كان الرسول ليس فقط خاضعًا لمشيئة الله التي سمحت له بتأجيل ذهابه إلى روما بالرغم من حبه الشديد لافتقادها، لا بهدف أرضي وإنما بتقديم "هبة روحية" هي "إنجيل الله"، وإنما أعلن الرسول تواضعه بقوله: "لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" [12].
في تواضع صادق بلا تزييف يشعر الرسول أنه محتاج إلى مخدوميه، فهو يفتقدهم ليس فقط لكي يرشد ويعلم ويوصي، وإنما أيضًا ليتعزى بإيمانهم. هم محتاجون إلى نعمة الله العاملة فيه، وهو محتاج إلى إيمانهم وتعزيتهم.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يا لعظم تواضع فكره! لقد أظهر نفسه أنه في حاجة إليهم وليس هم فقط المحتاجين إليه. يضع التلاميذ موضع المعلمين، غير حاسبًا نفسه أعلى منهم، بل مقدمًا كمال مساواتهم له، لأن النفع مشترك، يقصد أنه يتعزى بهم وهم به. كيف يتحقق ذلك؟ "بالإيمان الذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني". وذلك كما في حالة النار، فإن أضاف إنسان مشاعل إلى بعضها البعض يشتعل بالأكثر اللهيب ويتقد الكل؛ هذا أيضًا يحدث بين المؤمنين طبيعيًا.] كما يقول أيضًا: [يقول هذا لا كمن هو في حاجة إلى أي عون منهم، وإنما لكي لا تكون لغته ثقيلة عليهم وتوبيخه عنيفًا، لهذا يقول أنه في حاجة إلى تعزياتهم. ربما يقول أحد أن تعزيته تكمن في فرحه بنمو إيمانهم، هذا هو ما يحتاج إليه بولس، هذا المعنى ليس بخاطيء.]
يقول ابن كاتب قيصر أن كلمة التعزية هنا تعني الفرح والسرور، هو يتعزى لأنه كان مضطهدًا وصار رسولًا مبشرًا دُعي لهذا الرجاء الصالح، وهم يفرحون إذ كانوا قبلًا في ضلالة عبادة الشياطين وصاروا أولاد الله، عابدين له، مترجين ملكوته الأبدي.