![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
حَملُ رِسالَةِ المَسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأموات إِنَّ ذِروَةَ خِبرَةِ الظُّهورِ لا تَكْمُنُ في المُشاهَدَةِ ذاتِها، بَل في التَّحوُّلِ الَّذي تُحدِثُهُ في التَّلاميذ: مِن مُجرَّدِ شُهودٍ إِلى رُسُلٍ مُرسَلين. فَبَعدَ أَن تَعَرَّفوا على الرَّبِّ وَاخْتَبَروا حُضورَهُ القائِم، يُدرِكونَ أَنَّ هٰذا الحُضورَ لَيسَ لِلاِستِقرارِ مَعَهُم، بَل لِإِرسَالِهِم. يَتَحَقَّقُ وَعدُ المَسيحِ بِحُضورِهِ الدّائِم: "وَها أَنا مَعَكُم كُلَّ الأَيّامِ إِلى نِهايَةِ العالَم" (مت 28: 20)، لٰكِنَّهُ حُضورٌ ديناميٌّ يُحوِّلُ الجَماعَةَ مِن داخِلِها. فَفِي العَلِّيَّةِ، وَالأَبوابُ مُغلَقَة، يَقِفُ يَسوعُ في الوَسَطِ وَيَقولُ: "السَّلامُ لَكُم… كَما أَرسَلَني الآبُ أُرسِلُكُم أَنا أَيضًا" (يو 20: 21). هٰكَذا تَنتَقِلُ الجَماعَةُ مِن حالَةِ الخَوفِ إِلى حالَةِ الإِرساليَّة، وَمِن تَلاميذَ يَتَلَقَّونَ إِلى رُسُلٍ يُرسَلون. وَيَتَعَمَّقُ هٰذا الإِرسَالُ بِمَنحِ الرُّوحِ القُدُس: "نَفَخَ فيهِم وَقالَ لَهُم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم…" (يو 20: 22–23). فَالرِّسالَةُ لَيسَت مُجرَّدَ تَكليفٍ خَارِجيّ، بَل اشتِراكٌ في عَمَلِ المَسيحِ الخَلاصيّ، في سُلطانِ الحَلِّ وَالرَّبطِ، وَفي بُناءِ الكَنيسَةِ كَسِرِّ الخَلاصِ في العالَم. وَتَتَجَذَّرُ هٰذِهِ الإِرساليَّةُ في ذاتِها في رِسالَةِ الاِبنِ الَّذي أَرسَلَهُ الآب: "كَما أَرسَلتَني إِلى العالَم، أَرسَلتُهُم أَنا أَيضًا إِلى العالَم" (يو 17: 18). فَلا تُوجَدُ رِسالَةٌ أُخرى مُنفَصِلَة، بَل هُناكَ رِسالَةٌ واحِدَةٌ تَنبُعُ مِن الآب، تَتَجَسَّدُ في الاِبن، وَتَستَمِرُّ في الكَنيسَة. وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ الرُّسُلَ لا يُبَشِّرونَ بِأَنفُسِهِم، بَل بِالمَسيحِ، وَمِن خِلالِهِ. وَيُشيرُ أعمال الرسل إِلى أَنَّ هٰذِهِ الشَّهادَةَ لَيسَت خِيارًا، بَل هُوِيَّة: "وَتَكونونَ لي شُهودًا… إِلى أَقاصي الأَرض" (أع 1: 8). فَالتِّلميذُ يَصيرُ رَسولًا، أَي "مُرسَلًا"، حامِلًا بُشرى القِيامَةِ. وَيُعَبِّرُ التَّقليدُ الآبائيُّ عَن هٰذا الامتِدادِ الحَيِّ لِرِسالَةِ المَسيح، فَيَقولُ كيرلس الأورشليمي: "كَما أَرسَلَ الآبُ الاِبن، كَذٰلِكَ يُرسِلُ الاِبنُ تَلاميذَهُ، لِيَكونوا نُورًا لِلعالَم وَأَدَواتِ نِعمَتِهِ (pg 33, 989) ". وَفي زَمَنِنا، يُجدِّدُ البابا فرنسيس هٰذِهِ الرُّؤيَةَ قائِلًا: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَمنَحُ القُوَّةَ لِإِعلانِ البُشرى بِجُرأَة… وَالرَّبُّ يَريدُ مُبَشِّرينَ لا بِالكَلامِ فَحَسب، بَل بِحَياةٍ تَتَجَلّى فيها حُضورُ الله" (فرح الانجيل، 259). وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ هٰذِهِ العَناصِرَ الثَّلاثَة (المُبادَرَة، التَّعرُّف، الرِّسالَة) تَرتَبِطُ بِعَلاقَةٍ حَيَوِيَّةٍ مُتَبادَلَة: فَالمَسيحُ القائِمُ يُبادِرُ، وَالإِنسانُ يَتَعَرَّفُ، وَمِن ثَمَّ يُرسَلُ. إِنَّ الحاضِرَ يَتَجَدَّدُ بِفِعلِ القائِم، وَالإِيمانُ يَنمو بِالتَّعرُّفِ عَلَيهِ، وَالمُستَقبَلُ يُبنى بِالشَّهادَةِ لَهُ. وَهٰذا المُستَقبَلُ هُوَ الكَنيسَةُ، الَّتي تَحيا مِن القِيامَة، وَتُعلِنُها لِلعالَم. لِذٰلِكَ، نَرفَعُ صَلاتَنا إِلى الرُّوحِ القُدُس، أَن يَأتي لِيُجدِّدَ الكَنيسَة، وَيُحرِّكَها، وَيَدْفَعَها لِتَكونَ شاهِدَةً أَمينةً لِلمَسيحِ القائِم، فِي كُلِّ زَمانٍ وَمَكان، وَبِجُرأَةِ الإِيمانِ وَقُوَّةِ الحَياة. |
|