
17 - 01 - 2026, 02:49 PM
|
|
|
|
† Admin Woman †
|
|
|
|
|
|
الكَلِمَةُ وَالخَلْقُ (يوحنّا 1: 3–5)
المَصْدَرُ الأَسَاسِيُّ لِلْخَلْقِ هُوَ الآبُ، فَهُوَ المَبْدَأُ الأَوَّلُ الَّذِي يَنْبَعُ مِنْهُ كُلُّ وُجُود، وَالخَلْقُ هُوَ أَوَّلُ عَمَلٍ إِلَهِيٍّ وَأَوَّلُ تَعْبِيرٍ لِلَّهِ خَارِجَ ذَاتِهِ، فَيْضٌ حُرٌّ لِلْكَيْنُونَةِ وَالْحَيَاة. وَإِذْ يَحْرِصُ الإِيمَانُ الْمَسِيحِيُّ عَلَى تَأْكِيدِ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ فِي الْخَلْق، فَإِنَّهُ يُقِرُّ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ الْخَلْقَ تَمَّ بِالِابْنِ، أَيْ بِـ"الْكَلِمَة"، لَا كَعَامِلٍ وَسِيطٍ مُسْتَقِلٍّ، بَلْ كَتَعْبِيرٍ أَزَلِيٍّ عَنْ فِعْلِ الآبِ. لِذَلِكَ يُعْلِنُ يُوحَنَّا بِحَزْمٍ لَاهُوتِيٍّ: "بِهِ كَانَ كُلُّ شَيْء، وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا كَان" (يوحنّا 1: 3). فَالْكَلِمَةُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنَ الْمَوْجُودَات، بَلْ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ الْخَلِيقَةَ فِي وُجُودِهَا. وَهُنَا يُوَضِّح أثناسيوس الرسولي أَنَّ الْكَلِمَةَ لَا يَخْلُقُ مِنْ خَارِجٍ، بَلْ يُقِيمُ الْخَلِيقَةَ فِي الْوُجُودِ، فَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِلْحَيَاة، وَلَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى الْعَدَمِ بِغِيَابِهِ. وَيَتَّسِقُ هَذَا الإِعْلَانُ مَعَ الشَّهَادَةِ الرَّسُولِيَّةِ، إِذْ يَقُولُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ: "وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ" (عبرانيين 1: 2)، وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَنَّ الْخَلْقَ بِأَسْرِهِ، الْمَرْئِيَّ وَغَيْرَ الْمَرْئِيِّ، قَدْ تَحَقَّقَ فِي الْمَسِيحِ وَبِهِ:"فَفِيهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمِمَّا فِي الأَرْض" (قولسي 1: 16).
أَمَّا قَوْلُ الإِنْجِيلِ: "وَبِدُونِهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا كَان"، فَلَا يَحْمِلُ مَعْنًى كَوْنِيًّا فَحَسْب، بَلْ يَكْشِفُ حَقِيقَةً وُجُودِيَّة: لَا حَيَاةَ، وَلَا مَعْنًى، وَلَا اكْتِمَالَ لِلإِنْسَانِ خَارِجَ الْكَلِمَةِ. فَالْكَلِمَةُ هُوَ مَصْدَرُ الْوُجُودِ، وَمِنْ ثَمَّ هُوَ نَبْعُ الْحَيَاة. وَلِذَلِكَ يُتَابِعُ يُوحَنَّا قَائِلًا: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاة، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاس" (يوحنّا 1: 4).
فَحَيَاةُ الْمَسِيحِ لَا تَمْنَحُ الْوُجُودَ فَقَط، بَلْ تَكْشِفُهُ وَتُنِيرُهُ. وَيُبَيِّنُ القديس أوغسطينوس أَنَّ نُورَ الْمَسِيحِ لَا يُنِيرُ الطَّرِيقَ وَحْدَهُ، بَلْ يَكْشِفُ الْقَلْبَ، فَفِي هَذَا النُّورِ يَعْرِفُ الإِنْسَانُ حَقِيقَتَهُ، وَيَكْتَشِفُ خَطِيئَتَهُ، وَيُدْرِكُ حَاجَتَهُ إِلَى الْمُخَلِّص. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا النُّورَ يَدْخُلُ فِي تَوَتُّرٍ مَعَ الظُّلْمَةِ الرُّوحِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ عِصْيَانِ الإِنْسَانِ وَجَهْلِهِ، كَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَة، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يوحنّا 1: 5). وَيُفَسِّرُ كيرلس الإسكندري هَذِهِ الْعِبَارَةَ بِأَنَّ الظُّلْمَةَ لَا تَمْلِكُ قُوَّةً تُنَافِسُ النُّور، بَلْ هِيَ حَالَةُ عَمًى رُوحِيٍّ وَرَفْضٍ دَاخِلِيٍّ لِلْحَقّ، أَمَّا النُّورُ فَيَبْقَى سَاطِعًا وَفَاعِلًا، وَإِنْ لَمْ يُقْبَل". لِذَلِكَ، يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ إِلَى أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُنَا، وَأَنَّهُ بِدُونِهِ، وَبَعِيدًا عَنْ نُورِ كَلِمَتِهِ، لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُتَمِّمَ الْمُخَطَّطَ الَّذِي وَضَعَهُ لِحَيَاتِنَا. فَالْخَلِيقَةُ لَا تَحْيَا إِلَّا إِذَا ثَبَتَتْ فِي مَصْدَرِهَا، وَالإِنْسَانُ لَا يَبْلُغُ مِلْءَ دَعْوَتِهِ إِلَّا إِذَا سَكَنَ فِي نُورِ الْكَلِمَةِ.
|