

( جـ ) ضد الشياطين

6 – المحاربة :

+ اعلم انك منذ الآن قادم لتقاتل السباع والتنانين والاراكنة الشياطين فى طريق التوبة التى هى كربة وصعبة.

+ انك ذاهب لتقاتل الذئاب والنمور والسباع والوحوش الضارية وليس ذلك لايام ولا لشهور ولا لسنين قلائل بل حياتك كلها حتى تظفر بالعدو.

( د ) الاستسلام للشدائد والضوايق

7 – الصبر :

+ انك قد نصبت نفسك هدفاً للشدائد والاحزان يوماً بعد يوم ان اردت ان تكون راهباً لأنه مكتوب : توقع يا ابنى الشدة بعد الشدة من وقت لاخر وهئ نفسك لهذا.

( هـ ) النسك

8 – الطعام :

+ لا يوجد هاهنا طعام أو شراب ، بل جوع وعطش دائم.

9 – الهدوء :

+ منذ الآن لن يكون لعب أو ضحك أو قهقهة أو انحلال.

10 – السهر :

+ دوام على السهر والصوم إلى المساء فى كل زمانك الا فى حالة مرض يلحقك أو ضعف يصيبك.

( و ) أساس الفضائل

11 – التواضع :

إذا لبست اسكيم الرهبنة فلا تتعظم بل بالاكثر اتضع لأنك قد اخذت خاتم الجندية للمسيح واخضع عنقك تحت نيره ولا تكن مقاومً له ولا محاربا.

12 – قطع الاهواء الجسدانية:

+ انكر نفسك فى كل شئ ولا تكمل اغراضك الجسدانية.

+ ان اردت ان تكون راهباً فانزع جميع افكار العالم من قلبك.

13 – الانسحاق :

+ لازم الحزن والبكاء عوض الانحلال واللعب.

+ اندم على خطاياك واجعل قلبك مع الله فى كل وقت لتستحق نعمته.

( ز ) آداب المائدة

14 – إذا جلست على المائدة لتأكل مع الإخوة فلا تتحدث مع احد. وان حدثوك فلا تجبهم حتى تفرغ من الاكل واشكر الله سبحانه وتعالى على جميع افعاله وما انعم به علينا بالرغم من عدم استحقاقنا.

هكذا تعفل كل أيام حياتك أمام الله لتكون لك الطوبى اى الحظ الشريف مع القديسين. ومع هذا كله عليك ان تتحقق انه لا يلبس الاكليل الا من جاهد وصبر على الشدائد وغلب الاعداء وهزمهم وظهرت شجاعته فيهم أمام الملك العظيم الرب يسوع المسيح الذى استحققت ان تحارب من اجل اسمه القدوس فتغلب كما غلب هو. إذ يساعدك بقوته العظيمة. لأنه قال : " ها أنا معكم كل الأيام والى انقضاء الدهر " له المجد آمين.
 
قديم 12 - 06 - 2014, 09:17 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

الصورة الرمزية Ramez5

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Ramez5 متواجد حالياً

افتراضي رد: بستان الرهبان

من تعاليم القديس مار اسحق

ما هو المتوحد؟ ما عمل سيرته؟

المتوحد:

هو إنسان ترك العالم بالكلية وكذلك بلده واقاربه وانتقل إلى الاديرة أو البرارى ، ليجلس فى الهدوء ، يعمل بيده ويقيت نفسه ويعبد اله ليلاً ونهارا.

عمل سيرته

( أ ) الجهاد

1 – الجدية :

+ الراهب الذى فى زمان الطاعة والخضوع يختار لنفسه الراحة والحرية ، فانه فى زمان الراحة الحقيقية ، بالعدل يبكى ويجوع ويشقى بالندامة.

الراهب الذى فى وقت الحصاد والفرح ، يملك عليه الندم والكآبة ، هو شاهد على ذاته فى اوان الزرع والخضوع والعمل ، لم يغضب نفسه على ان يصبر ويحتمل حدة البرد والجليد ليشق بالمحراث خطوطاً عميقة فى باب قلبه ويظهر فيها زرع خبز الحياة ، لذلك فهو يشقى بالجوع فى وقت الحصاد.

+ الراهب الذى يحارب قبالة الآلام ، يحفظ الوصايا لكى تقطع الآلام من القلب ولا تهدأ النعمة ، إذ تساعده خفية.

+ التاجر إذا أكمل واتم ما يخصه فانه يجتهد فى ان يمضى إلى منزلة ، والراهب بمقدار ما يعوزه من زمان العمل ، على ذلك الحد يحزن ان يفارق نفسه وإذا احس فى نفسه ، انه حصل على الوقت واخذ العربون ، فانه يشتاق إلى العالم الجديد.

2 - الحرص :

+ ان التاجر مادام فى البحر ، فالخوف منبث فى اعضائه ، لئلا تتعالى عليه الامواج فيغرق ويخيب امله من عمل ، والراهب مادام فى بحر هذا العالم ، فالخوف يستولى على سيرته لئلا تثبت عليه اذية فتهلك عمله منذ الشيبوبة حتى الشيخوخة.

3 – مراقبة الموت :

+ التاجر عينه نحو البر ، واراهب يرمق ساعة الموت.

ان السابح يغوص غائراً فى البحر ، إلى أن يجد اللؤلؤ ، والراهب الحكيم يسير فى الدنيا عارياً ، إلى ان يصادف فيها الحقانية التى هى يسوع المشيح ، وإذا ما وافاه ، فلن يقتن معه شيئاً من الموجودات.

ب – فى النسك

4 – الصوم :

+ الصوم من العشاء إلى العشاء. البعد عن كل شره ورغبة والزهد فى كل شئ ما خلا الخبز من الماء ، والامتناع عن شرب الخمر الا فى حالة مرض أو واجب ضيافة وهذا إذا ما عرض فلا يزيد عن ثلاثة اقداح فقط لا غير.

5 – السهر :

+ السهر لنصف الليل وصلوات لا تنقطع ليلا ونارا وخدمة المزامير وضرب المطانيات والسجود ، والهذيذ فى الصلوات ، وتضرع القلب ، وبسط اليدين نحو السماء.

6 – المرقد :

+ الرقاد على الأرض إلى وقت الشيخوخة الا فى حالة المرض.

7 – قراءة الكتب :

( جـ ) فى التوبة:

8 – التوبة :

+ المسكنة والتجرد ، والبكاء والنوح والتنهد ، وليس المسوح ، والسكوت والصمت ، وحفظ الحواس ، والعفة.



( د ) فى محبة الاعمال :

9 – الرحمة :

+ خدمة الغرباء. خدمة الضعفاء. عمل اليدين. المحبة للرهبان الطاعة لسيدنا بحفظ وصاياه. الخضوع للاباء.

( هـ ) فى الاستسلام للضوائق

10 – الاحتراس من طياشة الأفكار :

+ الصبر. عدم الغضب. الصفح عمن يضره ويحزنه. التعرى من الآلام. وثبات داخل القلاية فى الدير. ولغير سبب هام لا يخرج الا للصلاة أو لامر ضرورى للجميع والوقف بثبات ليلا ونهارا مقال الآلام والشياطين العالم والنفس والجسد حتى الموت.

( و ) الاتضاع

11 – تحقير نفسه فى كل شئ:

+ اعتبار الراهب نفسه كلا شئ.

+ هذا هو الراهب وهذه هى سيرته ، وكل راهب لا يمارس كل ذلك فى ذاته فهو لا يزال فى رتبة ومنزلة العلمانيين.

+ طوبى للذين يحفظون ويعلمون. لا تفتخر بالاسم بل اجتهد فى عمال ، لان العمل هو الذى يبرر ولو كان بلا شكل ولا اسم.
 
قديم 12 - 06 - 2014, 09:18 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

الصورة الرمزية Ramez5

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Ramez5 متواجد حالياً

افتراضي رد: بستان الرهبان

تعاليم الأنبا أشعياء للمبتدئين

1 – التحفظ :

+ النفس التى تريد ان تقف أمام الله بغير ذنب فلتحرص كالتاجر الذى يطلب الارباح ويفر من الخسائر ، أما خسائر تجار المسيح فهى طلب مجد الناس الكبرياء – تزكية الذات – التكلم بمايغضب السامعين. محبة الاخذ والعطاء ، هذه كلها خسائر ولا يستطيع احد ان يرضى الله وهذه كلها فى خزانة قلبه ، فمن أراد ان يجئ إلى نياح الرهبنة فليتباعد من الناس فى كل الأمور ، ولا يمد إنسانا ، كما لا يزدرى ولا يدينه ولا يزكيه ولا يترك فى قلبه هماً من ناحية إنسان ، وليرفض من كل قلبه مقابلة شر إنسان بشره لئلا تكون خدمته باطلة ، لان الذى لا يهتم بأحد ويدين نفسه وحده ويلومها فحياته تكون هادئة مستريحة ، لان التقى يحب ان يكون الناس كلهم أتقياء ، اما الذى فى قلبه وجع.. للا يرى احد نقياً بل كنحو اوجاعه يفكر فى قلبه عن كل احد ، وان سمع مديحاً عن إنسان يحسده.

2 – الوداعة :

+ ان الإنسان لا يستطيع ان يتحفظ من الخطية ان لم يحفظ نفسه مما يلدها وهذه الاشياء التى تلد الخطية : صغر النفس ، الملل ، اتمام الهوى – حب الاتساع طلب الرئاسة – حديث العالم – التماس ما لا ينبغى – عدم الحذر من الناس – سماع الوقعية – نقل الكلام من أناس إلى أناس ، الذى يحب ان يعلم دون أن يسأل الذين يدين القريب. فهذه الأمور وغيرها تلد الخطية ، فمن أراد ان ينجح ويتقدم فى الاعمال الصالحة ، فليحفظ نفسه من كل شئ يلد الخطية ، فان الخطية منها وبها – فمن حرص يجد خيراً فى الاعمال الصالحة، ومن تهاون وتغافل فهو يعد نفسه للعذاب ، لأنه واجب على كل معتمد ان ينقى نفسه من كل الشرور.

وهذا ما اقوله لكى تتحفظ فلا تزدرى بانسان. ابطل معرفتك واقطع هواك. فان من وثق بمعرفة وتمسك بهواه لا يستطيع ان يفلت من ايدى الشياطين ولن يبصر نقائصه ولن يجد راحة ، اما إذا خرج من هوى الجسد فيتعب يجد رحمة ، ومحمل هذا كله ان تراقب الله من كل قلبك ومن كل قوتك وتترحم على كل الخليقة وتطلب من الله العون والرحمة فى كل ساعة.

3 – ترقب الموت :

+ الحكيم هو الذى يحرص إلى الموت على مرضاة الله ، لنعمل بقدر قوتنا والله يعين ضعفنا.

+ ان سمعت اخبار القديسين واعمالهم الشريفة فلا تطمع فى اقتنائها بلا تعب ان لم تشف نفسك اولا وتتأهل لها ، حتى إذا قدمت على عمل جاءتم من تلقاء نفسها.

أولاً : الصلاة

4 – الجهاة فى الصلاة :

+ أحب الصلاة فى كل حين ليضئ قلبك بأسرار الله.

+ إذا أراد العقل ان يترفع على الصليب فانه يحتاج إلى طلبة كثيرة ودموع غزيرة وخضوع فى كل ساعة قدام الرب ، ويسأل منه المعونة حتى يقيمه غير مقهور متجدداً بالروح القدس. لان شدائد كثيرة عند ساعة الصليب ، وهو محتاج الىصلاة وايمان صحيح وقلب شجاع ورجاء الله إلى أخر نفس.

+ إذا صليت ولم يرد على فكرك شئ من الشر فقد صرت حراً.

+ الزم نفسك بأن تصلى فى الليل صلوات كثيرة لان الصلاة هى ضوء النفس.

ادرس فى مزاميرك وصل لله بفكرك.

5 – صلاة الانسحاق :

+ جاهد فى أن تصلى دائماً ببكاء لعل الله يرحمك ويخلصط من الإنسان العتيق ويعطيك الملكوت.

6 – صلوات الساعات :

+ لا تتوان فى صلوات الساعات لئلا تقع فى أيدى اعدائك. اجهد نفسك فى تلاوة المزامير ، فان ذلك يحفظ من خطية الدنس.

+ إذا قمت فى قلايتك لتصلى ساعاتك فاياك ان تكون صلاتك بتهاون لأنك بذلك بدلاً من ان تكرم الله تغضبه. ولكن قف بخوف ورعدة ولا تتكئ على الحائط ورجلاك مرتخيتان ولا تقف على واحدة وترفع الأخرى. وان كنتم تقرأون صلواتكم وانتم مجتمعون فليقدم كل واحد منكم صلاة ، فان وجد معكم غريب فاطلبوا منه بمحبة أن يصلى ولا تلحوا عليه أكثر من مرتين او ثلاث.

7 – الافراز الروحى :

+ ان كنت فى شئ من تعب الرهانية ورأيت الشياطين قد انهزموا منك وانغلبوا فى القتال ، فلا تطمئن ، بل كن على حذر منهم ... واعلم إنهم يهيئون لك قتالاً اشر من الأول ، ويكمنون لك به من وراء فان أنت ناصبتهم تظاهروا بانهم طردوا بمكر منهم ، وذلك ليستكبر قلبك وتثق بقوتك ، فإذا ابصروك قد خرجت هكذا عن فضيلة الاتضاع ، قام الكمين عليك من ورائك وهاجمك الآخر من قدامك واحافطوا بنفسك اننى لم يكن لها ملجأ وقتئذ ، فلا تمل اذاً من السلاة إلى الله بأن يخلصك ويدفع عنك كل بلية تأتيك ، فان لم يسمع منك سريعاً فلا تمل من التضرع إليه لأنه يعرف ما فيه خيرك أكثر منك. وإذا صليت إلى الله فلا تقل له : " أرفع عنى هذا وهبنى ذاك " بل قل : " يا ربى يسوع أنت عونى ورجائى وانا فى يديك وانت تعرف ما هو صالح لى ، فأعنى ولا تتركنى اخطئ إليك أو اتبع هواى ولا ترفضنى فانى ضعيف ولا تسلمنى لاعدائى فانى لجأت إليك فخلصنى بتحننك ليخز كل الذين يقومون على لأنك أنت القادر على كل شئ ولك المجد ".

+ وقال أيضاً :

ان شغل الشياطين قلبك بأتعاب تفوق طاقتك فلا تطعهم لانهم يشغلون قلبك الإنسان بأمور لا تقوى عليها حتى إذا ضعف وقع فى أيديهم فيضحكون عليهم لان كل أمور العدو هى بلا نظام وبلا حدود – ولكن كل مرة واحدة فى النهار ، واعط جسدك حاجته بقدر بحيث تكف عن الطعام وانت لا زلت تشتهيه ( بدون شبع ) كذلك سهر يكون بقدر ، اسهر نصف الليل فى الصلاة والنصف الآخر لراحة جسدك. ومن قبل ان تنام اسهر ساعتين مصلياً ومزمراً ، وإذا اقتنيت طول الروح فاصنع قانوناً بحرص واجتهاد ، وان ابصرت جسدك قد كسل فقل له : " اتريد ان تستريح هذا الزمان اليسير وتذهب إلى الظلمة الخارجية ، اليس من الافضل لك ان تتعب زماناً يسيراً لتتنيح مع القديسيين إلى الابد؟ " وبهذا الكلام يذهب الكسل وتأتيك المعونة.

8 – الصوم والسهر :

+ الصيام بذل الجسد ، والسهر ينقى العقل اما كثرة النوم ففيها خسارة العقل ، وجفاف العينين ، وتغلظ القلب.

9 – التوبة :

+ أيها الأخ الحبيب ان كنت قد تركت العالم الباطل وقربت نفسك لله لتتوب عن خطاياك السالفة ، فاياك ان تتراجع عما عزمت عليه من نحو حفظ وصايا السيد المسيح واتمامها والا فلن يغفر لك خطاياك القديمة. وان قال لى إنسان انى اريد ان اتوب عن خطاياى ، وهو ما يزال بفعل شيئاً منها فهو كذاب.

10 – التناول :

+ إذا كنت واقفاً فى القداس فراقب افكارك لكى توقف جسدك وحواسك بخوف الله لتستحق ان تتناول من القربان الذى هو جسد المسيح ودمه الأقدس فيشفيك الرب.

+ إذا أنت ذهبت لتتناول جسد المسيح ودمه الاقدسيين فاياك ان يكون فى قلبك حقداً أو غيظ على إنسان ، فان علمت ان فى قلب إنسان عليك شيئاً فاذهب واستغفر منه أولا لئلا تأخذ دينونة لنفسك وهلاكا.

11 – تعب الجسد :

+ ابغض كل ما فى العالم من نياح الجسد لان ذلك يصيرك عدواً الله ، الجسد كمن يقاتل عدواً لدوداً جداً – الذى يطلب الرب بوجع قلب يسمع ان هو سأله باهتمام ومعرفة وهو غير مرتبط بشئ من العالم الا بنفسه فقط وذلك لكى يوقفها قدام الرب بلا عيب كنحو قوته.

+ لا تتضجر من الاتعاب مطلقاص فيأتيك النياح من قبل الله سريعاً. مثل خرب خارج المدينة يرمى فيه كل نتن ، هكذا نفس الراهب العاجز تصير مأوى شر.

+ أحب التعب والمشقة فى كل شئ لتخف عنك اوجاعك.

12 – عدم الملل :

+ احفظ نفسك من الملل فانه يتلف ثمرة الراهب ، ان كنت مقهوراً وانت تجاهد فلا تمل ، بل الق نفسك قدام الله وقل : " أعنى يارب أنا الشقى لا اقوى على هذا الوجع " فيعينك سريعاً ان كانت طلباتك بقلب مستقيم.

+ الكسل يجلب علينا الاعداء فابغض الكسل لكيلا تحزن.

ثانياً – العزلة

13 – البعد عن الرئاسات :

+ ان مضيت إلى رؤساء العالم مريداً مصادقتهم فليس فيك مخافة الله.

+ اياك ان تقتنى لك اصدقاء من بين رؤساء الدنيا لكى لا يبعد الله عنك.

+ ان شئت ان تكون معروفا عن الله ، فلا تعرف الناس بنفسك لان المرتبك بأمور العالم ذا سمع الحق يرذل قائله.

