"الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكُم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضًا الأَعمالَ
الَّتي أَعمَلُها أَنا، بَل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها، لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب".
"الأَعظَمُ" لا تُشيرُ إِلى تَفَوُّقٍ في القُدرَةِ على أَعمالِ يَسوعَ، فَلا يُمكِنُ أَن يَكونَ هُناكَ عَمَلٌ أَعظَمُ مِن أَعمالِهِ في جَوْهَرِها، بَل تَدُلُّ عَلى اِتِّساعِ نِطاقِ الأَعمالِ وَاِمتِدادِها في الزَّمانِ وَالمَكان. فَأَعمالُ يَسوعَ كانَت مَحصورَةً خِلالَ حَياتِهِ الأَرضِيَّةِ في مَجالٍ جُغرافيٍّ مُعيَّن، أَمّا بَعدَ ذَهابِهِ إِلى الآبِ، وَإِرسالِ الرُّوحِ القُدُسِ، فَسَتَنتَشِرُ البِشارَةُ إِلى أَقصى الأَرض، وَيَصيرُ التَّلاميذُ أَدَواتٍ لِعَمَلِ اللهِ في العالَمِ كُلِّهِ. لِذٰلِكَ، "الأَعظَمُ" هُنا يَعنِي: أَعظَمُ في الاِمتِدادِ: إِذ تَشمَلُ كُلَّ الأُمَم، أَعظَمُ في الثَّمَرِ: إِذ يَؤمِنُ جَماهيرُ كَثيرونَ، أَعظَمُ في العَمَقِ الخَلاصيّ: لأَنَّها تَرتَبِطُ بِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ بَعدَ الفِصح.
وَيُؤكِّدُ يوحنا الذهبي الفم أَنَّ «الأَعظَمَ» لا يَعني أَنَّ التَّلاميذَ يَتَفَوَّقونَ على المَسيح، بَل أَنَّهُم يَعمَلونَ بِقُوَّةِ المَسيحِ الحاضِرَةِ فيهِم، وَأَنَّ البِشارَةَ الَّتي بَدَأَها سَتَبلُغُ مَدًى أَوسَعَ بَواسطَتِهِم. وَالسَّبَبُ الجَوهَريُّ لِهٰذا هُوَ قَولُهُ: "لأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب"، أَي أَنَّ عَمَلَ المَسيحِ لا يَتَوَقَّفُ بِذَهابِهِ، بَل يَتَحوَّلُ إِلى حُضورٍ جَديدٍ أَعمَقَ، مِن خِلالِ الرُّوحِ القُدُسِ العامِلِ في كَنيستِهِ.
لِذٰلِكَ، فَـ"يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها" هِيَ دَعوَةٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ أَن يَدخُلَ في ديناميكيَّةِ الإِيمان، لا كَمُتَفَرِّجٍ عَلى أَعمالِ المَسيح، بَل كَشَريكٍ فيها، حَيثُ يُصبِحُ الإِنسانُ أَداةً لِحُضورِ اللهِ في العالَم، وَحامِلًا لِبِشارَةِ الحَياةِ إِلى الجَميع.