![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
موعظة الجمعة العظيمة الأب بشار متي وردة ![]() ![]() من الألم إلى معرفة الله أبا، يا أبتِ ، إنك على كل شيء قدير، فاٌصرف عني هذه الكأس. ولكن لا ما أنا أشاء بل ما أنت تشاء. (مر 14: 36). هذا هو يسوع في لحظة مصيرية: موته. فهو مُنهارٌ تماماً أمام رُعب وعنف الصليب كأي إنسان. يعرف مهانة الألم، يشعر بالعُزلة والتوحش والاضطهاد. ربنا يركع مُصليا وصور الاستهزاء والإذلال أمامه، لأنه يعلم جيداً أن هناك مَن يتربص للحظة كهذا. فنفس الشعب الذي صرخَ: أوشعنا بالأمس، سيرفضه في الغد، أو في أحسن حال سيصمت. ولربما تساءل ربنا: أي ذنب اقترفته حتى أُصابَ بهذا الألم؟ هل محبتي وغيرتي للإنسان تائباً أمام وجه الله تُجازى برفضٍ كهذا؟ هل وصلت قساوة قلب الإنسان إلى حد مُقابلة الطيبة بالمهانة؟ هل قُربي من الإنسان، كل إنسان يُقابله الإنسان بالإهمال؟ أم أن الإنسان يُريد أن يُجرّب أمانة الله مع عبده فيُزيد عذابه وألمه ورفضه حتى الموت؟ ما الداعي لهذا الألم؟ رُغمَ كل هذه التساؤلات والتي تجعل الألم سرّا مُحيِّراً لا يُشرح عقلياً، لا بل هو تناقض وخُبثٌ لا مُبرر له، يبقى ربنا يسوع قادراً على أن يرفع رأسه بثقة لا حد لها لأبيه السماوي مُنادياً: بابا ... لتكن مشيئتك. في يسوع مثلما فينا مشاعر الاحتجاج والنفور: لماذا كأس الألم هذا يا رب؟ لماذا أنا بالذات؟ أي ذنب فعلته ليُجازينا الإنسان بعذاب كهذا؟ ربُنا يشكو ويشكو بمرارة أنه متروك: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ ولكنه رُغم ذلك يستسلم لأبيه مُصلياً: أبا لتكن مشيئتك. ومشيئة الآب هي مواصلة طريق التضامن مع الإنسان المتألم والمعذب، فيُوقف في جسده شر الخطيئة، فلا يتألم من بعده إنسان. ربنا يُريد أن يُميت الخطيئة بموته، فلا يسمح للخطيئة أن تُثمِرَ فيه ضغينة أو حقداً أو كُرها حتى على مُعذبيه، فيقوم طالباً لهم المغفرة: يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون. فلذلك تؤمن الكنيسة بأن الصليب لن يكون لتعذيب وألم الرب بل لتمجيده إذ يشعّ عليه نُور القيامة فيفرح الإنسان. ولن تكون خطيئتنا إلا حافزاً لنا للعودة إلى بيت الآب. غالباً ما نحاول إيقاف المتألم والمُعذب من التساؤل وكأنه يُجدف، لا نفعل ذلك لنتركه يُصلي إلى الله لأنه يُؤمن أن الله ليس إلا خيراً يفيض حياة ملؤها طيبة ورحمة. كيف للشر وللخطيئة أن تكون والرب هو الخالق والمدّبر؟ كيف يسمح الرب للخطيئة أن تعبث خُبثاً وألماً مفرطاً في حياة الإنسان وهو المحبة التي ترعى الإنسان بكُليته؟ تساؤلات المتألم قد لا تجد لها جواباً سوى أنه سيسمع صوتاً يُناديه: قُم انهض المُجرب والشر آت ليُزيد من شره، فهل ستسعى لأن تُوقفه؟ هل ستقبل بكل هذا الشر الموجود في العالم، أم تنطلق في خدمة الآخر البريء والمُعذّب ظلماً؟ فالرب يطلب مخافته والتي تُترجم عملياً بأن نعتني بالإنسان لاسيما الفقير والمتروك والمُشرد والجائع والعطشان والمريض والغريب. ديانتنا ليست أفكاراً بل أعمال رحمة. خطيئتنا هي أننا كلما صلينا: "لتكن مشئيتك"، فنحن حالاً نخاف ونُفكّر: ما الذي يُريده الله مني؟ من الممكن أنّ الله يطلب كل ما يُريد شرط ألاّ يُكلفني راحتي؟ أنا مستعد أن أُساعد وأحب وأتضامن وأُعين ولكن وفق مزاجي وراحتي ووقتي. في الاقتراب من الآخر حتى في ألمه، لربما لن نستطيع إزاحة الألم عنه، ولكن بمقدورنا أن نُخفف عنه ثقل الألم إذ نبقى إلى جانبه: إسهروا، ابقوا معي، هذا ما طلبه ربنا من تلاميذه، من أصدقائه، منّا. عوز الثقة هو ما ورثناه من آبائنا الأولين: الخطيئة الأصلية كما يقولون في اللاهوت العقائدي، بدء الشر. ويأتي يسوع ليُعطينا مثالاً حياً عظيماً في ثقة مُطلقة واستسلام تام لمشيئة أبيه، فيعود إلى أصدقائه الكسالى المتعاجزين، ليُوقظهم من جديد ويُواصلوا المسيرة. الإيمان يُجّرب في ساعة المحنة، لا لأن الرب يُريد أن يُعذبنا، بل لأن الإنسان يعيش وسط بشر كلهم يمتلكون رغبة في الحياة، وكثيراً ما يتناسون الآخرين من أجل إرضاء وراحة أنفسهم، وفي نسيانهم يُعذبون آخرين عن قصد أو بغير قصد. هنا يُجرّبُ إيماننا ونعيش لحظات بستان الزيتون. فلكل واحد منّا جتسمانية لا يفهم فيها سبب الألم الذي يختبره في حياته، ولكن على مثال يسوع علينا أن نتعلّم أن نقول بشجاعة وصدق: أبّا: يا بابا لتكن مشيئتك. لم يتجرأ أحد من قبل يسوع أن يلفظ هذه الكلمة وهو يُنادي الله، ولكننا نسمعها اليوم من يسوع ونفهم كم أن يسوع مازال ثابتا في الله رغم كل شيء. ربنا يقترب دوماً من أبيه السماوي اقتراب الطفل من أبيه. لا يخافه ولا يرتجف منه، بل تقرّب متواضع يُريد أن يُشارك الله في أن يعمل من أجل عالم وخليقة حسنة لا حزن ولا دموع فيها، لا ألم ولا مرض يُعذبها، لا حقد ولا كراهية تُبعد الناس عن شركة الحياة مع الله. يُعلمنا ربنا أن نثبت واثقين به حتى في ساعات الألم. لا تكن محبتنا مُغرضة، فنشكره لأجل الإحسانات المادية التي قبلناها. وإنما نبارك اسمه ونشكره على الدوام. فالرب هو هو في السراء والضراء. هذه الثقة التي تُثبته في ساعة التجربة ليقوم وكلّه حماس ويحتضن الطريق كما كان يقبل الخاطئ ليعود في أحضان الآب. الطريق من جتسمانية حتى الجلجلة هو مواصلة لطريق بدأه يسوع من الجليل. إنه يدعو تلاميذه، كنيسته، نحن لنستيقظ من نومنا، من كسلنا، من تراخينا، فنواصل طريق الخدمة لنحمل صليب الخطيئة فيموت فينا وإلى الأبد إذ نغفر. ربنا في صلاته يُعلمنا أن الصلاة ليست لتغيير فكر الله ومشيئته، بل لتقوينا فنقبل منه الشجاعة لنعمل إرادته. وهذا كلّه بحاجة إلى وقت، وربنا كان يقضي الليل كلّه في الصلاة، فالله بحاجة إلى وقتنا. سنتهرب قائلين: نحن مشغولين بقضايا مهمة في الحياة وليس لدينا وقت لله والله يعرف ذلك! ولكن انظروا إلى عذابات الإنسان: أو ليست كلها بسبب أُناس بعيدون عن الله؟ أو أبعدوا الله عن حياتهم؟ أفلا تخاف أن تكون أنت واحداً منهم؟ أو لا تظن أن خطيئتي، وخطيئتك وخطايا الآخرين هي سبب آلام الناس اليوم؟ أو تُفكّر أن خطايانا هي التي تُحمل يسوع هذا الصليب؟ هل نسيننا أن نومنا وهربنا من البقاء مع يسوع، مع الإنسان المُعذّب إنما يُسبب ألماً ليسوع أكثر مما يُسببه جلد وضرب الجنود واستهزاء المارة؟ فهل جئنا إلى يسوع اليوم لنفهم ألمه وألمنا، أم جئنا نُجدد فينا العزيمة لنبقى معه في ألمه، ونُعاهده بالسعي للبقاء بأمانة مع المتألمين. لا خير في الألم، ولا وجوه إنساني فيه. لا نحاول تزيين الألم بكلمات مرونقة. الألم شر، وشرٌ خبيث مرير يُصيب الإنسانية ويُجمّدها، ولكن لن يكون له الكلمة الأخيرة. فالألم يُوقظ فينا تحدياً متطلّباً: ما الذي ستفعله للقريب المتألم؟ عذاب القريب يُصحينا لنُرافقه في طريق التحسس لوجع القريب وجرحه، فيُصبح ألمه ألمي وعذابه عذابي، فلا أسكت. فالجائع لن يستطيع أن يُشبع نفسه بنفسه إلا إن قدمنا له رغيفاً بأيدينا، والعطشان لن يرتوي إلا بكأس ماء منّا، والعريان لن يأمن البرد إلا إذا كسوناه بملبس، والمريض لن يطيب إلا إذا رافقنا بالعناية والدواء، والمسجون لن يُحرر نفسه إلا إذا عملنا لتحريره. هكذا تظهر محبتنا من خلال حرصنا على راحة القريب، ومن ثمة هو جوابنا لخُبث الشر. الرب لا يطلب تفلسفاً بل يُريد عملاً، وكلنا جئنا اليوم لنكون مع يسوع ومع كل متألم. جاء يسوع إلى تلاميذه؛ أصدقائه فوجدهم نياماً ثلاث مراتٍ. أيقظهم: قوموا، اسهروا لئلا تسقطوا في تجربة. جاء يسوع ليُفهم أصدقائه أن الحضور معه في ساعة مصيرية كهذه إنما هو فعل اتباع صادق نزيه، قد لا يتمكنون من درء الشر، لكنهم قادرون على سند القريب فلا يشعر بأنه غريب في الطريق. ناداهم ربنا ثلاث مراتٍ ولم ينفع النداء، ناموا مثلما ننام نحن اليوم، شعبه ورُسله لئلا نكون مع مَن يذرف الدموع ظلماً. فلنتجاوب مع دعوتنا ونتعلم أن نستقبل الإنسان بالرحمة التي صارت لنا بيسوع المسيح، أن نحتضنهم بالرعاية التي قدّمها السامري للغريب المجروح. فلا حقد ولا كراهية ولا ضغينة تُبعدنا عن الإنسان، بل يد تمتد لتُبشّر الجياع والعطشان، الحزانى والمهمومين بمحبة منزهة من كل مصالح شخصية. محبة تظهر عملياً في خوفنا على حياة القريب، لا خوفاً من عقاب إلهي ولا طمعاً في مكافأة، بل حرصاً على حياته. وبذلك يصدق تديننا، إذ ننُصف المسكين والبائس، فهذه هي معرفة الله الحقيقية (إرميا 22: 16). فيا رب قوِّنا لنفهم: أن الله محبة ولا يريد عذاب الإنسان، ولن يكون ألمنا وصليبنا مشيئته. أنت مَن علّمتنا أن مشيئة الآب هي أن يخلص الجميع. أنت الذي جئت لتكون لنا الحياة والحياة بوفرة. أنت مَن رافقت المتألم والمجروح والمعذب فأقمته إنساناً مُعافى يعيش بكرامة اسمه، وطيب عيشه الإنساني. أنت مَن اخترتنا أصدقاء وعلّمتنا وأفهمتنا حب الله. أنت مَن احتضنتنا بحب الآب، وأطلقتنا للحياة أحراراً، أقوياء واثقين بأن الله راعينا ولن يتركنا حتى في ساعات الشدّة. أنت مَن علمتنا أن نُصلي: أبّا: بابا. قوِّنا لنُعلنها بثقة لا حد لها، حتى في ساعة الألم، ولا تدخلنا في تجربة أن أبانا بعيد عنا لا يسمع صُراخنا. قوِّنا يا رب لنستجيب لندائك فنستيقظ من نومنا، ونسير معك في طرقات أورشليم، مُقدمين حياتنا يداً وكتفاً نُُعين ونُُخفف عن الناس همومهم. ![]() |
|