14 – وحدة السكن :

+ إذا مضيت إلى إخوة وقال لك احدهم: " انى لا أستطيع النجاح مادمت مع هؤلاء واود ان اسكن معك ، فاياك ان تبادر بموافقته على ذلك لئلا تصير عثره له ولكثيرين غيره ، فان باح لك بأفكار مكبوتة فيه وعلمت ازاءها انه سيهلك بوجوده فى وسطهم تعرفه بأن يهرب إلى مكان أخر وارفض سكناه معك.

15 – عدم الدالة :

+ أى موضع دخلته لا توجد لنفسك دالة مع أهله ، وكن جاداً فى كل أمر من امورك فبدء الصلاح هو المحبة والاتضاع والمسكنة ، وعدم الدالة.

+ إذا عزمت على السكنى مع إخوة. فلا يكن لك مع احدهم دالة ما ، ولا تخلط كلامك بكلامهم ، ان فعلت ذلك فانك تمكث زمانك كله معهم فى سلامة.

+ ان كنت ماضياً مع إخوة فى طريق وكانت بينك وبين احد محبة فلا تكن لك دالة معه امامهم لئلا يكون فيهم ضعيفاً فيموت من الغيرة منكما وتكون الخطية عليك لأنك سببت له عثره.

16 – تجنب العلمانيين:

+ الخلطة مع العلمانيين تمنع التوبة وتبرد الحرارة ، والفرار منهم ينشط إلى العمل الروحانى فاحذر لئلا تكون بينك وبين الناس معاملة مادمت فى التوبة فان الخلطة تشغلك عن الروحانية.

17 – تجنب الاهل :

+ ان اتفق لك قضاء مصلحة هامة فى بلدك فاحفظ نفسك من اهلك واقربائك ولا يكن لك معهم دالة ولا خلطة فى كلام أو فى غيره.

+ الذين فارقتهم حباً فى الله لا تكثر ذكرهم فى قلبك لئلا ينشغل عقلك بهم بل اذكر الموت الدينونة وكيف انه لا يستطيع احد منهم ان يعنيك فى ذلك الوقت.

18 – تجنب الصبيان :

+ اياك ان تؤاخى غلاماً حديث السن.

19 – تجنب النساء :

+ إذا دعيت لتأكل عند إنسان وعلمت ان هناك امرأة جالسة ستأكل معك فارفض ولا تأكل هناك البتة ، لأنه خير لك ان تحزن ذاك الذى دعاك من أن تزنى بفكرك فى الخفاء ، حتى وان رقدت فلا تبصر ثياب النساء بعينيك – وان كنت فى طريق ولقيتك امرأة فجاوبها بفمك فقط.

20 – السكون :

+ ارفض محبة الخروج والجولان فيما لا ينفعك ، وان عرض لك أمر هام كافتقاد أخ أو الذهاب إلى دير وقدموا طعاماً لذيذاً ، فلا تشبع منه ، واسرع فى العودة إلى قلايتك.

+ إذا انصرفت من المائدة فادخل قلايتك ولا تجلس تتحدث مع من لا ينفعك.

ثالثاً – العفة

العفة عمل قلبى وحفظ حواس :

حفظ الحواس

21 – العين ( النظر ) :

+ كن متحفظاً لعينيك ، وإذا نزعت ثيابك فاياك ان تبصر شيئاً من جسدك.

+ احتفظ بقلبك وعينيك فلن يصيبك بأس فى جميع أيام حياتك ، كل من نظر فى وجه أخيه بلذة شيطانية قد فسق.

+ ان سرت مع إخوة فى طريق ، فتباعد عنهم قليلا ولتكن صامتا ، وإذا مشيت فلا تلتفت يمنة ولا يسرة بل ادرس فى مزامير وصل لله بفكرك.

22 – دهن الجسد :

+ ان كنت قد تعبت من السير فى الطيرق واردت ان تدهن جسدك بقليل من الزيت فليكن لك ذلك الحياء ، ولا تدع احداً يدهن لك جسدا وانت صبى.

23 – فى العالم :

+ إذا ذهبت إلى مدينة أو قرية فلتكن عيناك ناظرتين للارض لئلا تسبب لك محاربات فى قلايتك.

24 – فى الزيارات :

+ ان أنت ذهبت إلى ضعية. ونزلت عند إنسان فى قلايته واضطر ان يخرج هو لامر ما وتركك وحدك فى القلاية فاياك ان ترفع نظرك لتبصر شيئا مما فى قلايته أو تحرك شيئا من موضعه. ولكن عند خروجه قل له اعطنى شيئاً اقوم بعمله. وكل شئ يرضيك به افعله بلا كسل.

+ إذا دخلت قلاية أخ لك به سابق معرفة فحيثما اجلسك اجلس ولا تتحرك من الموضع الذى اجلسك فيه الا بدعوة منه.

25 – السمع :

+ إذا تحدث أناس بأفكار لم تبلغها بعد ولم تحارب بها فامتنع من سماع كلامهم هذا لئلا تجلب على نفسك ذلك القتال.

26 – اللسان :

+ كثرة المناصبة ( الوقوف فى وجه الغير المقرون بالشتائم والانتقادات والكلام اللاذع ) تدل على أنا اشرار.

+ إذا قمت فى موقف الأبرار احتفظ بلسانك ليسكن فى قلبك خوف الله لان من ينفلت لسانه فهو مازال عبدا. اما من غلب لسانه فقد صار حرا ، ومن تحاشى الحديث الردئ يحفظه الرب من السقطات ، أما كثرة الحديث فمنها تأتى الرعونة والملل.

+ لتكن السنتنا ملازمة ذكر الله والعدل لكيما نخلص من الكذب ، فاحفظ نفسك من الكذب فانه يطرد من الإنسان خوف الله.

27 – الضحك :

+ احذر من فتح فمك بالضحك ، فان الضحك يوضح عدم وجود خوف الله.

28 – آداب المائدة :

+ اذا جلست على المائدة وانت شاب فلا تتجرأ وتدعو إنسانا إلى الاكل وتشكر له فى الطعام ، بل اذكر خطاياك لئلا تأكل بلذة ، ومد يدك إلى ما هو قدامك فقط ، ولتغط ثيابك رجليك ، وركبتاك مضومتان أحداهما إلى الأخرى ولا ترفع وجهك فى قريبك وانت تأكل ولا تتلفت هنا أو هنالك. ولا تتكلم كلمة فارغة. وإذا شربت الماء فلا تدع حلقك يحدث صوتاً كما يفعل العلمانيون واى شئ يوضع امامك مد يدك إليه بتغصب.

+ كان الإخوة يتناولون الطعام ويتحدثون اثناءه فانبهم أنبا اشعياء بقوله "الزموا السكوت أيها الإخوة ، فاننى اعرف اخا يأكل ويشرب معنا طبيعياً بينما ترتفع صلاته أمام الله مثل نيران".



29 – آداب الجلوس :

+ إذا كنت جالساً مع الإخوة واضطررت للبصاق فلا تبصق فى وسطهم بل قم خارجه والقه ، لا تتماطا فى وسط الناس ، وإذا جاءك التثاؤب فلا تفتح فمك فيذهب.

30 – المرقد :

+ اياك أن تبين فى قرية وتنام فى بيت تخشى ان تخطئ فيه بقلبك.

+ إذا رقدت فى موضع فلا ترقد مع آخر فى فراش واحد ، ولا تتغط أنت وآخر بغطاء واحد وصل صلاة طويلة قبل ان تنام.

31 – انكار الذات :

+ احذر من ان تعتبر نفسك شيئاً فى اى أمر من الأمور فان ذلك يفقدك النوح على خطاياك.

+ لا تضع فى نفسك انك حكيم فتقع فى ايدى اعدائك.

+ إذا مضيت إلى ضيعة مع إخوة لا تعرفهم فاعطهم التقدم فى كل شئ ولو كانوا اصغر منك. وان نزلت عند صديق لك فليكونوا هم المتقدمين عليك فى كل شئ على المائدة وغيرها.

لا تظن انه بسببك يكرمهم صديقك ، بل قل لهم : انه بسببكم يصه بى الرحمة.

+ ان اردت الذهاب إلى أناس فلا تضع فى قلبك إنهم سوف يفرحون جداً بلقائك. فان قبلوك اشكر الله على قبولهم لك.

+ ان حفظت وصايا المسيح كلها وعملتها ، قل : " انى لم ارض الله قط ".

سابعاً – احتمال كل ما يأتى علينا

32– اساءة الغير :

+ إذا كنت فى قلايتك وتذكرت ان إنسانا أساء إليك واحزنك فقم فى الحال وصل من اجله من كل قلبك ان يغفر الله له وبذلك تنطفئ عنك محبة محازاة الشر بالشر.

+ ان شتمك إنسان فلا تجبه حتى يسكت : وفتش نفسك بخوف الله فانك سوف تجد ان ما قد سمعته كائن فيك وان العلة هى منك ، فاصنع له مطانية مثل إنسان يعرف الحقيقة انه هو الذى اخطأ.

33 – المرض :

+ إذا اصابك مرض وانت ساكن فى قلايتك فلا تصغر نفسك بل اشكر الله على ذلك.

34 – الزهد :

+ ان أنت بعت شغل يديك فلا تتشدد فى الثمن كالعلمانيين كذلك إذا اردت ان تشترى شيئا زد على ثمنه قليلا وخذخ وان لم يكن معك ما يساوى قيمته فاتركه بسكوت.

35 – الإيمان :

+ احفظ نفسك من مجادلة المخالفين بحجة انك تريد الدفاع عن الإيمان لئلا يؤثر كلامهم فيك فتهلك. وان وجدت كتابا من كتبهم فلا تقرأ فيه لئلا يمتلئ قلبك بسم الموت بل تمسك بأمانتك كما اضاءت لك المعمودية ، كن على حذر من تعليم الكذاب المضاد.

36 – عدم الادانة :

+ إذا ابصرت إنسانا قد اخطأ فلا تحتقره ولا تزدر به لئلا تقع فى ايدى اعدائك ، وإذا طغى أخوك بجهله بسبب الهراقطة ، ثم رجع إلى الإيمان القويم فلا تحتقره.

+ إذا سمعت اخاً يدين آخر فلا تستح منه أو توافقه لئلا تغضب الله. بل قل له ياتضاع : " اغفر لى يا أخى فانى إنسان شقى وهذه الأمور التى تذكرها أنا متغمس فيها ولست احتمل ذكرها.

+ لا تقبل ان تسمع ضعفات أخيك أو تلومه ، والا فأنت هالك.

+ إذا أساء إليك أخ وجاء أخر وعاب فيه عندك فاحفظ قلبك لئلا يتجدد فيه ذكر الشر الذى أساء به إليك ذلك الإنسان.

+ من لا يدين أحدا فقد استحق النوح ، إذا انشغلت عن خطاياك وقعت فى خطايا احيك.

+ ان قلت ان فلانا صالح وفلانا شرير خربت نفسك.

ثامناً – ضبط المشيئة

37 – رفض المشيئة:

+ لا تكن معاندا أو متمسكا بكلمتك لئلا يسكنك الشر ، فان طالبك الإخوة بامر لا تهواه فارفض مشيئة نفسك وتمم ما يقولونه لك لئلا تحزنهم فتفقدوا السلام فيما بينكم.

+ إذا كنت ساكناً مع أخ وسألك قائلا: " اطبخ لنا شيئا " فاساله عما يجب فان ترك لك حرية الاختيار فمهما وجدته موافقا له اطبخه بخوف الله. وكل عمل تعملانه اشتركا فيه ولا يطلب احدكم راحة جسده لئلا يضطرب فكر أخيه.

+ من قطع هواه من أجل أخيه لمرضاة الله فقد أنبأ نفسه انه قد اقتنى الفضائل ، اما الذى يرضى هواه فقد اظهر انه غير خائف من الله.

+ ان أنت قطعت هواك بمعرفة اقتنيت لنفسك التواضع ، اما الذى يريد ان يتمم هواه فذاك بعدم الصلاح كله ، فلتقطع اهوية قلوبنا ولنلتمس مشيئة الله ويتمهها.

+ فلنهرب من اللجاجة ( العناد والمجادلة ) فانها تهدم كل بنيان الفضيلة وتصير النفس مظلمة لا تبصر شيئا من الصلاح فتحفظ من هذا الوجع ( هذه الرذيلة ) الردئ الذى إذا اكتنف اى صلاح اعدمه ، لان ربنا ما ان طلع على الصليب حتى طوح يوداس ( يهوذا ) من وسط تلاميذه ، فان لم يقطع الإنسان هذا الوجع الردئ ( اللجاجة ) فلن يستطيع ان يدرك شيئا من أمور الله لان كل شر فى الدنيا يلحق صاحب هذا الوجع .. وهذا الوجع هو نتيجة الكبرياء ، لان المتكبر لا يقدر ان يتحمل شيئاً من الموعظة وهو محب لمجد الناس والغلبة ويسكن فى نفسه كل أمر يبغضه الله ، لان المتكبر لا يقدر ان يكون بغير عثرة ، وهو يسلم نفسه بنفسه إلى ايدى اعدائه .. وحينئذ يصنعون لها شروراً كثيرة.

57 – قبول الغير:

+ إذا وجه إليك إنسان كلمة قاسية ، فلا تشمئز أو يستكبر قلبك ولكن بادر واصنع مطانية ولا تلمه فى قلبك ، والا فالغضب يثور عليك.

+ إذا افترى احد عليك بشئ لم تصنعه فلا تجزع ولا تغضب، بل اتضع لصنع له مطانية ، وسواء كنت قد فعلت ام لم تفعل ففى كلتا الحالتين قل: " اغفر لى فلن أعود لمثله مرة أخرى ".

+ لنتحمل تعبير اخوتنا إذا هم رذولنا لنخلص من العظمة.

58 – الاعتراف بالخطية :

+ ان أخطأت فى أمر ما للا تستح وتكذب ، بل اسرع واقر بذنبك واستغفر الله فيغفر لك.

+ طولى لمن اهتم من اجل جراحاته لتشفى ، وعرف خطاياه وطلب من اجلها الغفران.

+ من كنتم خطاياه عن صاحب سره فقد دل على تعاظمه ، وقد استملك عليه عدوه ، اما الذى يفشى أفكاره فيستريح.

لنرفض شرف العالم وكراماته لنتخلص من المجد الباطل.

تاسعا – العمل

59 – العمل فى القلاية :

+ إذا قمت باكر كل بوم فقبل ان تقوم بأى عمل اقرأ كلام الله وبعد ذلك ان كان لك فى القلاية عمل فاعمله بهمة ونشاط.

+ إذا جلست فى قلايتك فاهتم بهذه الثلاث خصال :

" ابدأ عمل يديك ، ادرس مزاميرك وصلاتك ، تفكر فى نفسك انه ليس لك شئ فى هذه الدنيا سوى اليوم الذى أنت فيه فلن تخطئ ".

60 – عمل اليدين :

+ اتعب نفسك واضطرها على العمل وخوف الله يحل عليك.

+ اعمل لكيما تعطى المساكين من عرق جبينك لان البطالة موت وهلاك واحرس قلبك قبل كل شئ كى يكون لك شغل فى الروحانية فى كل رهبنتك.

+ إذا كنت تقوم بعمل يديك فلا تتوان البتة ولكن اهتم به بخوف الله تخطئ بدون وعى ، وكل عمل تؤديه لا تستح ابدا من ان تسأل من يعلمك قائلاً : " اصنع محبة وأرنى .. " وخذ رأيه أيضا فيما لو كان عملك جيداً ام لا.

عاشراً – المحبة

61 – معاملة الإخوة :

+ لتكن محبا للمؤمنين لتحل عليك رحمة الله. لتكن محباً للقديسين لتتحلى بأعمالهم الصالحة.

+ لنكن محبين لجميع الناس لنخلص من الغيرة لنكن متصالحين مع كل احد لنخلص من البغض اما الذى يلوم اخاه أو يحتقره أو يشى به قدام الاخرين أو يظهر له غضباً ، فقد صار بعيداً من الرحمة.

62 – الملكية المشتركة :

+ ان سألك أخ ان تعيره اناءك فاعطه اياه ، رغم حاجتك إليه ورغم عدم وجود غيره عندك ، واياك ان تجلس بعد ذلك متضايقاً مرتبكاً فخير لك ان يهلك احد اعضائك من ان يذهب جسدك كله إلى جهنم.

+ ان أنت اقرضت اناسنا مسكينا شيئا وعرفت انه ليس له ما يوفيك فلا تحزنه ولا تضيق عليه فى شئ مما اعطيته سواء كان ثيابا ام وزنات ام غير ذلك.

63 – اجتماعية :

+ ان ذهبت إلى قرية وأوصاك أخ ان تشترى له شيئاً ، فاشتره له كما لو كنت تشتريه لنفسك وان كان معك إخوة وقتئذ فاشركهم فى هذا الأمر.

+ ان مررت واستأذنت الأخ قائلا : " استرح قليلا حتى أتى إليك " فان دعاك صديقك ان تدخل لتأكل عنده ، فاياك ان تلبى دعوته دون ان تشرك الأخ الذى معك".

+ ان ستعرت من أخيك فاسا أو غيره فلا تتوان فى ان ترده إليه عند قضاء حاجتك ولا تتركه حتى يطلبه منك ، فان انكسر جدده له ، وان اودع أخ عندك اناء ، واحتجت إليه احتجاجا شديدا فاحذر ان تمسه بأذية.

64 – الضيوف والغرباء :

+ ذا كنت جالسا فى قلايتك واتاك أخ غريب فادهن رجليه وقل له : "اظهر محبة وخذ قليلا من الزيت وادهن به جسدك " فان لم يرد فلا تكرهه ـ إذا كن شيخا عمالا.

+ إذا زارك غرباء اعطهم حاجتهم برضى ، وإذا كفرا عن الطعام فقل لهم مرتين أو ثلاثة " اصنعوا محبة وكلوا قليلاً ".

+ إذا جاءك أخ غريب ليكن وجهك صبوحاً حين تسلم عليه ، واحمل عنه ما يحمله بفرح ، وكذلك إذا أراد الانصراف ليفارقك بفرح ولتودعه بخوف الله وبشاشة كى تكونا عند الفراق رابحين نفسيكما ، وكذلك فى حال وصوله إليك اياك ان تسأله عن أمور لا تخلص نفسك بل دعه يصلى اولا ، فإذا جلس قل له : "كيف أنت ، وكيف حالك؟ " ولا تزد على ذلك ، واعطه كتابا ليقرأ فيه. فإذا كان قد جاء متعباً فاتركه حتى يستريح واغسل رجليه. فان كان قد اتاك حاملا إليك كلاماً ليست فيه منفعة فقل له : " اغفر لى يا آخى فانى ضعيف ولست اقوى على سماع هذا الكلام " ، وان كان ضعيفا وثيابه رثه فاغسلها له وخيطها إذا احتاجت إلى خياطة.

