![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
الملك والميزان الإلهى ![]() كان بيلشاصر ملكاً على بابل ، وشريكاً لأبيه نابونيداس ، الذى كان يهتم أكثر من ابنه بالنواحى العلمية والثقافية ، وكان الابن هو الحاكم الفعلى لبابل ، وعلى وجه الخصوص عندما غاب الأب لمدة عشر سنوات فى حملة خارج البلاد فى أواسط الجزيرة العربية ، وقد كشف الحفريات الحديثة عن اسمه مع أبيه ، مما لم يكن معروفاً من قبل ، حتى أن بعض النقاد ادعوا بأنه لا يوجد اسم ملك يحمل هذا الاسم ، ولكن الكتاب يثبت صدقه دائماً ، وتتهاوى كل الأراجيف التى تحاول النيل منه ، .. ومن المعتقد أنه إبن ابنة نبوخذ نصر ، إذ أن أباه تزوج بابنه نبوخذ نصر وأنجب منها هذا الأبن ، ... وبهذا المعنى قالت أمه الملكة ، عندما أرشدته إلى دانيال ليفسر الكتابة ، إن أباه نبوخذ نصر كان يستخدمه فى تفسير الأحلام والعوائص التى تواجهه ! .. ومن المعتقد أنه كان فى أوج الشباب عندما حاصره كورش الفارسى ، وقد كان شاباً أيضاً يصحب جيوشه الجرارة ، بالمشاركة مع حميه داريوس المادى ، وكان الشاب يعطى توقيراً كاملا لحميه ، ويقدمه ، ولذا أشير إلى أن حماه استولى على المملكة وهو فى الثانية والستين من عمره ، ... على أية حال كانت جيوش مادى وفارس تحاصر بابل ، عندما أقام بيلشاصر حفلة لعظمائه الألف ، والاسم . بيلشاصر " معناه " بيل يحمى الملك " وبيل هو إله بابل ، ونحن لا نعلم لماذا أقام هذا الحفل العظيم ، ... هل أقام لمناسبة عيد ميلاده ، أو عيد تتويجه ؟ ، أو لأنه عيد إلهه ، ؟ أو لأنه - كما يعتقد البعض - أراد أن يقوى من عزيمة أبطاله فجمع ألفاً منهم ، وهو يعتد بحصونه ضد القوات المهاجمة ، وقد أراد أن يظهر كبرياءه وشجاعته ، وقدرته التى لم يصل إليها نبوخذ نصر نفسه ، فأمر بإحضار الآنية المقدسة ليشرب فيها الخمر ويسبح آلهته !! .. على أية حال ، لقد ظهرت الكتابة أمامه تقول : " وزنت فى الموازين فوجدت ناقصاً"!!.. " دا 5 : 27 " وهل لنا أن نقف قليلا من الميزان الإلهى ؟ !! .. إن هذا الميزان يختلف - ولا شك - من كل الموازين الاخرى !! .. إنه يختلف عن ميزان الإنسان لنفسه ، أو الميزان كما يتخيله الإنسان ، ويزن به نفسه !! .. وإذا صح ما يتفكهون به أنك إذا سألت اليهودى عن قيمة شئ ، وثمنه ، فإنه سيسألك أولا : هل سيشترى هذا الشئ أم يبيعه ، فإذا كان هذا هو المشترى فإن الثمن أقل ، وإذا كان هو البائع فإن الثمن أكثر - ولعله بهذا يفسر ما قاله الحكيم سليمان : " ردئ ردئ يقول المشترى وإذا ذهب فحينئذ يفتخــــر " " أم 20 : 14 " .. وهى النفس البشرية التى حذرها المسيح فى الموعظ على الجبل : " لا تدينوا لكى لا تدانوا لأنكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون ، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم ، ولماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك