![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
تَعَرُّفُ التَّلاميذِ على يَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأموات إِنَّ تَعَرُّفَ التَّلاميذِ على يَسوعَ القائِمِ يُشَكِّلُ مَرحَلَةً حاسِمَةً في مَسارِ الإِيمان، حَيثُ لا يَقتَصِرُ الأَمرُ على مُجرَّدِ ظُهورٍ خَارِجيّ، بَل يَتَحوَّلُ إِلى عَملِيَّةِ إِدراكٍ داخِليٍّ يَكتَشِفُ فيها التَّلاميذُ هُوِيَّةَ الَّذي يَظهَرُ لَهُم: إِنَّهُ يَسوعُ النّاصِريُّ عَينُهُ، الَّذي عايَشوا حَياتَهُ وَشاهَدوا مَوتَهُ، وَها هُوَ الآنَ حَيٌّ، فِيهِ تَحَقَّقَتِ النُّبُوءَات. وَلٰكِنَّ هٰذا التَّعرُّفَ لا يَحدُثُ بِشَكلٍ فَوريّ، بَل يَسيرُ في مَسارٍ تَدريجيّ. فَفي البِدايَةِ، يَرى التَّلاميذُ في يَسوعَ شَخصًا عادِيًّا: فَيَظهَرُ كَمُسافِرٍ لِتِلمَيذَي عمّاوس (لو 24: 15–16)، أَو كَشَخصٍ غَيرِ مَعروفٍ عِندَ شاطِئِ بحيرة طبرية (يو 21: 4–5)، أَو حتّى كَبُستانيٍّ لَدَى مريم المجدلية (يو 20: 15). ثُمَّ يَتَحَوَّلُ هٰذا الإِدراكُ تَدريجيًّا إِلى إِيمانٍ: "إِنَّهُ الرَّبّ". إِنَّهُ انتِقالٌ مِنَ الرُّؤيَةِ الحِسِّيَّةِ إِلى البَصيرَةِ الإِيمانيَّة. وَيَتَّسِمُ هٰذا التَّعرُّفُ بِالحُرِّيَّة، إِذ لَيسَ إِكراهًا، بَل دَعوَةً. فَبَعضُ التَّلاميذِ آمَنوا (كَما فَعَلَ التِّلميذُ الَّذي كانَ يَسوعُ يُحِبُّهُ في يو 20: 8)، في حينِ تَرَدَّدَ آخَرونَ أَو شَكّوا، مِثلَ توما الرسول (يو 20: 25–29)، وَكَما يُشيرُ إِليهِ إنجيل متى: "فَلَمّا رَأَوهُ سَجَدوا لَهُ، وَلٰكِنَّ بَعضَهُمُ ارتابوا" (مت 28: 17). وَهٰذا يُظهِرُ أَنَّ القِيامَةَ لا تُلغِي إِمكانِيَّةَ الشَّكّ، بَل تَدعو الإِنسانَ إِلى تَجاوُزِهِ بِالإِيمان. وَمِن جِهَةٍ أُخرى، يَتَأَكَّدُ التَّلاميذُ مِن حَقيقَةِ القائِمِ مِن خِلالِ خِبرَةٍ جَماعِيَّة، حَيثُ إِنَّ الظُّهوراتِ غالبًا ما تَحدُثُ لِجَماعَةٍ، مِمّا يُتيحُ تَبادُلَ التَّأكُّدِ وَيُقصي وَهمَ الخِبرَةِ الفَرديَّة. فَهُم يَتَثَبَّتونَ أَنَّ الَّذي يَظهَرُ لَهُم لَيسَ خَيالًا أَو شَبحًا، بَل شَخصٌ حَقيقيّ. لِذٰلِكَ يَتِمُّ التَّشديدُ في النُّصوصِ على اللَّمسِ وَالأَكلِ مَعَهُ (لو 24: 39–43؛ يو 20: 27). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ جَسَدَ القائِمِ لا يَخضَعُ لِقَوانينِ الحَياةِ الأَرضيَّةِ العادِيَّة، بَل يَحمِلُ بُعدًا مُمَجَّدًا: يَظهَرُ وَيَختَفي، يَدخُلُ وَالأَبوابُ مُغلَقَة. وَهٰذا ما يُشيرُ إِليهِ بولس الرسول بِتَعبيرِهِ "جِسمٌ رُوحانيّ" (1 قور 15: 44–49)، أَي جَسَدٌ حَقيقيٌّ تَحوَّلَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ وَدَخَلَ في حالَةِ المَجدِ. وَيُعَلِّقُ أوغسطينوس بِتَواضُعٍ لاهوتيٍّ عَميقٍ قائِلًا: "مَهما كانَت طَبيعَةُ هٰذا الجَسَدِ الرُّوحانيّ، نَحنُ لا نَزالُ نَجهَلُها، لِأَنَّنا لَم نَختَبِرها بَعد" (pl 37, 1131). وَفي مَوضِعٍ آخَرَ يُضيفُ: "الجَسَدُ يَخضَعُ لِلرُّوح، فَلا يَبقى صِراعٌ بَينَهُما" (pl 41, 394). وَمِن هُنا يَتَّضِحُ أَنَّ قِيامَةَ يَسوعَ لَيسَت عَودَةً إِلى الحَياةِ الأَرضيَّة، بَل دُخولٌ في الحَياةِ الَّتي لا يَعودُ لِلمَوتِ عَلَيها سُلطان: "إِنَّ المَسيحَ بَعدَما أُقيمَ مِن بَينِ الأمواتِ لا يَموتُ بَعد" (رو 6: 9). وَبِفَضلِ مُبادَرَةِ المَسيحِ وَظُهورِهِ، حُفِظَ التَّلاميذُ مِنَ الوَهمِ، وَتَأَكَّدَت خِبرَتُهُم بِالرَّبِّ "الحَيّ". فَبِرُؤيَتِهِ يَربِطونَ الحاضِرَ بِالماضي، وَبِسَماعِهِ يَتَأَكَّدونَ مِن مَعرِفَتِهِ، وَبِذٰلِكَ يَنمُو إِيمانُهُم. وَمِن هٰذا المَنطَلَق، لا يُدرِكُ المُؤمِنُ مَعنى الظُّهورِ إِلّا في إِطارِ الكِرازَةِ الكَنَسيَّة، حَيثُ يُعلَنُ المَسيحُ القائِمُ وَيُعاشُ في جَماعتِهِ الحَيَّة. |
|