أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله
يَسُوعَ لَا يَضَعُ شَرِيعَةً جَدِيدَةً بَدَلَ شَرِيعَةِ سِينَاء، بَلْ يُطَهِّرُ مُمَارَسَتَهَا: فَتَقْدِيسُ ٱسْمِ ٱللَّهِ لَا يَكُونُ بِالِامْتِنَاعِ عَنِ الحَلِفِ فَقَط، بَلْ بِحَيَاةٍ تَجْعَلُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَقُولَةٍ أَمَانَةً أَمَامَ ٱللَّهِ. فَٱلْمَسِيحُ لَا يَطْلُبُ مُجَرَّدَ تَخْفِيفِ ٱلْقَسَمِ، بَلْ إِلْغَاءَهُ بَوَصْفِهِ ضَرُورَةً أَخْلَاقِيَّةً، لِأَنَّ ٱلْكَلِمَةَ، مَتَى كَانَتْ صَادِقَةً، تَحْمِلُ فِي ذَاتِهَا سُلْطَتَهَا وَمِصْدَاقِيَّتَهَا.
وَيَتَوَافَقُ هٰذَا ٱلتَّعْلِيمُ مَعَ مَا أَكَّدَهُ يَعْقُوبُ ٱلرَّسُولُ قَائِلًا: "لا تَحْلِفُوا بِٱلسَّمَاءِ وَلَا بِٱلْأَرْضِ وَلَا بِيَمِينٍ أُخْرَى، بَلْ لِتَكُنْ نَعَمُكُمْ نَعَم، وَلَاُكُمْ لَا، لِئَلَّا تَقَعُوا تَحْتَ ٱلدَّيْنُونَةِ" (يعقوب 5: 12).
فَٱلصِّدْقُ ٱلْمُطْلَقُ هُوَ ٱلْبَدِيلُ ٱلْإِنْجِيلِيُّ عَنِ ٱلْقَسَمِ، وَٱلْحَقِيقَةُ ٱلْمَوْضُوعِيَّةُ ٱلْمُتَضَمَّنَةُ فِي ٱلْكَلِمَةِ هِيَ ٱلَّتِي تَشْهَدُ لِذَاتِهَا، دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تَعْزِيزٍ خَارِجِيٍّ. وَقَدْ سَمَحَتِ ٱلشَّرِيعَةُ ٱلْمُوسَوِيَّةُ بِٱلْقَسَمِ كَتَدْبِيرٍ تَرْبَوِيٍّ يَحْمِي مِنْ عَدَمِ أَمَانَةِ ٱلْقَلْبِ ٱلْبَشَرِيِّ، لِأَنَّ ٱلْإِنْسَانَ ٱلْمُتَزَعْزِعَ فِي ٱلْحَقِّ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى رَادِعٍ خَارِجِيٍّ. أَمَّا ٱلْمَسِيحُ، فَجَاءَ لِيُعَالِجَ ٱلْقَلْبَ نَفْسَهُ، وَيُعِيدَ ٱلْإِنْسَانَ إِلَى ٱلْمُسْتَوَى ٱلْأَصْلِيِّ لِلْخَلْقِ، حَيْثُ تَكُونُ ٱلْكَلِمَةُ صَادِقَةً لِأَنَّهَا نَابِعَةٌ مِنْ قَلْبٍ مُسْتَقِيمٍ، لَا لِأَنَّهَا مَحْمِيَّةٌ بِقَسَمٍ.