65 – الرحمة :

+ اعط المحتاجين بعين واسعة .. حتى لا تحزن بين القديسين لان قلة الرحمة تعبر عن اننا لا نحب الله.

+ لنلازم محبة المساكين لنخلص من حب الفضة .

+ إذا جاءك أحد من الطوافين وتصادف أن كان عندك رجل قديس في نفس الوقت فلا تدخله عليه ولكن اصنع معه رحمة من أجل محبة الله واخل سبيله .

وان كان مسكينا فلا تصرفه منعندك فارغا ، بل اعطه من البركة التي أعطاك الله اياها ، وأعلم أن كل شيء لك ليس ملكك فاعطه من أجل الرب .

أحد عشر – المرشد الروحي

+ لا تعمل عملا في توبتك بدون مشورة ، فتعتبر أيامك بنياح . وكل فكر يحاربك أكشفه ولا تستح أن تقول به هو أكبر منك بالروحانية فيخف لكالفكر عنك ويذهب ، واعلم أنه لا يوجد شيء يفرح له الشياطين مثل إنسان يخفي أفكاره ، ردية كانت أم جيدة .

+ ان سألك شيخ عن أفكارك فاكشفها له بصراحة متي تأكدت ان له أمانة ويحفظ كلامك . ولا تنظر الي كبر السن بل اعتمد علي من له علم وعمل وتجرية ومعرفة روحانية ، لئلا يزيدك سقما بدلا من أن يهبك شفاء .

+ لا تكشف اسرارك لكل أحد لئلا تسبب عثرة لقريبك . اكشف أفكارك لآبائك الشيوخ لتجد معونة بمشورتهم .

+ ان وجدت شيوخا جالسين يتكلمون كلام الله وأردت أن تجلس معهم لآبائك الشيوخ لتجد معونة بمشورتهم .

+ ان وجدت شيوخا دجالسين يتكلمون كلام الله واردت أن تجلس معهم فاستأذن معمك أولا فان أذن لك فاجلس واسمع كلامهم ، وكل ما يأمرك به أفعله وأن أمرك معلمك بقضاء حاجة خاصة به فأسأله عن المكان الذي تذهب إليه لقضائها وما يشير به عليك لا تزد عليه ولا تنقص .

***

أساس ومشارب

الأساس :

وصف القديس برصنوفيوس السلوك الرهباني في كلمات مختصرة فقال :

1- العمل الداخلي هو :

وجع القلب ( أي المناجاة القلبية بمسكنة وماأومة )

وهذا يجلب الطهارة .

والطهارة تلد سكوت القلب الحقاني .

وهذا السكوت يلد التواضع .

والتواضع يصير الإنسان مسكنا لله . وهذه السكني تطرد الأعداء الأشرار ، مع كافة الأوجاع الرديئة ، وتحطم الشيطان رئيسها ، فيصير الإنسان هيكلا لله طاهرا مقدسا مستنيرا فرحا ممتلئا من كل رائحة طيبة وصلاح وسرور ، ويصبح الإنسان لابسا لله ، نعم ويصير الها ، لأنه الها ، لأنه قال : أنا قلت أنكم آلهة وبني العلي تدعون . وحينئذ تتفتح عينا قلبه ، وينظر النور الحقاني ، ويفهم أن يقول : اني بالنعمة تخلصت بالرب يسوع المسيح .

الطاعة :

والذي يريد أن يرضي الله ، فليقطع هواه لأخيه ومعلمه ، لأنه إذا فعل ذلك فهو يجد نياحا بالرب .

مشارب :

سئل القديس أنطونيوس ما هو العمل الجيد فأجاب وقال : أن الأعمال الجيدة كثيرة لأن الكتاب يقول : أن ابراهيم كان مضيفا للغرباء وكان الله معه ، وايليا كان يؤثر سكني البرية والوحدة وكان الله معه ، وداود كان متضعا ووديعا وكان الله معه ، ويوسف كان حليما عفيفا وكان الله معه ، فالذي يحبه قلبك من كل هذا اعمله من اجل الله واحفظ قلبك . وإذا قاتلتك أفكار كثيرة فقاتل أنت رأسها فان هزمته انهزم باقيها .

وقال أيضا : الذي يطرق سبيكة من الحديد يسبق أولا فيمثل في فكره ما هو عتيد ان يفعله ، أما منجلا أو سكينا أو فأسا ، وهكذا بسبيلنا نحن أيضاً ان نفكر في كل شيء نبدأ العمل فيه لئلا يكون عملنا باطلا .

القديس يوحنا القصير

سأل بعض الشيوخ يوحنا القصير قائلين : عندما كنت في كريت كيف كان الآباء يدبرون انفسهم . قال : كانوا يؤدون عمل الرب بكل قوتهم ليل نهار . أعني أنهم كانوا

1- يتلتون الخدمة ( الصلوات العامة )

2- يصلون .

3- ويقرأون

وكانوا يهتمون بالاكثر علي الانفراد

4- وعوضا عن البطالة كانوا يعلمون بأيديهم .
 
قديم 12 - 06 - 2014, 09:20 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

الصورة الرمزية Ramez5

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Ramez5 متواجد حالياً

افتراضي رد: بستان الرهبان

تدابير الإرادة - الفقر

لقد كان الإنسان في البدء شبه الملائكة، فلما سقط صار شبه البهائم، ولكن إذا كانت الطبيعة الإنسانية تسوق الى الشهوات البهيمية، فان الشريعة المسيحية تؤدي إلى الغاية الملائكية، لأن المسيح وعد الذين يعملون إرادته أنهم سيكونون مثل ملائكة الله، فاعلم يا خى أنه ليس شئ يقرب إلى الله مثل الطهارة والاتضاع ، ويمكن اقتناؤها بالصروم والصلاة والسهر والتعب. وأتمام الخيرات بقطع رأس الشر الذي هو حب المقتنيات .

سؤال : ( أسألك يا أبي أن تبين لى ما هى المشيئة الجيدة ، وما هي المشيئة الرديئة ؟ ) .

الجواب : ( قلت لك أن كل نياح جسادنى مرذول عند إلهنا) ، لأنه قال : (أن الطريق المؤدية إلى الحياة الأبدية حزينة وضيغة ، فمن يختارها لنفسه المشيئة الجيدة، ومن أرادها فإنه يلقى بنفسه في كل أمر حزين بهواء، وبقدر استطاعته . أسمع ما قاله الرسول: (أني أقمع جيدي واستعبده) فأفهم أن الجسد لا يريد ذلك، بل بمشيئته كان يضمره، فالذي يريد الخلاص يجب أن تكون مشيئته هكذا، ومن كان كذلك فكل أموره مختلط فيها الحزن .

لا تستعمل فراشا لينا، وتذكر أن كثيرين ينامون على الأرض وبين الشوك، وأن صادفت طعاماً لذيذا فاتركه وكل من الدون، كيما يحرك على جسمك حزناً، وأذكر الذين لا يذوقون خبزاً البتة، واذكر كذلك الألم الذي قبله سيدك من أجلك ، وأعط لنفسك الويل – هذه هي المشيئة الجيدة ، أما المشيئة الرديئة فهي نياح الجسد في كل ما يطلبه منك، ولاسيما إذا اتفق لك طعام غير جيد، وقلت: (لا آكل) ، فهذه هي المشيئة الرديئة، فاقطعها عنك وأنت تخلص) .

قطع الهوى

سأل أخ شيخاً : (كيف أعلم، أن أقطع مشيئتي حين أكون في القلاية وحين أكون بين الناش؟ . وما هي مشيئة الله وما هي مشيئة الشيطان ؟ ) .

فأجابة : ( أما قطع الراهب لمشيئته في قلايته، فذلك بتهاونه بانياح الجسداني في جميع الأحوال والأمور، أما إذا كان بين الناس، فليكن كالميت بينهم، أو كالغائب عنهم، أما مشيئة الله فهي الا يهلك أحد، كما كتب في الأنجيل، وأن يقبل الكل إلى معرفة الحق، كما قال الرسول بولس ، وألا يموت الإنسان وهو خاطئ ، بل أن يتوب ويحيا، كما قال النبي حزقيال .

أما مشيئة الشيطان فهي : (ثقة البار بنفسه ، وعد توبة الخاطئ عن خطيئته).

ولما سئل أنبا يوحنا رئيس الكينونيون عند نياحته : (قل لنا كلمة يا أبانا) قال : (إنى لم أكمل هو أي قط ، ولم أعلم أحداً شيئاً لم يسبق لى عمله ) .

الصلاة وموافقتها لميشئة الله :-

+ أخبروا عن شيخ قديس، أنه كان داخلاً إلى مدينة لها أمير كبير، وكانت له أبنة قد قاربت الموت، فلما رأي القديس أمسكه وأعاقه عن السفر قائلاً له : (لن أطلقك حتى نصلي على ابنتى فتصافى). فتبعه الشيخ إلى موضع الصبية ، ووقف فوق رأسها، وبسط يديه قائلاً: (أيها الرب العارف بخير النفوس، يا عالم الغيوب، يا من لا يشاء ان يهلك أحد من جنس البشر، أنت تعلم حيرة هذه الصبية، أرادتك أفعلها معها) ، وللوقت أسلمت الصبية روحها، فصاح أبوها على الشيخ قائلاً: (واويلاه منك يا شيخ، فإن كنت لم تقدر أن تقيمها ، فلا أقل من أن تعطيها لى كما كانت، والا فلن أطلق سبيلك) ، فطلب الشيخ من الله فعادت نفسها إليها بطلبة الشيخ مرة أخرى .

ولما عوفيت لم تلبث أن سارت سيرة رديئة، فأفسدت جلال أبيها، فمضى إلى موضع الشيخ وطلب منه قائلاً: ( أريد أن تموت، فقد عاشت عيئة رديئة، وأنا أحتشم أن أمشى بسببها) ، فقال له الشيخ : ( أنا قد طلبت من الله الخير فيما يريد ، وقد علم الله أن موتها أصلح ، لكنك لم ترد ، والان لا شأن لى معاك ومضى الشيخ وتركه .

ولذلك كان إنما أغاثون يقول : ( هكذا يجب أن يكون فهم القديسين أن يعرف الإنسان مشيئة الله وأن يكون بكليته سامعاً للحق خاضعاً له لأنه في صورة الله ومثاله).

ومن شر الأعمال كلها أن يطيع الإنسان ارادته ويخالف إرادة الله وأن يكون له هوى في شئ وفي غيره هوى آخر في نفس الوقت .

كذلك قيل : ( النية هي المطلوبة في كل موضع وليست في موضع معين، فإن آدم كان في الفردوس وأطاع مشورة الشيطان، وتبع هواه وعصى وصية الآله، وأيوب كان جالسا على المزبلة ، وقام الشيطان ، وضبط هواه، وحفظ وصية الآله) .

الغربة

قال القدس برصنوفيوس :

" غرباء نحن، فلنكن غرباء بالكمال، ولا نحسب انفسنا شيئاً، ولا نشاء أن يحسبنا أحد فنتنيح. جاهد ان تموت في القبر من كل أنسان، وقل لفكرك: " لقد مت ووضعت في القبر" وأنت تخلص، وليس غلق الباب هو الموت، بل غلق الفم والطاعة هي أيضاً مطفئة لجميع سهام العدو المحماة .

المحبــــة

وقال أيضاً :

+ البذور العظيمة، والأعصاب التى تشدد كل الأعضاء، وتشفى كل مرض وأسترخاء، هي المحبة التى أعطانا الآب وأحيانا بها " .

1- الفقر

قال أحد الشيوخ :

" لا تطلب حوائج كثيرة، لأنك عاهدت المسيح أن تعيش معه بالفقر، لأن المسيح هو حياة النفس، وكل ما اقتناه في كلبه وفي كره وفي تصرفاته بإمتداد عقله إليه، فهو ذاك الذي ينجح في سيرة هذا العمر، وينال الحياة التى لا تزول " .


(أ) حياة النساك

أتفق أثنا عشر من القديسين الحكماء، واجتمعوا على رأي واحد، ورغب بعضهم إلى بعض في أن يذكر لهم طريقة نسكه ، لينتفعوا :

فقال الأول : ( أنا منذ بدأت بالأنفراد ، صلبت ذاتى عما هو خارج عنى ، وجعلن فيما بين نفسى. وبين الأشياء الجسمانية سوراً ، وصرت في بيتى كمن هو داخل السور ، فلا ينظر إلى ماهو خارج عنه ، فكنت أتأمل ذاتى فقط، منتظراً الرجاء كل وقت من الله ، وصورت الأفكار الخبيثة بصورة العقارب والحيات ، فمتى أحسست بها متحركة في طردتها وأبعدتها بالغيظ والتهويل ، وما كففت في وقت من الأوقات من الغضب على نفسى وجسيمي، لكيلا يعملا عملا شريراً ) .

وقال الثاني : ( أنا منذ زهدت في العالم ، قلت في نفسى ، اليوم ولدت ، فاترك ما مضى وابتدئ بالعبادة لله ، وأنزلت نفسي منزلة الغريب في المكان الذي من شأنه أن ينصرف غداً ) .

وقال الثالث : ( أيا من بكرة النهار اطرح ذاتي على وجهى أمام ربى، وأقر بجرائمى) ثم اتضرع للملائكة أن يسألوا الله العفو عنى، وعن الناس جميعاً، ثم أطوف أماكن العذاب بعقلي، وبأبكى وأنوح إذ أرى أعضائي مع الذين يعاقبون ويبكون) .

وقال الرابع : ( أنا اتصور نفسي جالساً في جبل الزيتون مع ربنا وملائكته وأقوال لنفسي، منذ الآن لا تعرف أحداً بالجسد ، بل كن مع هؤلاء دائماً بمنزله مريم الجالسة عند قدمي السيد، لتسمع أقواله سماعاً مطيعاً، كقول ربنا. (كونوا أطهار لاني طاهر، كونوا كاملين مثل أبيكم الذي في السماء فإنه كامل، تعلموا منى فأنى وديع ومتضع بقلبي " .

وقال الخامس: ( وأنا أتصور الملائكة صاعدين ونازلين في أستدعاء النفوس وأتوقع وفاتي كل يوم ، وأقول : (مستعد قلبي يا إلهي ) .

وقال السادس : ( أنا أستشعر كل يوم أنني أسمع من ربنا هذه الأقوال . "أتعبوا من أجلى فأنيحكم ، أن كنتم أولادى فاستحوا منى كأب محب، وأن كنتم أخوتى فوقرونى، أنا كنتم أحبائي فاحفظوا وصاياى، أن كنتم رعيتى فأتبوعني " .

وقال السابع : " أنا أذكر نفسي بهذه : " وهي الأمانة والرجاء والمحبة حتى أنجح بالأمانة، وأفرح بالرجاء ، وأكمل بالمحبة لله والعبادة " .

وقال الثامن : " أنى رأي المحتال طائراً طالباً واحداً يبتلعه، وأرفع نظرى العقلي إلى إلهى واستنجد به عليه في أن لا يدعه يتقوى على أحد، وخاصة على الخائفين منه".

وقال التاسع : أني أرى كل يوم كنيسة القوات المعقولة. وأعاين رب المجد، في وسطها لامعاً جداً، واسمع نغماتهم في تسابيحهم التى يرفعونها الى الله ، بمنزلة من قد فهم ما هو مكتوب : " أن السموات تخبر بمجد الله " ، فاحسب كل ما على الأرض ومادا وكناسة فيزول عنى الضجر والتعب والغم .

وقال العاشر : (أنا أرى الملاك الذي معى قريباً منى، وصاعداً بأعمالى وأقوالي، فأحفظ ذاتى وأتذكر قول النبى : " سبقت فرأيت الرب أمامى في كل حين ، لأنه عن يمينى لكيلا أتزعزع " .

وقال الحادي عشر : " أنا أضع وجهي على ضبط الهوى ، والعفة ، وطول الروح ، والمحبة ، وأقول لنفسي : لا تنامى " .

وقال الثاني عشر :

" أما أنتم فلكم أجتحة من السماء، طالبين ما في العلا ، فقد انتقلتم بالنية من الأرض ، وتعريتم من هذا العالم، فأنتم أناس سمائيون أو ملائكة أرضيون. وأما أنا ، فاذا قست نفسى بكم، أكون غير مستحق الحياة، لأني أعاين خطاياي أمامى في كل حين، وأينما توجهت تتقدمنى، وقد حكمت على ذاتى أنى في جملة الذين تحت الأرض قائلاً: سأكون معهم ، إذا كنت مستوجباً أن أكون قريبهم، وأبصر هناك الدود والحسرات والعبرات المتضلة المرة ، وأقواما تقعقع اسنانهم، (مرتعشين) بجملة جسمهم، من رؤوسهم الى أرجلهم، وأطرح ذاتي على الأرض، وأنثر الرماد على ، متضرعاً إلى الله، في الا أباشر تلك العقوبات، وأنظر أيضاً بحر نار يغلى، ويعج، يتوهم من يبصره أن أمواجه تبلغ إلى السماء وملائكة متنمرين يطرحون أناساص لا يحصون في ذلك البحر المريع، وكلهك يعجون بولولة عظيمة، ويحترقون كالقش، وقد ارتدت عنهم رأفات الله ، لأجل آثامهم وأنتحب على جنس البشر، وأتعجب كيف يجسر أحد أن يتكلم كلمة، أو ينظر نظرة بمخالفة، وقد أعدت هذه العقوبات، لكل من لا يؤمن بالإله ويطيع وصاياه، وبهذا أضبط النوح في نفسى والدموع في عينى ، وأحكم على ذاتى بأنى لست أهلاً للسماء ، ولا للأرض، متشبها بالنبى القائل : " صارت دموعى لى خبزا نهاراً وليلاً " .

