الصُّعودُ خاتِمَةُ التَّرائِيّات
إِنَّ صُعودَ الرَّبِّ يسوع المسيح إِلى السَّماءِ هُوَ اِستِمرارٌ لِقِيامَتِهِ مِن بَينِ الأَموات، وَدُخولُهُ النِّهائيُّ في مَجدِ الفِصح. فَالقِيامةُ وَالصُّعودُ لَيسا حَدَثَينِ مُنفَصِلَين، بَل وَجهانِ لِسِرٍّ واحِد: سِرِّ انتِصارِ المَسيحِ عَلَى الخَطيئَةِ وَالمَوت. فَلَولا الصُّعودُ، لَما ظَهَرَ مَلءُ مَعنى القِيامة، لأَنَّ المَسيحَ القائِمَ يَدخُلُ بِإِنسانِيَّتِهِ إِلى مَجدِ الآب، كَما أَعلَنَ بطرس الرسول في خِطابِهِ يَومَ العَنصَرَةِ (أعمال الرُّسُل 2: 23–36).
فَالصُّعودُ كانَ آخِرَ تَرائِيّاتِ المَسيحِ لِلرُّسُلِ بِالجَسَد، قَبلَ أَن يَأتيَ مَرَّةً أُخرى في نِهايَةِ الأَزمِنَةِ. وَفي هٰذا الظُّهورِ الأَخير، غَلَبَ يَسوعُ ضَعفَ إِيمانِ تَلاميذِهِ، مُعطيًا إِيّاهُم عَلاماتٍ حَسِّيَّةً عَلَى حَقيقَةِ قِيامَتِهِ: "ما بالُكُم مُضطَرِبين، وَلِماذا تَثورُ الشُّكوكُ في قُلوبِكُم؟ اُنظُروا إِلى يَدَيَّ وَقَدَمَيَّ: أَنا هُوَ بِنَفسي. اِلمِسوني وَانظُروا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيسَ لَهُ لَحمٌ وَلا عِظامٌ كَما تَرَونَ لي" (لوقا 24: 38–39).
وَلَم يَكتَفِ الرَّبُّ بِإِظهارِ جَسَدِهِ المُمَجَّد، بَل "فَتَحَ أَذهانَهُم لِيَفهَموا الكُتُب" (لوقا 24: 45)، لِيُدرِكوا أَنَّ العَهدَ القَديمَ بِأَسرِهِ كانَ يَشهَدُ لَهُ. فَالمَزاميرُ تَنَبَّأَت بِآلامِهِ (مزمور 22)، وَأشعيا النبي أَعلَنَ مَجدَ قِيامَتِهِ وَانتصارِهِ عَلَى المَوت (أشعيا 53: 10–11). وَيَقولُ أوغسطينوس: "صَعِدَ المَسيحُ إِلى السَّماءِ، لٰكِنَّهُ لَم يَبتَعِد عَنَّا، بَل سَبَقَنا إِلى حَيثُ نَرجو أَن نَكون" (pl 38, 1217).