وأما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لها أم كيف تقول لأخيك دعنى أخرج القذى من عينك وها الخشبة فى عينك . يا مرائى أخرج أولا الخشبة التى من عينك وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك .. " " مت 7 : 1 - 5 ".. أو ما قاله بولس : " لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك لأنك أنت الذى تدين تفعل تلك الأمور بعينها . ونحن نعلم أن دينونة اللّه هى حسب الحق على الدين يفعلون مثل هذه " " رو 2 : 1 - 2 " . يقول ما كارتنى فى عظته المشهورة عن حزائيل ، عندما قال لأليشع : " ومن هو عبدك الكلب حتى يفعل هذا الأمر العظيم " " 2 مل 8 : 13 " .. إن أعظم فاعلى الشر فى الأرض كانوا رجالا لم يخطر ببالهم أن يفعلوه من أول الأمر ، فنابليون فى مطلع حياته كتب رسالة لأكاديمية ليون بعنوان : " أخطار الطموح " ... وقال نيرون : " ليت هذه اليد ما تعلمت الكتابة " وهو يوقع على أول قرار بالإعدام ، .. وروبسبيير والذى أرسل الآلاف إلى المقصلة فى الثورة الفرنسية ، كان قد قدم استقالته قبل ذلك كقاض فى محكمة إقليمية لأنه لا يستطيع أن يوقع عقوبة الإعدام على مجرم ثبتت إدانته !! ... ولو أنك جئت إلى الملك داود وقلت له إنك ستكون زانياً وقاتلاً فى يوم من الأيام لصرخ فى وجهك : ومن هو عبدك الكلب حتى يفعل هذا !! .. ولو أنك جئت إلى سليمان فى جبعون وهو جاث يقدم على المرتفعة ألف ذبيحة ، ويطلب القلب الفهيم ليميز بين الخير والشر !! .. وقلت له إنك ستبعد عن اللّه وتتبع النساء الأجنبيات اللواتى انحرفن إلى عبادة الأوثان ، لصاح : هذا مستحيل !! .. سل بطرس الذى سيخرج فى تلك الليلة ، وقبل أن يضيع طعم الطعام من فمه ، .. وقل له إنه سينكر السيد ، وهو يصيح : هذا لا يمكن أن يكون .. تصور نفسك نبياً ، واعرف ماذا سيفعل الناس ، وانظر أعمالهم ، وحدثهم بها ، وهم سيرمونك بالكذب لأنك تجرؤ على أن تصورهم بهذه الصورة ولكن نبوتك ستتحقق ، وكما بكى أليشع قد تبكى عندما تثبت عينيك فى إنسان لتحدثه بما لا يخطر بباله أن يفعل لأن " القلب أخدع من كل شئ وهو نجيس من يعرفه !! .. " إرميا 17 : 9 " حقاً إن الميزان البشرى الذى يصنعه الإنسان لنفسه لا يمكن أمام كبريائه أو ضعفه أو فساده أو نجاسته أن يكون صحيحاً أو دقيقاً ، .. ومن الواضح أن بيلشاصر لم ير أى خطأ فيما فعل أو عيب أو نقص أو قصور ، ... بل لعله وهو يفعل ما لم يجرؤ عليه نبوخذ نصر نفسه ، كان يرى فى نفسه أشجع وأعظم وأصدق وأدق من سلفه العظيم !! .. فإذا نظرنا إلى ميزان آخر - وهو ميزان الناس لغيرهم من الناس - لوجدنا أنه ليس أقل خطأ أو قصوراً أو تضليلا ،.. كان بيلشاصر قد أقام حفله العظيم لألف من عظمائه، الذين هم أبطال الأمة وقادتها ، .. وقد نظر إليه هؤلاء نظرة الإعجاب كالقائد الشاب الشجاع الذى هو سيد الأمة وبطلها العظيم ، .. وشتان بين حكم الأرض ، وحكم السماء ... وشتان بين تفسير العظماء ، وتفسير دانيال ، وقد