فهذه أقوال وسيرة الأباء المغبوطين لمن أهتدى بأقوالهم، واقتدى بأفعالهم ومن ربنا نسأل العفو والعون، وله نقدم التسبيح والشكر ، ولأبيه الصالح، وروح قدسه، الأن، ودائماً آمين "

قال القديس باسيليوس :

+ " إن النصارى قد منعوا من محبة المجد الباطل، ومن أرضاء الناس ومن المباهاة أما العلمانيون فأنهم يخزون من المسكنة ، ويهيئون أنواع المأكولات للضيف، وأما نحن فلا نرذل المسكينة التى طوبها الرب، وكما لا يليق بنا أعداد الآلات الكريمة الثمينة في الضيقات والبسط فيها، كذلك لا يحسن بنا الأحتفال .

فإن قصدك أيها الأخ غريب ، فإن كان حالة كحالك، قدم له العيش ، فإنه يعرف فائدته، ويجد عندك ما تركه في قلايته، فإن كأن قد أتعبه السفر، فقدم له ما يزيل تعبه. وأن قصدك علمانى، فأنه يأخذ من عندك رسما للقناعة في المأكولات، وتذكارا لموائد النصارى، ونموذجاً للمسكنة المسيحية .

إذا كنا نغير ملابسنا لمن يتلقانا، فلا نغير أيضاً موائدنا للذي يطرقنا، والرسول يقول : " أن أكلتم وشربتم، أو مهما عملتم، فاعملوا لتمجيد الله " وما يعمل للمباهاة، ليس هو لتمجيد الله ويعقوب أكتفى في مطلوبه من الله ، بخبز يأكله ، وثوب يلبسه والرسول قال : "يكفينا القوت والكسوة" وسليمان سأل الله قائلاً: " رتب لى الكفاف، الذي يقوم بالأود" ، والكفاف هو عدم الفضلة وعدم الحاجة الضرورية معاً، والغذاء الضروري هو اليسر الثمن، والسهل الوجود، فبهذا يجب الأهتمام ، وتقديمه لكل محتاج إليه.

ولما كان قوتنا أنما نحصل عليه من شغل أيدينا، يوماً بيوم ، فلا نصرفه في تنعيم غير المحتاجين، لئلا نضيق على نفوسنا ، ونسبب لهم المضرة الحادثة من التبذير حيث يجب التقشف " .

شيطان النسك

الصوم لمرضاة الله وليس للمجد الباطل :

وقال أيضاً أنبا باسيلوس : " لما شاهدت قوما أماتوا أجسادهم بالنسك مدحتهم، لأنى رأيت ضبط الهوى قاهراً للشياطين، إذا كان مبنياً على ناموس الرب. ولما رأيتهم بعد ذلك كاذبين حلافين، سألتهم قائلاً: " إذا كنتم عاملين بوصايا الناس، فأهتموا أولا بوصايا الرب، وتجنبوا الكذب، واليمين والحنث، وباقي ما نهى عنه ، وتوعد بالعقاب عليه، ، فلما لم يقبلوا مشورتى، بأن لى أن الذي يعاونه، إنما هو من أجل تمجيد الناس، لأن ضبط الهوى يحتاج إلى تعب كثير، وترك الكذب واليمين لا يحتاج إلا إلى تأمل فقط" .

أقوال بعض الأباء في النسك

الصوم :

+ قال أنبا تيموثاؤس " من يهتم بجسده بشهوة أكل وشرب، فهو يقيم عليه الحرب ، ويقاتل نفسه بنفسه " .

+ قال شيخ : لا تشبع خبزاً ، ولا تشته شراباً " .

+ قال مار أفرام : " خبز وملح مع سكوت وراحة، أفضل من أطعمة شريفة مع هموم وأحزان " .

+ قال شيخ : " أرفع الصلاح كله أن يمسك الإنسان بطنه ولسانه ".

+ وقال شيح أحر : " شاب يتنزه دفعات كثيرة ، قد صار سيفا لنفسه وحده.

+ وقال أنبا موسى الأسود : " أعلم يقيناً أن كل إنسان ويشرب بلا ضابط ويجب أباطيل هذا العالم فإنه لا يستطيع أن ينال شيئاً من الصلاح بل ولن يدركه، لكنه يخدع نفسه " .

+ وقال أيضاً : إذا قاتلتك الشياطين بالأكل والشرب واللبس فارفض كل ذلك منهم وبين لهم حقارة ذاتك فينصرفوا عنك " .

العفــة :

+ قال الآباء : " حيث يكون شرب النبيذ أو النظر إلى الصبيان فلا حاجة هناك إلى شيطان " .

+ قال شيخ : " أن أنت اتبعت المسكنة والضيقة والأمساك فأنك تحيا " .

+ وقال أنبا أبرام : " أذا أمسك الإنسان بالضيقة فهو ينمو وينظر جميع قوات الله وجميع حسناته " .

+ وحدث مرة أن سأل أخ الأب دوروثيئوس قائلاً : كيف أحفظ قلبى ؟

فقال له : " أنك لا يمكنك أن تحفظ قلبك ، مادام فمك وبطنك مفتوحين " .

النــسك "

+ من قول بعض الشيوخ : سألنا أنبا أنانية أن يقول لنا كلمة فقال لنا : " عليك بالمسكنة والأمساك ، لأني كنت في برية مصر في شبابي، وحدث أن أشتكى أحد الآباء بطحاله، فطلب جرعة خل، فلم يجد في تلك البرية كلها، وكان فيخا ثلاثة آلاف راهب، فشكى حالة لأحد الشيوخ الذي أمر بأحضار قليل من الماء، ثم قام وصلى عليه ورسم باسم الآب والأبن والروح القدس، ودهن به الطحال، فزال الوجع لوقته برحمة السيد المسيح" .

+ زاد مرة رهبان من الاسقيط الأم سارة، فقدمت لهم طعاماً، فتركوت الجيد وأكلوا من الدون ، فقالت : " بالحقيقة أنكم استقيطيون" .

+ قال أحد الأخوة : مضيت مرة إلى الأب مقاريوس بالنهار ظهراً، وقد عطشت لدرجة كبيرة جداً، فطلبت منه قليلاً من الماء لكي أشرب، فقال لى : " يكفيك ذلك الظل الذي أنت واقف فيه ، لأن كثيرين الأن يسلكون في المسالك والوهاد في العراء، لا يحدون ظلاً مثل هذا " ، فسألته بعد ذلك أن يقول لى كلمة عن النسك. فقال لى "قو قلبك يا أبنى فأني أقمت عشرين سنة لم أشبع من خبز ولا من ماء، ولا من نوم، وكنت آكل خبزى بقانون أما من جهة النوم فأني كنت أستند إلى الحائط واختطف يسيراً منه".

1- الطعام (المأكل)

+ قال القديس أنطونيوس : كل خبزك بسكينة وهدوء وأمساك، أياك والشره فأنه يطرد خوف الله من القلب ، والحياء من الوجه ، ويجعل أصحابه ماسورا من الشهوات يضل العقل عن معرفة الله . أجعل لك مرة واحدة في النهار للقيام بحاجة الجسد لا للشهوة، ولا تأكل حتى تشبع .

+ قال القديس باخوميوس : الأكل بقدر ليس خطية، وإنما هزيمة الرهبان هى أن تسود عليهم الحنجرة ويتعبدوا للشهوة. فاحفظ نفسك من الأمتلاء بالطعام، لأن الطريق المؤدية كربة واباب ضيق والامتلاء يجعلك خارج الجنة .

+ قال مار أسحق :

+ جالس الضباع ولا تجالس الشره الذي لا يكتفي .

+ التحدث مع الخنايزير ذات الحماة ، أفضل من فم الأكولين .

+ لا تخاصم ولا تماحك من أجل البطن .

+ قال أحد الشيوخ : أن المحب لله لا يحفظ ملاذ الأطعمة " .

+ قال شيخ : يا حتجرانى، يا من تطلب أن تملأ جوفك، الأجود لك أن تلقى فيه جمر نار من أن تتناول أطعمة الرؤساء .

+ قال آخر : " الذي يأكل كثيراً ويقوم عن المائدة أفضل من الذي يأكل قليلاً ويبطئ أمام المائدة حتى يشبع " .

+ وقال أيضاً : " ويح لشاب يملأ بطنه ويصنع هواه ، لأن رهبانيته ، وتلميذته، وكل تعبه ، يكون باطلاً " .

+ كذلك قيل : " أن كانت شهوتك عالمية، فهذه أيضاً شهوة الكلاب والخنازير، أعنى بذلك البطن والزنا. أما أن كانت شهوتك بالله ، فهذه هي شهوة الملائكة " .

+ ومرة سأل أخ الأب صيصوي عن تدبير ما ، فأجابه الشيخ قائلاً : " أن دانيال النبي قال : خبز شهوة ما أكلت " .

+ وقيل أيضاً أن شيخا كان يأكل أثناء عمله ، فسئل عن ذلك فقال : " أنى لا أؤثر أن أجعل الطعام عملاً أتفرغ له ، حتى لا تحسن نفسى بثلذذ في الطعام ".

+ قال القديس برصنوفيوس : أن أمساك البطن هو أن تقلل من شبعك قليلاً، وأن كان عليك قتال فاترك قليلاً أكثر " .

سؤال : " كيف أقدر أن أمسك بطني وأن أكل دون حاجتي ، لأني لا أستطيع صبراً ؟ " .

الجواب : ليس أحد يفلت من هذا الامر، إلا الذي قد بلغ إلى مقدار ذلك الذي قال: " أني نسيت أكل خبزي من صوت تنهدي، وقد لصق لحمي بعظمي .. فمن كانت حالته هكذا ، فإنه يأتي بسرعة إلى قلة الطعام لأن دموعه تصير له مثل الخبز، ويبدأ إذ ذاك أن يتغذي من نعمة الروح القدس. صدقني يا أخي، أني أعرف أنسناً يعلم الرب أنه قد بلغ إلى هذا المقدار الذي ذكرت، حتى أنه كان لا يأكل في كل أسبوع مرة أو مرتين، وكان مراراً كثيرة يسبى في النظر الروحاني، ومن حلاوة ذلك كان ينسى أكل الطعام المحسوس، وكان إذا أراد أن يأكل يشعر كأنه شبعان، ولا يجد لذة للطعام، وكان يأكل بدون شهوة، لأنه كان يشتهى أن يكون دائماً مع الله ، وكان يقول : " أين نحن " .

+ قال الأخ السائل : " أنا أطلب اليك يا أبي أن توضح لى قوة هذا الامر ، وكيف يصير الإنسان إلى ما ذكرت، فأني أجهل ذلك، وإذا أنا بدأت أقلل طعامي، فما يدعنى الضعف حتى أعود إلى المقدار الاول، وأنت قلت لى أن الذي يبلغ إلى المقدار الذي قيل فيه : " أن لحمى لصف بعظمي من صوت تنهدي " يصير إلى قلة الطعام، فبين لى هذا الأمر " .

+ قال الشيخ : " هذا هو التصاق اللحم بالعظم ، أن تصير جميع أعضاء الإنسان ملتصقة، إلى أن تكون أفكار الإنسان كلها فكراً واحداً بالله، عند ذلك يلتصق الجسداني ويصير بوحانياً، ويلحق الجسد بالفكر الإلهي، وحينئذ يصير الفرح الروحاني ، في القلب ، يغذى النفس ويضبع الجسد، ويقوى كلاهما حتى لا يكون فهما ضعف ولا ملل، لأن ربنا يسوع المسيح إذ ذاك يكون الوسيط ويوقف الإنسان بالقرب من الأبواب التى ليس داخلها حزن ولا وجع ولا تنهد ، وحينئذ يتم القول : " حيث يكون كنزك ، فهناك يكون قلبك " ، فالذي يبلغ إلى هذا المقدار قد أقتنى الاتضاع الكامل ليسوع المسيح ربنا.

2- الشرب (المشرب)

+ قال أنبا موسى الأسود: " لا تحب الخمر لئلا يحرمك من رضى الرب".

+ قال أنبا أغانون : " من بذل نفسه لشرب الخمر لا يمكنه أن يخلص من شر الأفكار وقبح الأعمال. فأن لوطا لما أمتلأ من السكر وقع في مجامعه قبيحة مغايرة للناموس الطبيعي " .

+ قال أنبا أبرام " أهرب من المشارب ، ولا تدخل المجالس لئلا تصير زانيا خلوا من أمرأة الساكنك" .

+ قال بعض الأباء : " لا تقتن أناء يزيد عن حاجتك حتى ولا (سكرجة) واحدة ، والا فعليك أن تجيب عما فضل عنك " .

+ سؤال : " أن الزمنى أخر أن أشرب معه قدحا من النبيذ في قلايته فهل جيد لى أن أذهب معه ؟ .

الجواب : أهرب من شرب الخمر، تسلم سلامة الغزال من المواهق ، وذلك لأن كثيرين بسبب هذا الأمر ، أندفعوا إلى السقوط بالأفكار " .

+ سأل أخ الأب تستاريوس : " أن وجدت وقتاما ، وأكلت ثلاث خبزات فهل هذا كثير؟ " فقال له : " هل أنت في البيدر يا أخي ؟! " قال له أيضاً : " وأن أنا شربت ثلاثة أقداح خمر ، فهل هذا كثير ؟ " أجابه أيضاً قائلاً : " أن لم يكن هناك شيطان فإنها ليست كثيرة. أما أن كان فهي كثيرة، لأن الخمر مضر جداً للرهبان لاسيما الشبان ومنهم" .

+ كان أخ مقاتلاً بالزنى ، فسأل شيخاً أن يبتهل في أمرة لكيلا يقهره الشيطان، فسأل الشيخ الله في أمره سبعة أيام وبعدها سأل الأخ عن حاله فقال له : " لم يخف القتال بعد" فتعجب الشيخ لذلك، وإذا بالشيطان قد ظهر له قائلاً: " أما أنا، فمنذ اليوم الأول في أبتهالك إلى الله بشأنه ، أنصرفت عنه، أنما هو يقاتل ذاته وحده ، لأنه يأكل ويشرب وينام كثيراً " .

3- الثياب ( الملبس )

+ قال أنبا أغاثون : " أن رداء الراهب هو علامة عدم وجود الشر " .

+ وقال مار أسحق : " شيطان الزنى يرصد ثوب الراهب ، هل يلبسه باستمرار، أو يغيره عند التقائه بآخر، لأن هذا هو مفتاح الزنى " .

+ وقال أيضاً مخاطباً الأخوة : " أنآباءنا كانوا يلبسون خرقا موصولة قديمة، وأغطية عتيقة، أما الآن فلباسنا ثياب غالية الثمن. أمضوا من ههنا فقد أفسدتم ما كان ههنا " .

ولما كانوا عتيدين أن يمضوا إلى الحصاد قال لهم : " لن أوصيكم بشئ لأنكم لا تحفظون شيئاً " .

+ وقال بعض الآباء : " لا يكن لك في قلايتك ثوبا زائدا عن حاتجتك ولست في احتياج إليه، لأن هذا هو موتك، لأن هناك قوما آخرين غيرك، يؤلمهم البرد، هم أبر منك وأحق، وأنت الأثيم عندك ما يفضل عنك. ثوباً جديداً لا تلبس، لأن هذا يمنع من النوح " .

وقد أعتاد أنبا أسحق قس القلالى أن يقول :

+ أن أنبا بموا كان يقول : " أن طريقة لبس الراهب ومظهره يجب أن تكون رثة بحيث إذا القيت خارج القلاية لمدة ثلاثة أيام لا يحملها أحد " .

+ وجاء أحد الأخوة في إحدى المناسبات الى كنيسة القلالى وهو مرتد غطاء الرأس يتدلى على كتفيه، وعندما رآه أنبا أسحق تبعه قائلاً :" هنا يعيش رهبان، ولكنك رجل العالم فليس لك مكان للعيش هنا " .

4- المال

+ قال أحد الشيوخ : " أن المحب لله لا يحفظ مالاً " .

+ وقال بعض الآباء : " لا تقتن ذهباً في كل حياتك والا فما يهتم الله بك، وأن اتاك أحد بذهب ، وكنت صحتاجا، فالنفقة في قوتك، وأن لم تكن محتاجاً. فلا بت عندك " .

+ تأهل أحد الشيوخ لمواهب الله ، وذاع صيت فضله فاستدعاه الملك لينال بركة صلاته ، فلما تناقس معه وافقتع وحضر له مالا ، فقبله الشيخ وعاد به إلى قلايته، وبدأ في تنظيفها وتعميرها، فجاءه مجنون (بروح نجلس) فقال له حسب عادته: " أخرج من خليقة الله " فقال له الشيطان : " لن أطيعك فقال الشيخ: " ولم؟" فأجابه : " لأنك صرت واحدا من خدامنا أذ تركت عنك الاهتمام بالله ، واشغلت ذاتك بالاهتمام بالأرضيات .

+ سأل أخ شيخاً : " هل تحب يا أبي أحس لنفسي دنانير فتكون عندى لئلا يصيبني مرض؟ " فلما رأي الشيخ أن فكرة قد هوى أمساك الدنانير، قال له : "نعم" ، فلما مضى ، أزعجته أفكاره قائلة له : " أترى بحق قال لك الشيخ أم لا؟" ثم قام أيضاً ورجع إلى الشيخ وطلب اليه قائلاً : " من اجل الله ، قل لى الحق ، لأن أفكاري تحرنني جداً من أجل الدنانير" فقال له الشيخ : " أني لما أبصرت أنك تحب أمساك الدنانير، قلت لك أمسك أكثر من حاجتك، أما أن أمسكت بالدنانير، فسوف يكون رجاؤك عليها، فأن هي نفذت، فأن الله لن يهتم بك ولن يعينك " .

+ وقيل أن شيخاً راهباً أصيب بمرض الجذام، فأحضر له أحد المسيحيين مالا وقال له : " انفق هذا المال على نفسك في حال كبرك ومرضك" ، فأجابه الشيخ وقال : " أتريد أن تفقدني في ساعة واحدة ما قد تعبت في أقتنائه منذ بدء حياتى حتى هذه الساعة ؟ " وهكذا لم يقبل منه شيئاً .

+ وجاء عن أنبا مقاريوس الاسكندراني أنه لم يكن في جنبيه أيه محبة للمال. وحدث مرة حين جاء لصوص إلى قلايته ليلا وأخذوا ما وجدوه فيها، أنه لاحظ ما يعملون فساعدهم فيه ثم سهل لهم طريقة حمل ما أخذوا إلى خارج الصحراء.

5- القنيـــة

+ قال أنبا موسى الأسود : " محبة المقتنيات تزعج العقل ، والزهد فيها بمنحة استنارة " .

