وهم حرية المُعتقد الديني
**لا مجال إذًا للحديث عن حرية المُعتقد الديني المنصوص عليها في الدستور المصري إذا كانت الحرية الوحيدة هي اعتناق المسيحيّات للإسلام تحت إشراف القانون ومؤسسة الأزهر، لأن المسلمات لا يتمتعن بنفس الحق ويتم اعتبارهن “مُرتدّات.” هربتْ العديد من المُسلمات من مصر كليةً بعد ملاحقات أمنية بسبب اعتناقهنّ المسيحية وفشلتْ الكنيسة في حمايتهن أمنيًا واجتماعيًا. منهنّ مَن طلبت اللجوء الديني خوفًا من القبض عليها، ومنهنّ مَن هاجرت لبلد يسمح بالزواج المدني، ولم تعُد لمصر أبدًا؛ حيث تسمح القوانين المصرية بزواج المسلم من مسيحية لأنها (من أهل الكتاب)، ولا يسمح بزواج المسلمة من مسيحي لأن الأطفال يتبعون عقيدة الزوج وفقًا للقانون – مُنتهى التسامح الديني الذي لا يظهر أبدًا في صور المجالس العرفية. السؤال الآن: لماذا لا تحمي الكنيسة المصرية النساء اللواتي يعتنقن المسيحية، كما تفعل مع اللواتي يعتنقن الإسلام، ولماذا لا تُصر على “حق الاسترداد”؟
الإجابة سهلة، فالكنيسة لا تعتبرهن (مسيحيّات أصليّات)، ولا تعتبرهن ملكية للكنيسة كما هو الحال مع اللائى يعتنقن الإسلام. كما أن ادّعاء حماية النساء الذي بموجبه يتم “استرداد النساء” ينهار بالكامل أمام امرأة تُريد اعتناق المسيحيّة، وتُسلّمها الكنيسة للأمن المصري، لأنها باختصار “مملوكة” لعائلة مُسلمة. كما أن الكنيسة غير قادرة – تمامًا – على مواجهة أحداث العنف الطائفي التي ستنتج عن اعتناق امرأة مسلمة للمسيحية. فتُحافظ الكنيسة بذلك على صفقتها مع الأمن على حساب النساء المسيحيّات من أصل إسلامي.
في النهاية، ملف المسيحيّات في مصر حساس للغاية ويُعتبر قضية أمن قومي بسبب تواطؤ الأمن والكنيسة. فلا مُتنفس لحماية النساء من العنف والملاحقات الأمنيّة في ظل وجود كيان كنَسي له علاقاته الوطيدة بالدولة. ولا محل لحرية العقيدة في مُناخ يستهدف النساء بالعنف ويعتبرهن رموزًا للهوية والدين والشرف، ومجرد ملكيّات للأسرة ورجال الدين ثم الدولة.
هناك طبقات عدّة لملف المسيحيّات في مصر، اكتفينا بذِكر بعضها، على أمل أن ينكشف الستار المُهترئ وتضمن النساء حقوقهن المدنية المكفولة لهنّ بالدستور، سواء كنّ مسيحيّات العقيدة، أو ينسلتنّ من أسرة مسيحية، أو ينسلتن من أسرة مسلمة