+ قال القديس انطونيوس : " لا تبق لك أكثر من حاجتك ولا تدفع أكثر من طاقتك " .

+ قال أنبا أغاثون : " أن محبة المقتنيات متعبة جداً تؤدي إلى نهاية مريرة لأنها تسبب أضطراباً شديداً جداً للنفس فسبيلنا أن نطردها منذ البدء أنها أن أزمنت فينا صار أقتلاعها صعباً " .

+ " أن كنت مشتاقا إلى ملك السماء فاترك غنى العالم " .

+ قال مار اسحق :

" ألتمس فهما لا ذهبا واقتن سلامة لا ملكاً " .

" المرتبط بالمقتنيات والملذات فهو عبد للأوجاع الذميمة".

" لا يعتبر عدك حكيما ذاك الذي من أجل الحياة في هذا العالم يستعيده فكرة للأرضيات. كل الملذات والشرور التى تعرض للجسد لتكن شبه أحلام، لأنه ليس بموت الجسد فقط تنحل منها بل كثيراً ما يمكنك رفضها والهروب منها قبل الموت. فأن كان لك منها شئ مشترك في نفسك فاعلم أنه مكنوز لك إلى الأبد. لأنها تذهب معك إلى العالم العتيد.. فأن كان ما أكتنزته من الصالحات فافرح واشكر الله في قلبك وأما أن كان ما أكتنزته من الطالحات الرديئات فاحزن وتنهد واطلب الابتعاد عنها مادمت في الجسد " .

+ وقيل عن با مقاريوس : " إنه كان يوصى تلاميذه بأن لا يقتنوا مقتنيات البته " . وكان يخاطبهم بقوله : " إن الراهب له جبة مع أنه لا يساوى عند نفسه جبة " .

+ وقال بعض الآباء : " أن شئت أن تمتلك النوح ، فاجتهد أن تكون أوانيك وكل امتعتك مسكينة فقيرة، مثل الأخوة الشحاذين ، إذا أقتنيت كتاباً فلا تنمق في تجليده ولا تزينه وبالأجمال ليكن جميع ما هو لك مما لا تتألم على فقدانه . ثيابك وحذاؤك وكل أوانيك لتكن هكذا حتى لو جاء قوم ليسر قوها، لا يرضون بها ولا يعجبهم شئ منها .

+ وقال أحد الآباء لراهب له مقتنيات :

" لقد سمى الراهب متوحدا لأنه أصبح يعيش وحده، لا يمتلك شيئاً ، فأن كان له ملك يجار عليه ويظلم فيه، أو يجور هو ويظلم ، فليس هو أذن براهب ، لأن نواميس الملوك لا تسلم بأن يحاكم الرهبان في مجالس أحكامهم، لأنهم قد ماتوا عن العالم ، ولذلك فقد عدم كل عفو ذلك الراهب الذى يدخل نفسه في مجالس الحكام لأجل شئ يظلم فيه أو يجار عليه " .

+ وقال الشيخ : " من لا يستطيع أن يبغض المقتنيات ، فلن يقدر أن يبغض نفسه حسب الوصية المسيحية " .

وسئلت القديسة المغبوطة سفرنيكى مرة أن كان عدم الاقتناء صلاحاً كاملاً: فأجابت بأن ذلك هو حد الصلاح لمن أمكنهم ذلك ، لأن الذين يصبرون على عدم الاقتناء يكون لهم حزن بالجسم ، ونياح بالروح، وهدوء في أنفسهم، كمثل الثياب الجلد التى تداس بشدة وتقلب وتغسل فتنظف، هكذا أيضاً النفس المتشددة بالفقر، فأنها تتشدد وتنظف " .

+ وكذلك قال شيخ : " أنه هوى شيطانى للراهب أن يحتفظ لديه بقوت قليل، ذلك يدخر مالا حاجة به اليه، أما الصديق فإنه يلقى على الرب همه ، وبغير هم يفرق، من أجل ذلك فيد الرب مفتوحة قدامه وهي ممتلئة، فيأخذ ويعطى بسذاجة بغير فكر. من يحفظ شيئاً زائداً لينيح به المحتاجين فهو حكيم بحق. من أجل هذا إذ تفرغ يده ، تجدها تمتلئ كل ساعة، لأنه إذا أعطى ، فله أن يأخذ أيضاً. من ينيح آخر في ضيقته، له هو أيضاً من يهبه نياح الحياة " .

+ مرة سأل أخ أنبا سرابيون قائلاً : " قل لى كلمة " فقال الشيخ : " وماذا تريد بسماع الكلمة وقد أخذت قوت الفقراء وتركته في هذه الكوة . وذلك لأنه أبضرها مملوؤة كتباً .

+ وكان الأب تادرس الفرمى يقتنى ثلاثة أناجيل ثمينة جداً فذهب إلى
أبا ماقريوس وقال له : " عندي يا أبي ثلاثة كتب، وأنا انتفع منها، والأخوة كذلك يتعيرونها وينتفعون منها . فأخبرنى الآن ماذا يتبغى أن أصنع؟ [ هل استبقيها لمنفعتي ومنفعة الأخوة، ام أبيعها وافرق ثمنها على المساكين ؟ ] .

فأجاب الشيخ قائلاً : " أن أعمال الرهبنة جميلة، ولكن أعظمها جميعاً هو الفقر الاختياري" . ولما سمع الأب تادرس هذه الكلمات ، مضى وباع الكتب وأعطى ثمنها للفقراء .

+ ورجل مدبر ، تصدق بماله ، وأمسك بعضه لقلة ايمانه واتى الى الأب أنطونيوس وسجد له قائلاً : " علمني كيف أخلص " . قال له الشيخ : " هل تريد أن تكون راهباً ؟ أن أردت أن تخلص فأصنع ما أقوله لك أولاً : " أمضى إلى القرية واشتر لحما وانزع ثيابك وعاقه في رقبته وتعال " . فأطاع الشيخ ، واشترى اللحم ، وخلع صيابه ، وحمله على رقبته ، فلم يبق طير ولا كلب في تلك القرية ، إلا واجتمعوا عليه، فنهشه الطير وجرح جسمه، فلما بلغ القديس على هذه الحال، قال له : " مرحبا يا ابن الطاعة ، اعلم يا ابنى انى قلت لك أن تصنع هذا كى أعطيك مثالاً ، فأن كثيرين من الناس إذا سمعوا الوصايا لا يحفظونها، وآخرون ينسونها لقلة الحسن، ولذلك أمرتك بهذا ليكون كلامي فيك ذا أثر لأجل ألم الوجع، فأن أصحاب قلة الحس لا تنفع فيهم الموهبة شيئاً فلهذا المعنى يا أبنى اسست فيك آثاراً لوصيتى . فإذا قد تنقى حقلك من شوك الغفلة، فلنبذر فيك الزرع المقدس .

أرأيت يا أبني كيف نهشت الطيور والكلاب جسمك وجرحته، كذلك تنهش الشياطين وتجرح أصحاب القنية ، فأفهم الآن هذا الكلام في عقلك وتفكر به كل أيام حياتك، وأياك يا أبني أن تجعل لك اتكالاً على المال ، بل أتكل على المسيح ، فاذهب الآن وفرق جميع ما أبقيت له من المال، حتى تكون يا حبيبي رهبانيتك صافية من الغش، لأنه ضار بالراهب أن يبقى في قلايته ديناراً وشيطاناً" ، وبعد أن دعمه بالكلام أخذ قليلاً من الزيت وصلى عليه ودهنه ، وللوقن شفى كأنه لم تصبه جراح ولا ألم قط ، وذهب وهو مسرور يسبح الله .

6- الرقاد

+ قال شيخ " أن لم يتم الشباب وهو جالس ، مادامت له استطاعة في جسده، فإنه عاجز مقصر، وكل شاب يرقد عل ظهره ولو قليلاً، فإنه يوقظ الاوجاع المهينة في جسده، وأي شاب يحب الراحة والنياح ، فإنه لا يفلت من الخطية، كذلك الشاب الكسلان لا يقتنى شيئاً من الحسنات " .

7- نياح الجسد

+ قال أنبا أغاثون : " ألزم التعب هاهنا، ولا تكف عن البكاء "

+ وقال أنبا يوسف : " نحن معشر أخوة هذا الزمان نأكل وننيح الجسد من أجل هذا لا ننمو مثل آبائنا، لأن آباءنا كانوا يبغضون جميع نياح الجسد، ويحبون كل الضيقات من أجل الله ، ولهذا اقتربوا إلى الله الحي " .

+ وقال شيخ : " أن الراهب الذي يعرف موضعاً فيه منفعة لنفسه، وكانت جوائح الجسد في ذلك الموضع عسيرة، ولهذا السبب يمتنع عن الذهاب إلى ذلك المواضع، فإن ذلك الإنسان ليس فيه إيمان بالله .

+ وقال آخر : " كما أن حمار المسكين لكونه لا يجد قوتاً ليشبع به ، يصبح هزيلاً ضعيفاً فتنطفئ منه شهوة الطبيعة، وإذ ركبه صاحبه، سار به ذليلاً سهل الأنقياد بسبب ضعفه، هكذا الراهب الذي يقمع جسده بنقص القوت ورداءه الملبس، فإن الشهوة العالمية تنطفئ من جسده، ونفسه تتضع بلا افتخار " .

+ وقال القديس موسى الأسود : " نسك النفس هو بغض التنعم ونسك الجسد هو العوز " .

(ب) حياة التجرد

+ قال القديس ارسانيوس : " أن الراهب غريب في أرض غريبة ، فإذا أراد أن يجد راحة، فعليه أن لا يشغل نفسه بأي شئ فيها " .

+ وقال أنبا يعقوب : " أن الغربة أفضل من إضافة الغرباء ".

+ وقال القديس مقاريوس : " كمثل إنسان إذا دخل الحمام أن لم يخلع عنه ثيابه لا ينعم بالاستحمام، كذلك الإنسان الذي أقدم على الرهبنة ولم يتعر أولا من كل اهتمام العالم وجميع شهواته وملذاته فلن يستطيع أن يصير راهباً ولن يبلغ حد الفضيلة، ولن يمكنه كذلك أن يقف قباله جميع سهام العدو التى هى شهوات النفس"

+ سأل سبعة من الأخوة أنبا ارسانيوس يوماً :

" ما هو عمل الرهبان ؟ " فأجاب أنه حين جاء إلى ذلك المكان ليسكن فيه سأل ذات السؤال لشيخين فقالا له : " أتثق بنا ؟ " فلما قال : "نعم" قالا له: " أذهب وكل ما رأيتنا نعمل اعمله أنت ايضاً " وسأله الأخوة : " وماذا كان عملهما أيها الأب؟" فقال الشيخ : " إن أحدهما أقتنى التواضع والأخر أقتنى الطاعة" فقالوا له: "وما عملك أنت ؟ " فرد عليهم : " فيما يتعلق بمشيئتي وعقلي أنه لأمر عظيم أن يجرد الإنسان نفسه من الارتباط بأي أمر" .

وهكذا انتفع الأخوة وانصرفوا فرحين ممجدين الله .

+ سأل القديس مقاريوس الاسكندري القديس أرسانيوس :

هل حسن للإنسان ألا يكون له أي شئ يتمتع به بالكلية في قلايته؟ لأني أعرف أخا كان عنده بعض أعشاب الحدائق في قلايته ولكى يمنع نفسه من التمتع بها اقتلعها من جذورها، فقال القديس أرسانيوس له: "هذا حسن ولكن على كل إنسان أن يعمل ما يستطيع عمله وإذا لم يكن لديه القوة ليثبت في هذا فإنه ربما يزرع غيرها فيما بعد ويتمتع بها " .

+ وقال أنبا أغاثون عن أنبا بيمين :

أنه في مرة صنع خمسين مكيالا من حبوب القمح إلى خبز لحاجات المجتمع، ووضعها في الشمس ولكن قبل أن تجف رأي في المكان أمراً ضايقه، فقال للأخوة الذين كانوا معه : " أنهضوا وهيا بنا نمض من ههنا " فحزنوا جداً ولما رأى أنهم أغتموا قال لهم : " هل تضايقتهم بسبب الخبز ؟ لقد شاهدت بالحقيقة رهباناً يهربون ويهجرون قلاليهم بالرغم من أنها مبيضة جيداً وكانت تحوي دواليب مملوءة من الكتب المقدسة، وكتب الخدمة، ولم يغلقوا حتى أبواب الدواليب بل رحلوا تاركين أياها مفتوحة " .

1- الراهب والعالم

+ سئل نار اسحق : " ما هو العالم ؟ "

أجاب : " أن العالم هو تجربة العالم ، العالم هو أن نكمل أرادة الجسد، العالم هو أن يفتخر الإنسان بالأشياء التى تمضي ويتركها، أذن، فلنجاهد يا أخوتي حتى نلبس لباس الفضيلة، لئلا نلقى خارجاً، لأن الرب لا يأخذ بالوجوه" .

+ وقال أنبا أفرام : " لأي شئ رفضت العالم أن كنت تطلب نياح العالم، للضيق دعاك الله الكلمة ، فكيف تطلب نياحاً . للعرى دعاك ، فكيف تتزين بالرداءة ؟ .. للعطش دعاك فكيف تشرب خمراً ؟ " .

+ وقال أحد الشيوخ : " إذا كان الراهب حريصا مجاهداً، فأن الله يطلب منه ألا يرتبط بشئ من أمور هذه الدنيا، لئلا يشغله ذلك عن ذكر ربه، وعليه أن يطلب اليه بلجاجة وبكاء ليغفر الله خطاياه " .

+ وقال شيخ : " كل من ذاق حلاوة المسكنة، فإنه يستثقل توبه الذي يلبسه وكوز الماء الذي يشرب به، لأن عقله قد أشتغل بالروحانيات، فإذا ما أرتبط الراهب بالدنيا وما فيها، وصنع هواه، فأن جميع تعبه يضيع سدى " .

+ وقال أنبا أبللوا : " لتكن عندكم هذه علامة عظيمة للنجاح متى أقتنيتم عدم الشهوة لشئ ما من أمور العالم، لان هذا هو فاتحة جميع مواهب الله " .

+ وقال ما سحق : " كل إنسان تدبيره ردئ ، حياة هذا العالم عنده شهية ويلي ذلك قليل المعرفة " .

+ وقال شيخ : " ينبغي ألا نرغب في نياح هذا العالم لئلا يقال لنا : قد أخذت خيراتم في حياتك " .

+ وقال أيضاً مار اسحق : " من يهرب من سبح العالم بمعرفة يكتنز في نفسه رجاء العالم العتيد .. والذي يفر من نياح الدنيا قد أدرك بعقله السعادة الأبدية ".

+ وقال القديس مقاريوس : " أن محبى المسيح الذين أرادوه قد تركوا نعيم الدنيا ولذاتها وصارت منزلة العالم عندهم كمزلة العويد الصغير فلم يتألموا على فقد شئ منه " .

+ حدث أن شيخاً مغبوطاً أخذ عامودا صغيراً وخيطا صغيراً وقال : "من ذا الذي يغتم على فقد هذه الأشياء الحقيرة ويحقد بسببها أن كان عاقلاً، لعمرى، أن من استبصر في قدر هذا العالم الزائل كله فلن يعتبره سوى اعتباره لهذه الأشياء الحقيرة، ومع هذا أقول أنه لن يضر الإنسان أن يكون له أشفاق على شئ ويأسف على فقده فقط، بل وعلى جسمه الذي هو أكرن من كل ما يمتلكه عنده، لأننا قد أمرنا أن نتهاون بأنفسنا وأجسادنا، فكم يجب علينا على أكثر لحالات أن نتهاون بما هو خارج عنا .

+ قال مار أفرام : " أن أعظم الناس قدرا من لا يبالى بالدنيا، في يد من كانت؟ " .

+ وقال أيضاً : " أزهد في الدنيا بحبك الله ، وأزهد فيما بين أيدي الناس بحبك الناس " .

+ قال أحد القديسين : " النفس تشتهي أن تخلص ، ألا أنها مشتبكة بالأشياء لباطلة، وعند أشتغالها بالأمور الدنياوية، يصعب عليها تعب الأخره، حتى أنها لا تقدر على أن تصلب على وجهها بغير طياشة، فصلاة كهذه ليست لها قوة فعالة، ولكنها قد صارت عادة " .

+ وقال شيخ : " كما ان عينى الخنزير تنظران إلى الأرض ولا يرفعهما، كذلك كل من أحبت نفسه اللذات العالمية، بصعوبة برفع عقله إلى الله، ويهتم بشئ مما رضيه " .

+ وقال أنبا مقاريوس : " إذا حسبت التحقير كالاكرام، واللوم كالمديح والفقر كالثراء فإنك لا تموت " .

+ سأل أخ شيخاً قائلاً : " لماذا إذا أنا مشيت في البرية أكون مرتعباً خائفاً؟ فقل له الشيخ : " ذلك لأنك لا زلت حيا في أمور الدنيا " .

+ وقال مار اسحق : " كن ميتاً بالحياة ، لا حيا بالموت " .

+ وقال أيضاً : " أبتعد عن العالم ، وحينئذ تحس بنتانته، لأنك أن لم تبتعد عنه، لن تحس برائحته الكريهة " .

+ سئل مرة : "ما هو العالم ؟ وكيف نعرفه؟ وما هو مقدار معزته لمحبته؟.

+ فأجاب : " أن العالم هو تلك الزانية التى بشهوة حسنها تجذب الناظرين إليها إلى حبها. والمقتضى بعشقه والمتثبت به، لا يقدر أن يتخلص منه حتى تفنى حياته ، فإذا ما عراه من كل شئ وأخرجه من منزله يوم موته، حينئذ يعرف الإنسان في ذلك اليوم أنه خداع وسراب مضل، حتى إذا ما جد الإنسان في الخروج من هذا العالم المظلم فإنه لن يستطيع الخلاص من حبائله ما دام هو منغمساً فيه " .

2- الراهب والقنية

متاع الدنيا – الخسران الجسداني – الأمر البشرية "

+ قال شيخ : " أن الله لا يشاء أن يكون الراهب الحريص المجاهد بالحقيقة مرتبطاً البتة بشيء من متاع هذه الدنيا ، حتي ولا ابرة صغيرة ، لئلا تفضل فكره عن ذكر ربنا يسوع المسيح / وتشغله عن الالجاج ( المثابرة ) في التوبة عن خطاياه ، كل انسان قد ذاق حلاوة المسكنة ، يستثقل الثوب الذي يلبسه ، والكوز الذي يشرب فيه الماء ، لأن عقله قد اشتغل باشياء اخري روحانية ، الذي يبغض بعد متاع الدنيا ، كيف يقدر ان يبغض نفسه / كما قال السيد ؟ "

+ وقال آخر : " علامة طرح العالم هي عدم اضطراب الانسان بشيء اموره ، وقد يوجد انسان يتهاون بمال كثير ، وكن بسبب ابرة ولمحبته لها ينزعج بما لا يزعجه ضياع جملة اموال كثيرة ، وتقول له تلك الابرة مقام وثن فيتعبد لها بأكثر مما يتعبد للاسكيم الكبير ، فمن هذه صورته ، ليس عبدا لله ، وانعم بما قاله احد الفلاسفة : " إذا كان عدد مواليك كعدد اسقام نفسك ، فكفي بذلك شقاء لها وبؤسا " . وقد قال بطرس الرسول : " فما انقهر له الانسان فله يكون عبدا " وقال أيضا : " أن النفس تريد الخلاص لكن لمحبتها الأشياء الباطلة وانشغالها بها ، تهرب من الاتعاب ، أما الوصايا الحقيقية فأنها تحفظها متثاقلة بخلاف السيئات التي هي رديئة وخبيثة " .

+ وقال ايضاً : " أن قائلاً قال لى : يا معلم، أن الوصايا التى أمرنا بها كثقير، وربما يظلم عقلى، فلا أدرى أيها أحفظ؟ . فقلت له: لا يزعجك هذا ، لكن أعلم أنك متى كان لك عدم تأسف على الأشياء، فقد سهل عليك أحكام الفضيلة، فلا تعتن بالأمور البشرية، لتعتق من العالم " .

+ قال مار أفرام : " أن تعاونت بالأشياء البالية، تنال الأشياء التى لا تبلى،ليكن عقلنا إلى فوق، لأننا بعد مدة يسيرة نتصرف من ههنا، فالأشياء التى جمعناها ، لمن تكون ؟ " .

+ قال أنبا أوعريس : " الذي ليست له محبة للقنية له حياة بلا أهتمام ، أما المحب القنية ، فله منغص في قلبه ، الذى هو الاهتمام " .

+ سأل أخ شيخاً قائلاً : " قل لى شيئاً أحفظه ؟ " فقال له : " أحفظ التعبير والسب ، وأصبر على التحقير والضعف الجسداني " .

+ قال القديس ابيفانيوس عند خروج نفسه :

" لا تحبوا متاع الدنيا فتستريحوا وتفرحوا في الأخرة، تحفظوا من لذات العالم ، فلا يقوم عليك وجع الشيطان ".

+ وقال أحد الشيوخ لتلاميذه عند خروج نفسه :

" لا تشتهوا متاع الدنيا، فتزدادوا متعاً كثيراً " .

+ وقال أنبا أغاثون :

" أن الإنسان الذي يأسف على فقدان شئ منه فهو ليس بكامل بعد ، فإن كنا قد أمرنا ان نرفض أنفسنا وأجسادنا فكم بالحرى المقتنيات " .

" أن الشياطين تحترق، وترتاع عندما ترى إنساناً قد شتم أو أهين أو خسر شيئاً ولم يغتم بل أحتمل بصبر وجلد ، أو إذا رأوه غير متلفت إلى الأشياء ، ولا آسف عليها إذا فقدت، لأنها تعتقد وتعلم بأنت يمشى على الأرض بغير هوى أرضى وأنه قد سلك في طريق الله " .

+ قيل أن أنبا مقاريوس الاسكندري كانم متغيباً عن قلايته فدخلها لص. ولما عاد الأب، وجد اللص يضع كل محتوياتها على جمل، فدخل الأب القلاية وحمل أشياء أخرى وسلمها للص. ولما أراد اللص أن يقيم الجمل رفض الحيوان أن يتحرك. وهنا دخل أبا مقاريوس القلاية وحمل قفة كانت متروكة ووضعها على الجمل وقال للص أن الحيوان يرفض أن يقوم حتى يحمل هذه أيضاً . وصاح القديس بالجمل، فنهض، ولكنه بعد أن سار مسافة قصيرة، برك ورفض أن ينهض حتى أنزل ما عليه .

+ أتى شيخ إلى قلايته ، فوجد لصا يسرقها ، فقال له : " أسرع قبل أن يأتي الأخوة فيمنعونا من تكميل الوصية " .

+ سأل أخ أنبا تادرس قائلاً : " أنى أريد أن أتمم الوصايا " ، فقال له الشيخ: "حدث أن كان الباب ثاوفيلس البطريرك في البرية، فقال: أني أريد أن أكمل فكري مع الله. فأخذ دقيقاً وصنعه خبزاً، فأتاه مساكين يطلبون شيئاً، فأعطاهم الخبز، ثم طلب منه آخرون، فأعطاهم الزنابيل، وطلب منه غيرهم، فأعطاهم الثوب الذي كان يلبسه، ودخل القلاية ملفوفاً في وزرة (خرقة) ومع كل ذلك، فإنه كان يلوم ذاته قائلاً : " أنى ما أتممت وصية الله " .

+ قال أنبا زوسيما :

" أنى بينما كنت في الدير بمدينة صور ، جاءنا رجل شيخ فاضل، وبينما كما نقرأ فصولاً مما قاله الشيوخ، لأن الطوباوي كان يحب قراءتها دائماً، ولذلك استثمر منها الفضيلة، واتفق أننا وصلنا في قراءتنا إلى خبر ذلك الشيخ، الذي طرق بابه اللصوص وقالوا له : " إننا جئنا لنأخذ جميع ما في قلايتك " فقال لهم: "خذوا ما شئتم أيها الأبناء" فلما أخذوا جميع ما وجدوه ، مضوا بعد أن نسوا مخلاة، فأخذها الشيخ وجرى وراءهم صارخاً قائلاً : " أيها البنون ، خذوا منى ما قد نسيتموه في القلاية " فتعجبوا من سذاجة الشيخ ، وأعادوا إليه سائر ما أخذوه، وندموا قائلين بعضهم لبعض: "بالحقيقة أن هذا الإنسان رجل الله" ، ففي قراءتنا هذا الفصل، قال لى الشيخ : "هل علمت يا أبانا أن هذا الفصل قد نفعنى منفعة كبيرة؟ " فقلت له : " وكيف نفعك أيها الأب ؟" فقال لى : " لما كنت في نواحى الأردن، قرأته، وعجبت من الشيخ، وقلت في نفسى: يارب أهلنى لأن أسلك في سبيله، يا من أهلتنى لأن ألبس زيه. ولما كان هذا بشوق منى، فقد حدث بعد يومين، أن جائني لصوص، فلما قرعوا الباب، وعلمت بأنهم لصوص، قلت في نفس: المجد للرب، ها قد جاءني الوقت لأزهر ثمرة شوقي. ففتحت لهم واستقبلتهم ببشاشة وأوقدت السراج، وبدأت أريهم ما في القلاية قائلاً لهم : لا تقلقوا ثقتي بالله، أني سوف لا أخفى عنكم شيئاً . فقالوا لى : ألك ذهب ؟ قلت : نعم ، لدى 3 دنانير، وفتحت القفة قدامهم فأخذوا وانصرفوا بسلام " .

أما أنا فقد تباحثت مع الشيخ وقلت له : " ألم يعودوا كأولئك الذين طرقوا باب ذلك الشيخ ؟ " فقال لى بسرعة : " لا يغفل الله عن ذلك، لأني ولا هذا أشتهيت. أعنى رجوعهم" وقال : "ها شوق الشيخ، فماذا منحه وماذا أعطاه؟ أنه ليس فقط لم يحزن، ولكنه يفرح بالحرى، كمن استحق هذه الموهبة، وقال مرات كثيرة: "أننا في مسيس الحاجة إلى استيقاظ مثير، وعقل غزير ، تقابل به فنون الشيطان، لأنه يسبب لنا الإنزعاج من لا شئ، ومرات يسبب حجة واجبة، كمن قد حرد موضعه، فهذا الأمر غريب جداً، واجابنى عن المشتاقين إلى سلوك طريق الله، حسبما يقول القديس مقاريوس: "الجرد غريب عن طبقة الرهبان، كما أن الحزن أيضاً غريب عن طريقة الرهبان" .

+ وقال : " أنني في وقت ما، استحسنت كتاباً عند أحد النساك المهرة (في النسخ)، وبعد أن فرغ من نسخه، أرسل يقول لى : " ها قد فرغت من نسخة، متى تشاء أن أرسله لتأخذه؟ " فلما سمع أحد الأخوة ذلك، مضى باسمى إلى الناسخ، ودفع له دنانير عن نسخة واخذه، ولم أمن أنا عارفاً بذلك ، فأرسلت أخا من أخوتى ومعه دنانير، وكتبت إلى الناسخ ليسلمع الكتاب، فلما تحقق الناسخ أنه قد لعب به وخدعه، ذلك الذي سبق فأخذه، أنزعج لذلك، وقال: "ها أنا ماضي إليه لأوبخه أولاً، لأنه فرر بى، وأخذ ما ليس له " .

فلما سمعت بذلك أرسلت إليه أقول له : " أنت تعلم يا أخى أننا نقتني الكتب لكى نتعلم المسكنة، والمحبة، والوداعة، فإذا كانت فاتحة اقتناء الكتب بحرد وخصومة، فلا أريد أقتناءه، ولن أحارب أحداً، أو أخاصمه بسبب ذلك، لأن الخصومة والمنازعة لا تليق بعبيد الله، وها أنا قد طرحت عنى أمر هذا الكتاب، فلا تقلق الأخ بسببه بالكلية " .

ولما تذكرت حال الشيخ الذي كان الأخ جاره يسرق ما يجده له ، وانه علم ذلك ولم يوبخه، بل صار يعمل أمثر مما سبق وعمل قائلاً :" ربما يكون الأخ محتاجاً" ، تعجبت من تحنن القديسين، وتذكرت الشيخ الذي سرقت آبنته، ولما وجدها في قلاية الأخ، أحتشم واختفى إلى أن خباها الأخ وسترها. ولما ضبط الأخ من الوالى، مضى الشيخ ولاطف الوالى، حتى أخرجه من الحبس.

+ وقيل عن هذا الشيخ أيضاً : أنه مضى وقتا ما إلى السوق ليبتاع له توباً، فدفع ثمنه دينارا واحداً، وأخه ووضعه تحته ، إلى أن يتمم عدد الدراهم الباقية من ثمنه، ثم بعد السداد يلبسه، فعبر به من أراد أخذ الثوب، وأحس الشيخ بذلك ، فتحنن على آخذه، وتنحى في جلسته قليلاً عن الثوب الذي تحته، حتى أخذ الثوب ومضى دون أن يوبخه الشيخ على ذلك .

+ وقال الطوباوي : " كم كانت تضحيته بالأوعية التى تضيع بالثوب ولكن مروءته كانت عظيمة، لأنه أظهر بما فعله، أنها في حال كونها له، كانت كأنها ليست له، وكذلك لما أخذت منه، بقى غير مغموم عليها، ولم ينزعج لضياعها. لذلك أقول: " ليس أمتلاكما الشئ مؤديا، ولكن ميلنا وانصبابنا إلى أمتلاكه، هو المؤذى.. فمثل هذا لو كان له كل العالم لكان حاله كحال من لم يمتلكه، لأنه أزهر بتصرفه، أنه معتوق من كل الأشياء " .

+ وقال : " أن الشياطين متى أبصروا أنساناً غير ماثل، ولا منصب إلى الأمور ، فلا يحزن لفقدها ، حينئذ يعلمون أن هذا الإنسان يمشى على الأرض وليس له هو أرضى، وذلك يرجع إلى الميول والحركات الخاصة بالنيات والإرادات لأنه يمكن لإرادة وحركة صادرة عن نية واحدة إذا كانت شديدة الحرارة، أن تقدم لله ساعة واحدة، ما لا تقدمه حركة نية أخرى غي خمسين سنة".

+ وقيل أيضاً : أن إنساناً تاجراً ، خبيراً بالفصوص والخرز، عارفاً بجوهر الؤلؤء، ركب في سفينة مع غلمانه، وكانت معه جواهر وأشياء أخرى غالية وصثمينة، وكان في السفينة عدة نواتية .

وكان بين النواتية صبى حسن ، هادئ الحركة ، هذا شكاً لذلك التأجر بأنه يبغض صناعة البحر، كما يبغض معاشرة رفقته، لما هم عليه من العادات والطباع الذميمة.

ثم قال له التاجر : " لا يضيق عليك الأمر، فإذا سهلت طريقنا بمعونة الرب، وصعدنا من هذه السفينة، أخذتك معى، واعتنيت بمصالحك" فطاب قلب الصبى بالكلام " .

وحدث في بعض الأيام أن تشاور النواتية فيما بينهم على أن يقذفوا بالتاجر وبغلمانه إلى البحر، من أجل ما معه من المال، فلما أعلموا ذلك الصبى الذي كان صديقاً لذلك التاجر، أسرع وأخبره بما تشاوروا عليه، فقال له التاجر "هل أنت متحقق من ذلك ؟ " قال له : " نعم " .

حينئذ قام الجواهرى بسرعة، واستدعى غلمانه وقال لهم : كل ما أمركم به أفعلوه بسرعة ، لأنه أن تهاونتم فسوف أموت أنا وسوف تموتون أنتم أيضاً . ثم بسط أزارا في وسط المركب، وقال لهم : هاتوا ربوات الجواهر كلها . فقدموها إليه، ففتحها وأفرغها قدام كل من في المركب، وبدأ يقول : " هذا عدوى، وأنا أشفق عليه، هذا قاتلى، وأنا أحبه هذا مبعدى من الحياتين فما أنتفاعى به، أحملوا معى" فحملوه معه، وبسرعة طرح جميع الجواهر البحر، فلما رأى الملاحون ذلك تحيروا في أمرهم، وانحلت مشورتهم، ثم أصبح يتصدق منهم الخبز، فالملاحون لما أبصروه على تلك الحال رحموه وبدأ هو يقول : "أشكرك يا رب، لأنك أنهضتنى لخلاص نفسى وجسدى اليوم زالت عنى قسوى القلب، وربحت تلك النفوس الهالكة، أولئك الذين بهمى قلوبهم تشاوروا، وبسببى طلبوا أن يسكنوا الجحيم المخلد " .

3- الراهب والصدقة

+ قال الأب زينون :

" أن الراهب الذي يأخذ صدقة، سوف يعطى حسايا عنها" .

+ وقال شيخ :

" المرائي بالمسكنة ويخدع بها الرحومين، ليأخذ منهم شيئاً في خفية هو خاطف ظالم، لأنه أخذ بالرياء بغير وجه حق، وما كان وقفا على المساكن أخذه هو"..

+ قال أنبا أفراطس "

" أن شاء أن أحيا فهو يعلم كيف يسوس أمرى، وأن لم يشأ فما لى وللحياة". وكان يأبى أن يأخذ من أحد شيئاً، وإذ مات مقعداً ملقى على فراشه كان يقول:
"أن أخذت من أحد شيئاً ، فليس لى ما اكافئه به" .

+ قيل : حدث يوما أن جاء إلى الاسقيط إنسان غنى عاد من غربة وأعطى لكل راهب ديناراً صدقة، كما أرسل بركة لبعض الملازمين قلاليهم، فرأى أحدهم في تلك الليلة حقلاً مملوء أشواكا وانسانا يقول له : " أخرج ونظف حقل من أعطاك الأجرة " فلما قام باكراً ، أرسل الدينار لصاحبه قائلاً له : "خذ دينارك، لأنه ليست لى قوة على اقتلاع أشواك غيرى. باليتنى أستطيع اقتلاع شواك حقلى فحسب " .

4- الراهب واحياة البساطة

+ قال شيخ :-

أنى لما كنت في البريى الداخلية، كان بالقرب منى شاب راهب مهتم لخلاص نفسه، فرأيته مصلياً مسالما للوحوش، يأنس إليها كما تأنس هي إليه، وبعد الصلاة كانت هناك ضبعة ترضع صغارها ، فتقدم ذلك الراهب لشاب وطرح نفسه وابتداأ يرتضع مع صغارها .

ومرة أخرى رأيته مصلياً وهو يسأل الله أن يؤهله ويعطيه نعمه أن يصالح نار ولا تضره. ثم أضرم ناراً عظيمة وسجد في وسطها على ركبتيه، وكان المصلى الله فيها .
 
قديم 12 - 06 - 2014, 09:21 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
Ramez5 Male
❈ Administrators ❈

الصورة الرمزية Ramez5

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 52
الـــــدولـــــــــــة : Cairo - Egypt
المشاركـــــــات : 45,657

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Ramez5 متواجد حالياً

افتراضي رد: بستان الرهبان

الطاعة

+ قال الأب ايرايس :

" أن الطاعة فخر الراهب، فمن اقتناها يسمع الله صوته، ويقف أمام المصلوب رب المجد بدالة، لأن إلهنا من أجل طاعته لأبيه صلب عنا " .

+ وقالت القديسة سفرنيكي :

" إذا كما في الكنونيون فأننا نختار الطاعة على النسك لأن ذلك يعلم التعاظم، وتلك تعلم التواضع، فيجب علينا ألا نطلب ما يصلح شأننا ولا نتعبد بشيئاتنا الخاصة، بل علينا أن نطيع ما يامرنا به ذلك الذي بالأمانة نستودعه سراً"

+ وقال القديس برصنوفيوس :

" الذين يريدون أن يسلكوا طريقا ما ، أن لم يسيروا مع من يريهم الطريق مع بدايتها إلى نهايتها، لن يستطيعوا الوصول إلى المدينة، فأن لم يترك التلميذ رغباته خلفه ، ويخضع في كل شئ ويتضع، لن يبلغ مدينة السلام. أما الذي لا يفعل رغباته ولا يلاجج بكلمة فأنه يستريح "

+ وقال القديس أنطونيوس :

" الطاعة والمسكنة يخضعان الوحوش لنا " .

(أ) طاعة الله

+ قال القديس باسيليوس :

" درب جسدك على طلعة نفسك، ودرب نفسك على طاعة الله " .

+ وقال أنبا أنطونيوس :

" أن حدثك أخ بأفكار فأحذر أن تظهرها لأحد، بل صل عنه وعنك كى تخلصا معا . أن أمرت بشئ يوافق مشيئة الله فاحفظه وأن أمرت بما يخالف الوصايا فقل أن الطاعة لله أولى من الطاعة للناس. واذكر قول الرب: أن خرافى تعرف صوتى وتتبعنى وما تتبع الغريب " .

+ وقال أخ لشيخ : " لست قادراً على إتمام الطاعة الكاملة " ، فقال له : "أعمل بقدر قوتك ، وأنا أؤمن أن الله يحسبك مع من يكمل الطاعة، وقد قال :
" لا تختنق إذا سقطت ، بل أنهض وتب " ، فقد قال سليمات الحكيم : أن الصديق إذا سقط سبع مرات في اليوم فهو يقوم " .

(ب) طاعة المرشد الروحي

+ قال راهب :

" أن الذي يجلس في طاعة أب روحاني لهو أكثر جراءة وأقل خطراً من ذاك الذي يجلس منفرداً في الوحدة والسكون " .

+ قال القديس انطونيوس :

" لا تكن قليل السمع لئلا تكون وعاء لجميع الشرور فضع في قلبك أن تسمع لأبيك فتحل بركة الله عليك " .

+ وقال القديس باخوميوس :

" أسمع يا ولدى وكن أديبا وأقبل التعليم . أحب الذي يؤديك بخوف الله كن مطيعا مثل اسحق الذي يسمع لأبيه ويطيعه كخروف ساذج القلب " .

+ أخبر أب أنه أبصر أربع مراتب مرتفعة في السماء :

الأولى : مريض صابر شاكر لله .

الثانية : صحيح يضيف الغرباء وينيح الضعفاء .

الثالثة : منفرد في البرية مجتهد .

الرابعة : تلميذ ملازم لطاعة أبيه من أجل الله ، ووجد أن مرتبة التلميذ اسمى من المراتب من المراتب الثلاثة الأخرى، وزعم أنه سأل الذي أراه ذلك قائلاً: " كيف صار هذا هكذا وهو أصغرهم فأصبح أكبرهم مرتبة؟" فقال :"أن مل واحد منهم يعمل الخير بهواه وأما هذا فقد قطع هواه لله، وأطاع معلمه، والطاعة لأجل الله أفضل الفضائل .

+ وقال أنبا دانيال :

استدعانى مرة أنبا أرسانيوس وقال لى : " كن في صلح مع أبيك حتى عندما يذهب إلى سيدنا يشفع أمامه فيك ويكون لك خير " .

+ " من كان بلا مدبر لا تكون له سلامة " الدرجى

+ قال القديس أنطونيوس :

ينبغى للراهب الشاب أن يستشير الشيوخ قبل كل خطوة يخطوها في قلايته وقبل كل نقطة ماء يشربها .. لأني رأيت رهبانا كثيرين بعد أن تعبوا كثيراً – وقعوا في دهشة عقل لأنهم توكلوا على معرفتهم فقط. إذ لم يصفوا إلى الوصية القائلة . " أسأل أباك فيخبرك ومشايخك فيقولوا لك " .

+ لا تقم بعمل من الأعمال الا بعد استشارة أب الدير .

+ لا تتحدث بجميع أفكارك لجميع الناس ألا للذين لهم قوة على خلاص نفسك لئلا تكون عشرة .

+ قال شيخ :

" حدث أن انسانا شريفاً فرق جميع ماله وأطلق عبيده وزهد في الدنيا، ألا أنه صار متوكلاً على نفسه وحده، مرشداً لذاته، ولم يرد أن يكون تابعاً لغيره، متعلماً ممن هم أقدم منه، فوقع في نجاسات شنيعة وكاد يهلك، لولا أن مراحم الله أسرعت إليه بالتوبة فتعلم – بالخبرة – أن التواضع أفضل وأعظم من كل الأعمال والفضائل" .

بركة الطاعة للمرشد الروحي

كان رجل علمانى معه أبن فطيم ، فذهب إلى الأسقيط وطالت مدته، فلما كبر الصبى ونشأ رهبنه، وحدث بعد رهبنته بقليل أن بدأ الشياطين يحركون فيه الشهوة الرديئة ، فقال لأبيه : " أنى ماض من هنا إلى العالم ، لأني لست قادرا على أن أصبر على هذا القتال الصعب" ، أما أبوه فكان يهديه ويطلب إليه ألا يمضي ، ولكن الشاب كان يعود إليه ويقول : " يا أبي، لست قادراً على أن أقيم ههنا ، أتركني أمضى" ، فقال له أبوه : " أطعنى يا ابنى هذه المرة فقط ، خذ معك ثمانين خبزة، وخذ كذلك من الخوص ما يكفي لعملك مدة 40 يوماً ، وأمضى إلى البرية الداخلية، وأقم هناك إلى أن تفرغ من خبزك وعملك وبعد ذلك لتكن مشيئة الله " . فأطاعه الحدث، ودخل إلى البرية الداخلية، وأقام بها يتعب ويضفر الخوص ويأكل خبزا يابساً ، فلما أتم 20 يوما ظهر له الشيطان الذي كان يقاتله في صورة شعة منتنة الرائحة، قذرة جداً لدرجة أنه لم يستطع أن يطيق رائحة نتنها. فبدأ الشاب يطردها، فقالت : " لم تطردني الآم ؟ ألست أنا التى كنت أنت تشتهينى؟ ألست أنا التى أزرع في قلوب الناس الأفكار، وأملأهم شهوة، وأسقطهم في الزنى؟ أما أنت فمن أجل أنك أطعت أباك ، فأن الله لم يتركنى أخذعك وأسقطك في الهلاك، ولكنه نظر إلى خضوعك وأظهر لك رائحة نتنى بغير هواى " .

فشكر الشاب الله ، وقام من ساعته وعاد إلى أبيه ، وقال له: " ليست أريد أن أمضى إلى العالم بعد يا أبى، لأنى قد رأيت العدو وتاففت من رائحته" ، وكان أبوه قد أعلن له ذلك، فقال له : " لو أنك صبرت يا بنى لكمال 40 يوماً، وحفظت تمام وصيتى، لكنت رأيت أكثر من ذلك " .

+ أعترف من أجل سلامتك ، واقطع أهوية قلبك ،

فالمعترف في الأكثر يستريح من القتال ،

وبغير أعتراف وطاعة لا يخلص الخطاة .. " الدرجى

+ قال شيخ :

" لا تكتم أفكارك الشريرة وخطاياك القديمة، فأن وجد الشيطان فيك هوى واحدا مكتوما، ففيه يطرحك، لأن الشيطان ليست له قوة أن يجر أنساناً إلى فعل الخطية ، ولكنه إذا أبصر هواه مائلاً إلى شئ من الخطية ، ففيه يطرحه ، فأن رآه متحفظاً يستشير في أموره كلها ، ويطع لما يشار به عليه، فلا يقوى عليه في شئ بالجملة " وكان يقول : " لست أعرف للراهب سقطة إلا إذا صنع رغابته، فإذا نظرت راهبا قد سقط، فاعلم أنه وقع بهواه، لأنه فعل برأي نفسه " .

قال بعض الأخوة لشيخ من الرهبان :

" يا أبى، أنى أطلب إلى الشيوخ فيكلموننى فيما هو لخلا نفسى، ولكنى لست عاملاً بشئ مما يقولون لى فما الذي أنتفع به من هذا الأمر، وأنا مملئ من الشرور" . وكان عند الشيخ كوزان فارغان، فقال له الشيخ : " أحضر أحد هذين الكوزين وصب فيه ماء وخضخضه " فجعله الشيخ يغسل الكوز مرات كثيرة ثم قال له : " ضعه عند الكوز الآخر " ، ففعل ، وبعد ساعة قال له : " أحضر الكوزين معا، وانظر أي الكوزين أنقى" فقال له الأخ : "الذي صببنا فيه الماء النقي" ، قال له الشيخ : " كذلك تكون نفس من يسأل الشيوخ ولا يعمل بما يقولونه أنقى من نفس من لا يسأل ولا يعمل معاً " .

+ " أختبر مرشدك أولا بحكمة وتجربة لئلا تقع عند مريض بدل الطبيب"

الدرجى

+ قال أنبا قسيانوس :

" أن أنبا موسى أوصانا بألا نكتم أفكارنا بل نكشفها لمشايخ روحانيين لهم معرفة وتمييز، وليس لمن طال عمره ، وشاب شعره، لأن كثيرين قصدوا أهل كبر السن وكشفوا لهم عن أفكارهم ، وحيث أنه لم يكن عندهم معرفة فعوض العلاج طرحوهم في اليأس ، وهذا ما حدث لأخ من البارزين في الجهاد إذ أنه لا تأذى بالزنى نتيجة كثرة القتال الواقع عليه، ذهب إلى أحد الشيوخ، وكشف له أفكاره، وكأن الشيخ عادما، فضجر منه وقال : " أيها النقي إذ قد تدنست حواسك بهذه الأفكار فعلى أي شئ تتكل ؟ " فلما سمع الأخ قوله ، حزن جداً ويئس من خلاصه، وترك قلايته ، ومضى قاصداً العالم، ولكن حدث بتدبير من الله أن التقي به شيخ آخر، فلما رآه عابسا مضطربا سأله عن حالة قائلاً : " ماذا بك يا ولدى؟" فقال له الآخ : "يا أبى أنى تأذيت بأفكار الزنى ، فمضيت إلى الشيخ فلان، وكشفت له أمري: فبحسب جوابه ليس لى رجاء في الخلاص " .

فلما سمع الشيخ قوله، أخذ يسكن من روعه ويشجعه وابتدأ يعيد إلى نفسه الرجاء في التوبة. قائلا: " لا يغمك هذا الكلا . ولا تيأس نفسك من الخلاص، فها أنا بالرغم مما بلغته من هذا السن وهذه الشيبة، كثيرا ما أتأذى بهذه الأفكار، فلا تحزن من هذا الأشتغال الذي لا يبلغ جهادنا فيه مقدار ما يأتينا رحمة الله ومعونته، لكن هب لى يومك هذا وأرجع إلى فلايتك" ، فأطاع الأخ ورجع إلى قلايته، أما الشيخ الذي رده إلى قلايته، فأتى إلى قلاية ذلك الشيخ الذي قاده إلى اليأس ووقف خارجها وسأل الله بدموع كثيرة قائلاً : " أما أطلب إليك يا ربى وإلهى أن تصرف هذا القتال عن هذا الأخ ، وتسلطه على هذا الشيخ الذي قاده إلى اليأس، وذلك ليجرب في شيخوخته ويتعلم في كبر سنه ما لم يتعلمه في طول زمانه، ليشعر بأوجاع المجاهدين المقاتلين فيتوجع لوجعهم، وبذلك يحصل على منفعة نفسه".

فلما أتم الشيخ صلاته، نظر فإذا بجيش واقف قرب قلاية الشيخ وهو يصوب نحوه سهاما ويجرحه، وإذا بالشيخ يقوم لساعته سكرانا، وخرج من قلايته، واندفع يجول من هنا إلى هناك، ولم يحتمل الوقوف على قدميه، ولا أستطاع العودة إلى قلايته، فسلك الطريق التى سلكها الشاب الذي قطع منه رجاء التوبة مريداً أن يعود إلى العالم، فلما علم الشيخ المختبر بما عزم عليه الشيخ الآخر استقبله وقال له :

" إلى أين أنت ذاهب أيها الأب ، وما سبب هذا الأضطراب الذي اضطرك للخروج من قلايتك ؟ " ، أما هو فتوهم أن الشيخ قد عرف بحاله، ومن الخجل لم يرد عليه جواباً ، فقال له ذاك : " أرجع إلى قلايتك ، ومن الآن كن عارفاً لضعفك، وأعلم بأن إلى هذه الغاية لم تجرب بعد، أما لأن الشيطان كان غافلاً عنك، أو لاستهانته بك، لم يتجرد لقتالك، ولذلك نجوت ، وها قد ظهر الأن أنك غير أهل لأن تعد من المجاهدين، لأنك لم تقدر أن تصارع يوماً واحداً فما أصابك اليوم كان نتيجة لتصرفك مع ذلك الشاب الذي أتاك، وقد أذاه عدونا كلنا، فبدلاً من أن تعينه تشجعه، القيته في اليأس ، ولم تفكر فيما قاله الكتاب : : خلصوا المسوقين إلى الموت ، شجعوا صغيرى الأنفس " .

ولم تذكر أنه مكتوب عن سيدك : " قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ " ، فمن اليوم واظل على الصلاة والدعاء، ليصرف الله عنك هذه الضربة التى أصابتك، لأنه قال : " أنا أضرب وأنا أشفي. وأنا أميت، وأنا أحيي" ، وهو الذي يحذر إلى الجحيم ويصعد. ولما قال القديس هذا، صلى إلى الله فانصرف عن ذلك الشيخ ما كان قد نزل به من القتال، ووعظه قائلاً : "يجب أن تسأل الله في كل وقت أن يعطيك لسان أدب لتعرف ماذا ينبغى أن تقوله في وقته".

" من بعد دخولك في طاعة أبيك

لا تفتشه ولا تدينه ولا تستبدله

بل ليكن لك فيه أمانة " الدرجى

+ قال أخ :

" قلت لتلميذ أنبا بفنوتيوس تلميذ الأب مقاريوس الكبير : " قل لى يا أبي كلمة أحياها " فقال لى : أحفظ القناة التى تجرى إلى مزرعتك" ، فقلت له : كيف أحفظها ؟ " قال : " إذا لم تسكن مع فلاح فمن أبن لك أن تعرف ما تشتمل عليه الفلاحة من حرث وبذر وحفظ وسقى وحصاد وغيره ؟ " .

قلت أيضاً : " وما معنى هذا ؟ " قال : " إذا لم تسكن مع شيخ مجرب كي يعلمك الرهبنة ، فمن أين تتعلمها ؟ فلو انتقلت من مكان إلى مكان ، أو أنفردت وحدك ، أو صرت أبا قبل أن تستأهل لذلك من قبل الله ، فانك تقيم كل زمانك وأنت لا تعرف كيف تحصد ثمر الفضيلة، بل تضيع الزرع الذي هو تعليم طريق الله ، فيجب عليك أن تسكن مع شيخ حتى تنال منه البركة الأخيرة، مثل اليشع الذي ثبت مع إيليا حتى رفع إلى السماء ، فلما باركه تضاعفت عليه روحه.

ومثل تلميذي الأنبا انطونيوس اللذين سكنا مع الشيخ حتى طرح الجسد ، وباركهما البركة الأخيرة فحل عليهما روح الله وصارا راعيين صالحين .

ومثل يوحنا الذي سكن مع " أنبا بموا " أبيه حتى فارق جسده ، فسلمه للشيوخ قائلاً : " هذا ملاك وليس بانسان " .

وكمثل يوحنا تلميذ " أنبا بلا " الذي أطاع أباه فأحضر الضبعة مربوطة.

ومثل تلميذ آخر لشيخ كان يمشى مع متوحد حتى وصلا إلى شاطئ نهر فيه تماسيح، فعبر التلميذ المطيع بينها ، وما أستطاع المتوحد العبور ، حتى أن الشيوخ في ذلك الوقت قالوا : " أن التلميذ بطاعته صار أعلى من المتوحد " .

ومثل تلميذ آخر كات طائما لمقاريوس، هذا كان قد أرسله أبوه إلى مصر فلما وقع في تجربة، صرخ بصوت عظيم قائلاً : " يا إله أبي خاصني" ، فمن ساعته وجد نفسه يمشى في طريق الاسقيط .

وقد كتب : " أبذر وقت الصباح، ولا تبطل زرعك إلى وقت المساء " ومعناه: " الصلاح الذي بدأت به داوم عليه إلى وقت وفاتك " .

وانظر إلى الذين تركوا آباءهم ماذا أصابهم ، فعيسو لما ترك والده واختلط بالأمم المبذولة رذله الله، وجيحزى لما لم يطع اليشع أصابه البرص، والتلاميذ .

فها أنا قد أخبرتك بطريق الحياة والموت، فأن دخلت من الباب الضيق الذي هو طاعتك لأبيك أوصلك ذلك إلى الحياة الأبدية، وأن مشيت في الطريق الواسع الذي هو أهوية قلبك أدى بك إلى الهلاك " .

فقلت له : " يا أبتاه ، اقد أتى بعض الأخوة إلى أبي، ولست قادراً على السكنى معهم" . فقال لى : " لو كان فيك اتضاع ، لاستقطعت السكنى مع الوحوش فكم بالحرى مع الأخوة؟ واسمع قول داود النبي : " هوذا ما أحسن وما أحلى أن يسكن الأخوة معاً " .

فقلت له : " أنى اشاء أن أصير شهيداً" . فقال لى : " أن خالفت أباك فسوف تتعب ولن تصير شهيداً " . فقد حدث شيخاً قال لتلميذه في زمن الأضطهاد : " يا أبني ، أن كان لك أشتياق أن تصير شهيداً فأذهب" ، أما الأخ فبالرغم من اشتياقه إلى ذلك ، إلا أنه لم يطع رغبته ، ولم يمض ، بل قال : " لو صرت فوق رتبه الشهداء ، فبركتك لى كل يوم هي أفضل يا أبي " ، فلما رأى الله إيمانه في أبيه خاطبه بالصوت قائلاً : " لأنك أطلعت أباك ، ها أنا أعطيك أكليل الشهداء جاعلاً رتبتك في مصاف جماعة القديسين" أما الذين تركوا آباءهم في الرب قائلين: "أننا نتوحد ونصوم ونهرب من الناس" فانخدعوا بذلك الشيطان ولم يصنعوا لا وحدة ولا صوماً ولا هروباً من الناس، بل تنقلوا بين الإديرة والمدن والقرى، وزخرفوا ملابسهم، وفرح بهم الشيطان وهزأ بهم لأنهم قبلوا خداعه " .

فقلت له : " لقد ربحت منك كثيراً يا أبي وأريد أن أسكن معك بقية حياتي" فقال لى : " أحى أبوك بعد ؟ " قلت : " نعم " ، فقال لى : " هذا عدم أدب ، لأن من كان لا أب له فأني أقبله ، أما أنت فلا ، لئلا تصبح وقد أفسدت بنوتك وأكون أنا قد بلبلت قانون الرهبنة، فآباؤنا قد كانوا يحفظون ضمير بعضهم بعضاً ، وبغير طاعة لم ينجح أحد " .

فقلت له : " يا أبي ماذا أصنع حتى أكمل الطاعة ؟ ، قال : " أسمع، سمعت أنا عن رجعلين، أعطى لكل منهما سبعة فدادين قمح ليحصدها في يوم واحد، فلما نظر أحدهما الفدادين قال :

" من من الناس يقدر أن يحصد هذه كلها في يوم واحد ؟ " .

وإذ قال ذلك مضى ولم يحصد شيئاً، أما الآخر فقال : "على أن أعمل بقدر قوتى، ولا أوقف الحصاد" . فمن من الأثنين أرضى سيده ؟ " ؟

فقلت : " الذي عمل بكل قوته طبعاً " .

قال لى : " أذن أمضى أنت وأعمل بكل قوتك ، وأنا أؤمن أنك تحسب مع الذين أكملوا الطاعة في الملكوت " .

ثم قال : " أن الحروف الثابت في الخطيرة محروس، اما الذي يترك حظيرته ويذهب إلى قطيع آخر فإنه يبقى وحشيا، ولن يسلم من ذئب أو لص، وهكذا الراهب الذي يترك ديره، إذ يشبه أيضاً حماراً، وكل من يجده يركبه ، حتى إذا عقر لن يوجد له صاحب ثابت يعتنى به فيهلك من الجوع والتعب والجراح. هكذا تكون حال الراهب إذا ترك ديره وأباه وأخوته، وسكن عند آخرين، فانهم يرسلونه إلى هنا وهناك حتى يسقط في الزنى ويهلك ولا يجد من ينهضه فمن ذا الذي يترك العناية بأولاده ويهتم بأولاد غيره ؟ " .

ثم قال : " أن أبي قال لى : أن المفترقين يتعبدون كل واحد حسب هواه وارادته، وأما الذي يطيع أباه من أجل المسيح فهو أفضل، إذ يقطع مشيئته لله.

فقلت له يا أبي ، أن النجاسات التى يبذرها الشيطان في ، سواء أكملتها أم لم أكملها فأن العدو لا يتركنى أخبر أبى بها بسبب الاستيحاء " ، فقال لى : لا تطع عدوك بل أخبر أباك بجميعها حتى بأحلام الليل ، ولا تخف عنه شيئاً من أفكارك أن كنت مطيعا له في كل شئ من أجل الله ومؤمنا أنه يحسب عنك لطاعتك له ، وأما ما تخفيه عنه فسوف تحاسب أنت عنه كله " .

فقلت له : " هل لى أن أعرف شيخا آخر يطيب به قلبي إزاء نجاستي؟". قال: " إذا توفى أبوك وعين أخ ليصير بعده أبا للأخوة، فاتبعه لأن روح أبيك قد تضاعفت عليه مثل اليشع بعد مفارقة إيليا، ويشوع بعد موسى .. قد قال الآباء: "لا تخبر بجراحك غير أبيك الروحاني " ، وأن كان أبوك متوفي ، ولم يعين للأخوة أب، فأطلب لك أبا شيخاً قديساً كاملاً في أعماله قدام الله ، وأظهر له جميع أمراضك، فهو يصلى عليك فتعافى، وهذا واحد من ربوات، لأن الآباء قالوا: "لا تظهر خطايام لكل الناس ، لئلا تعثر كثيرين وتؤذي الضعفاء ، وأخيراً تعثر بهم، وبالاجمال ، فإن لم تضر بهم ، فأنك لن تنتفع منهم، فتضطر إلى أن تتقدم لغيرهم لتنتفع منهم وهكذا " ، ولكن كما كانت الأحكام الصغيره ترفع إلى الفهماء من شهب اسرائيل/ فيحكمون فيها، والأحكام الكبيرة والمسائل الصعبة ترفع إلى موسى فيحكم فيها، وما صعب عليه منها سأل الله في حكمه فيها، هكذا تصرف أنت ، فالأمور الصغيرة أخبر بها الفهماء من الأخوة، والأمور الصعبة أخبر بها الأب، وما صعب عليه منها فهو يسترشد من الله فيها .

واحذر أن تقول بقلة إيمان كلمة رديئة في أبيك وأخوتك لكي لا يمنعك الله من دخول أرض الميعاد ، وتحرم من أكل ثمرتها كما جرى مع شعب اسرائيل ومع موسى أبيهم ويشوع وكالب أخوتهم، وأنذر أنه لا يدخل أرض الميعاد منهم إلا هذان اللذان أطاعا أباهما، أما الذين رجعوا بقلوبهم إلى مصر، فقد ماتوا كلهم في البرية. فائبت أنت مع أبيك، مثل يشوع مع موسى، ليصير مثله نبياً صانعاً العجائب ، وأبا لأمة كبيرة ، ووارثاً لأرض الميعاد ، متمتعاً بثمراتها أنت وبنوك.

وقد قتل الله : " أكرم أباك وأمك ليطول عمرك ويحسن إليك"، وقال : من يقل كلمة رديئة في أبيه أو أمخ يهلك" ، فإذا كان هذا عن الأب الجسدانى فكم بالحرى الروحاني. فالذي يترك أباه ويسعى فيه، يشبه بوداس الذي ترك معلمه وأسلمه. كما أن الذي يهزأ بأبيه، فأنه يرث لعنة حام الذي ضحك على أبيه لما أنكشف ، وحرم من بركة سام ويافت اللذين ستراه " .

قلت : " يا أبي أن الشيطان يتعب الرهبان أكثر من أهل العالم " ، قال : "نعم ، مثل ملك يريد أن يطرد من مملكته قوما ويدخل عوضهم إليها، فلابد أذن أن يعادى الذين أخرجهم، أولئك الذين أبدلهم بهم، وأجلسهم على كراسيهم، ومهما قدروا على أتيانه من الشر بهم فعلوه، فالرهبان الآن يجاهدون في سبيل دخول هذه المملكة والجلوس على كراسيهم، فالشياطين إزاء ذلك، يقاتلون بالأكثر. فيجب عليك يا بنى أن تطيع وتتضع للآباء الروحانيين ، لئلا تسقط مثلهم (الشياطين) ، فأنهم بالعظمة والمعصية لأبي الأرواح، سقطوا وهلكوا " .

قلت له : " يا أبى لقد سمعت عن قوم أنهم يصومون يومين يومين وأربعة أربعة ، وستة وستة ، وتملأنى الغيرة فأود لو أصوم مثلهم " . فقال لى : "الذي صنع هكذا بغير مشورة ، فإن الشياطين يرفعونه بالأكثر ، وهكذا يخفضونه في أسفل سريعاً، فالذي يقوم بما يفوق قدرته يقتل جسده، وحينئذ ينكسر كالقوس، إذا زاد توترها أكثر من حدها " .

قلت : " وماذا أصنع أن شتمنى أخ ؟ " فقال : " أن المشتوم إذا احتمل ، ففرت له الخطية التى شتم بها وصارت على الشاتم ، مثل أن يقال " يا سارق ، يا كذاب .. " ، فقد جرى ذلك مجرى الاعتراف، فالمشتوم لما أظهرت خطيته سكت واحتمل فقد أعتبر كأنه أقر بها ودين عليها، أما الذي شتمه ، فقد تحمل وزرها لكونه دان أخاه بذكرها. مع أنه قد أمر بأن يظهر خطايا نفسه ، لكنه بالعكس أظهر خطايا غيره ، وقد قبل : " أنه من الجهالة أن يهتم الإنسان مرض غيره، ويترك الاهتمام بمرض نفسه، أو يترك ميته ويمضى ليبكى على بيت غيره، كما أنه من أعظم الجهالات أن يغفل أنسان عن خطيته، ويذكر خطية أخيه " .

+ سأل أخ شيخاً :

" يا أبي ، أن لى 25 سنة أخدم فيها شيخاً ، ولكنه قد أثقل على الآن ، ذلك فأني أريد أن أتركه " . فقال له الشيخ : " هوذا قد صار لك 25 سنة تحت شجرة الحياة ، وأنت تأكل من ثمرتها ، وتريد الآن أن تأكل من الزوان ، تترك خدمة الشيخ، لأن شجرة الحياة التى بها تعيش هي كلمة الله التى سمعها من أبيك ، والزوان هو أفكار أبليس ، تلك التى إذا قبلتها ، تجعلك غريباً من شجرة الحياة " .

أطلع مرسدك بلا تردد وبلا فحص .

+ الطاعة بلا تردد :

قيل عن القديس مرقس تلميذ الأب سلوانس أنه كانت له طاعة عظيمة، ما كان كاتباً. وكان الشيخ يحبه كثيراً من أجل طاعته. وإذا كان له أحد عشر حيذا آخرون ، فهؤلاء كانوت يحزنون بسبب حبه له أكثر منهم، فلما سمع الشيوخ ذلك جاءوا إليه ولاموه على ذلك. فما كان منه إلا أن أخذهم وخرج وقوع على قلايا قائلاً : " أيها الأخ هلم إلى فانى محتاج إليك " فلم يتبعه ولا واحد منهم وراء، وأخيرا جاء إلى قلاية مرفس وقرع الباب قائلاً : يا مرقس " فلما سمع صوت الشيخ وثب في الحال وخرج خارجاً ، فأرسله في خدمة . فقال للمشنح : أيها الآباء، أين باقي الأخوة؟" ثم دخل قلاية مرقس مفتشا فوجده كان يكتب وقت ندائه عليه، وقد بدأ بكتابا الأعداء الكبرى التى فيها ، فعند سماعه صوت الشيخ لم يرسل الفلم ليتمها فتركها فقط فلما رأوا ذلك كذا قالوا :

" بالصواب تحب هذا أيها الأب ، ونحن نحبه ، والله يحبه " .

وحيث في بعض الأوقات أن كان الأب سلوانى يمشى مع مشايخ في الاسقيط ومرقس معه ، فأبصر الشيخ خنزيرا بريا فقال لمرقس : " أترى يا ولدى هذا الوحش الصغير ؟ " قال : نعم يا معلم. قال الشيخ: " أنظر كيف أن قرونه. مستوية حسنة" قال له : نعم يا معلم. فتعجب الشيوخ من جوابه وانتفعوا من عدم مراجعته لمعلمه .

حدث مرة أن القديس أرسانيوس أوصى الكسندروس قائلاً : " إذا أنتهيت من عمل يديك هلم إلى لنفطر، ولكن إذا حضر غرباء فكل معهم ولا تحضر إلى" فبدأ الكسندر في عمله متأخرا ولما كان وقت الأكل لم يزل امامه بعض الخوص ليعمل فيه، ولكن لحفظه وصية الشيخ صبر ليتم شقه، ولما أبطأ ظن القديس ارسانيوس أنه تأخر بسبب بعض الأخوة الغرباء له ، وبعد أن أتم أبا الكسندر عمله حضر إلى الشيخ ، فقال له : " هل حضر عندك غرباء ؟ .. أجابه الكسندر : لا يا ابتاه . فقال له الشيخ : " فلم أبطأت ؟ " أجابه : " لأنك قلت لى إذا أكلمت شق الخوص تعال إلى فحفظا لقولك وبعدما أتممت عملى ، أتيت " فتعجب الشيخ من شدة طاعته وقال له : " هلم أسرع وقدم خدمة التسبيح والصلاة واشرب بعض الماء لأنك ما لم تفعل هذا عجلاً يحدث لجسدك أنحلال " .

المثابرة :

وقع أخ في بلية ، ومن الحزن أتلف عمل رهبانيته وإذ أراد أن يبدأ بالعمل نم الرأس كان يستثقل ذلك ويقول : " متى أبلغ إلى ما كنت فيه ؟ " وكان يضجر، وتصغر نفسه، فلا يقدر أن يبدأ بعمل الرهبنة مرة أخرى، وأخيراً ذهب إلى أحد الشيوخ وقص عليه أمره ، فلما رأي الشيخ حزنه ، ضرب مثلاُ قائلاً له : " كان إنسانا له بقيع ، فمن توانيه أمتلأ ذلك البقيع شوكا ، فلما أنتبه بعد ذلك ، وأراد أن ينقى ذلك البقيع من الشوك قال لابنه: " يا بنى أذهب الى البقيع ونقه واقلع شوكه"، فلما ذهب أبنه وأبصر كثرة الشوك سئم ومل، ونام، وبعد أيام كثيرة، أتاه أبوه لينظر ماذا عمل الغلام فلما رآه لم يعمل شيئاً قال له : "حتى الآن لم تنق شيئاً ؟" فقال الغلام " "أخبرك يا أبتاه، كلما عزمت بلى البدء في العمل، أبصر كثرة الشوك لأحزن، ومن كثرة الحزن كنت أضع رسى وأنام" .

فقال أبوه " لا يكون الأمر هكذا يا أبنى ، ولكن نق كل يوم قدر مفرشك فقط، قليلاً قليلاً" ، ففعل الغلام كما أمره أبوه، وداوم على ذلك حتى فرع الشوك من ذلك البقيع. وأنت كذلك يحبيبي، أبدأ بالعمل شيئاً فشيئاً ولا تضجر، الله بطيبة ونعمته يردك إلى سرتك الأولى " .

فذهب لك الأخ وعمل وصبر كما علمه الشيخ فوجد نياحا وأفلح .

ذكروا إذ كان في مدينة الاسكندرية هيكل خارج باب الشمس على اسم القديس سرابين، وكان فيه شيخ راهب مسكين بتصدق. وكان ينصرف مرة بعد الثالثة ومرة بعد الخامسة. فأبصره قيم الهيكل مدة طويلة. وانتفع بطريقة وتفكر أن يمضى خلفه ويعرف أين ذهب. وماذا يعمل .. فتبعه ولم يعلم الشيخ فرأه قد اشترى خبزة واحدة وقطعة جبن. ثم خرج إلى اهر المدينة إلى المقابر. ودخل في طافوس جديد، وعند دخوله لاحقه قيم الهيكل وسجد له قائلاً: من أجل الرب قل لى: من أنت ؟ لأجل محبة المسيح .. وما عملك ؟ !! فانتفع وتربح نفسى .

فقال الشيخ : وما هو عملى أنا الضعيف حتى تسأل عنه . وكيف خطر هذا ببالك أن تسألني عن عملى. فقال من أجل الرب لا تخف عنى أعمالك النيرة. فعلم الشيخ أنه لأبد من معرفة خبره فقال له : " أنى أجلس في هيكل سرابيون القديس وأجد فيه حاجة طعامى وأخرج إلى هذا الطافوس وأشتغل باقي نهارى بالبكاء على خطاياي " . فعمل مطانية وسأله قائلاً: " من أجل الرب أجلس في قلايتك مبتهلاً في أمرى وأنا أحظر لك كل يوم طعام يومك " . فقال له الشيخ بشرط أن تتركه خارج الباب وتنصرف، وأنا أعمل مرادك. فوافقه القيم على هذا .

فلما مكث القيم مدة يسيرة يعمل ما أمره الشيخ ، قرع بابه يوماً من الأيام وثبت خارج الباب حتى خرج له الشيخ . نجد له قائلاً : " من أجل الرب اجعلنى راهباً" ، فأدخله الشيخ عنده وخاطبه بمواعظ الرهبانية وعظم اسكيمها .

فلما قبلها رهبنه وصار عند الشيخ راهبا مقيما . واعاد الخروج على قديم عادته إلى ذلك الهيكل يجلس فيه يستجدى صدقة تقوم بحاجتهما ويشترى خبزتين وقطعتين من الجبن فأبصره رجل جندى محب للمسيح وكان يكثر الدخول إلى ذلك الهيكل، وتأمل تردده. وانتفع منه ولحقه ليعرف إلى أبن بمضى فلما عرف حاله سأله أن يقيم في قلايته . مصلياً عليه وعلى منزله وهو يحمل إليه قوته. فقال له الشيخ : " أننى أحتاج إلى خبزتين وقطعتى جبن كل يوم " . ولم يخبره أن قيم الكنيسة عندها .

فبعد أن مكث الجندى مدة من الزمان يحمل إلى الشيخ حاجته، تنيح الشيخ وقبل وفاته قال لتلميذه : " أجلس هنا ولا تذهب إلى موضع البتة وإذا حمل اليك الجندي الخبزتين وقطعني الجبن فقل له : " أنى لا أحتاج سوى خبزة واحدة وقطعة واحدة " ثم أجلس مهتماً بنفسك وأن حفظت وصيتى فأنا سأكون معك كل حين على مألوف عادتى، فلما توفى الشيخ دفنه. وكان إذا صلى يشعر أن الشيخ يصلى معه كما وعده .

وأقام على هذا الحال أياما كثيرة ، ثم هاجمه الشيطان مبغض الحسنات الذي يحسد الناس الذين يريدون الخلاص. قائلاً : الآن ماذا يقول والدك في أمرك هل قد مات أن هو حى ، فلو ذهبت ورأيت والدك وردعت إلى ذاتك كنت تجلس مستريحاً بعد ذلك بلا هم ولا قتال من العدو. فلما خدعه الشيطان بهذه الحيلة الماكرة، ذهب وأبصر والده ورجع ، فلما حان وقت صلاته وتلاوة مزاميره، لم يعد يسمع صوت الشيخ، فترك المزمور طفق يبكى فوق قبر الشيخ قائلاً : أيا أبتاه خليتنى يا معلمى وتركتنى . أين وعدك الصادق يا سيدي الشيخ المبارك المملوء حمة، لا يتمنى منك لأجل الله. فخرج إليه صوت من القبر قائلاً : العلى أتا تركتك، أنت خالفت وصيتى وتركتنى، أتظن أننى أنا كنت المصلى معك ومؤنسك، أنما ربنا يسوع المسيح الكثيرة الرحمة لما كنت قابلا وصيتى أرسل ملاكاً روحانياً يؤنسك ويصلى معك لأني أنا في موضعي كما أمر الرب إلى وقت مراده.

وألما عصيت وصيتى التى كنت من أجل الله أنصرف عنك الملاك، فأجلس وأبك على خطايام والرب برحمته يعينك لأنه صاحب كنوز الرحمة
 
موضوع مغلق

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع

قد تكون مهتم بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع
بستان في بستان الرهبان
زهور من بستان - كتاب بستان الرهبان
من قصص بستان الرهبان
من بستان الرهبان
جاء في بستان الرهبان


الساعة الآن 02:11 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026