شاء المسيح أن يعطينا صورة كاملة عن الفارق بين الحكمين والتفسيرين ، فى منظر الغنى ولعازر ، والصورة الأرضية والصورة السماوية المتتابعتين لهذا المنظر العتيد ، ... ففى ركن زاوية على الطريق جلس لعازر فى مواجهة قصر الغنى الذى يرفل فى البز والأرجوان ، .. ولو طلب إلى الناس أن يضعوا مقارنة بين الرجلين ، لما وجدوا أى مجال للمقارنة ، فهل يمكن أن يقارن المترف بالمجروح والشبعان بمن لا يجد الفتات ؟ والذى يمتلئ بيته بالإشراف من الزوار ، بمن لا يجد إلا الأصدقاء من الكلاب التى تلحس القروح ؟ !! .. ولعلهم يقولون : وأين الثرى من الثريا ؟ وهم - ولاشك - سيرون الثرى فى المسكين الذى يجلس على التراب ، والثريا فى ذاك الذى يتألق بيته بالأنوار اللامعة المنيرة العظيمة !! .. هذا هو حكم الأرض ، .. ولكن ميزان السماء صنع الهوة التى لا تعبر ، وفى قمتها بائس الأمر ، وفى قاعها المترف الذى هبـــط إلى الهاويــــــــــة التى لا قــــرار لها !! ... إن القصة ترينا أن هذا الميزان سجل حكمة إزاء النبراس أو الشمعدان حتى يراها الكل ، . وميزان اللّه هو ميزان النور ، .. إن عدالة اللّه ليست عمياء ، كما ألف الناس أن يروا العدالة فى صورة امرأة معصوبة العينين تمسك ميزاناً بيدها ، وفى اليد الأخرى سيفها المجرد !! .. إن عدالة اللّه ، بالأحرى ، فاحصة نيرة بالغة الدقة ، فى وزنها ، أو على ما تقول حنة فى صلاتها : " لأن الرب إله عليم وبه توزن الأعمال " " 1 صم 2 : 3 " .. مررت يوماً بميزان من تلك الموازين التى توضع فى الأماكن أو المؤسسات العامة أو الخاصة ، والتى تضع فيها العملة حتى تخرج لك تذكرة مكتوب عليها وزنك ... ، وهل رأيت من باب التسلية أوحب الاستطلاع ، أو الخوف من زيادة الوزن أو نقصه من يزنون أنفسهم ؟ ، أو هل رأيت الطبيب يزن الطفل أو الرجل قبل أن يفحصه طبياً ؟ ، .. هذه موازين بشرية لغايات تتصل بالجسد أو سلامته ، أو الاطمئنان على الصحة أو ما أشبه ، وأين هذه من ميزان النفس عند اللّه ؟ ، وعلى وجه الخصوص ، إن الرب إله عليم ، وبه توزن الأعمال ، وهو فى وزنه للأعمال يتغور إلى الداخل العميق ، لأنه يعرف السرائر ولا تخفى عليه خافية ، .. وهو يصل إلى أعماق النبضات والنأمات ، والنوايا والبواعث المتشابكة التى لا تستطيع العين أن تدركها !! .. فإذا أصدر اللّه أمراً إلى يا هو بن نمشى أن يبيد بيت أخاب ليحل محله فى الملك ، وإذا صادف الأمر الهوى العميق فى قلب ياهو ، فهو يبيد ، وبغير اعتدال ، وهو لا يرى فى عمله هذا إلا إتماماً لأمر اللّه ، إلى الدرجة التى يقابل فيها يهو ناداب بن ركاب فيباركه ويقول له : " هل قلبك مستقيم نظير قلبى ؟ فقال يهوناداب: نعم ونعم ... هات يدك ، فأعطاه يده ، فأصعده إليه إلى المركبة وقال : هلم معى وانظر غيرتى للرب ، وأركبه معى فى مركبته وجاء إلى السامرة وقتل جميع الذين بقوا لآخاب فى السامرة ، حتى أفناه حسب كلام الرب الذى كلم به إيليا " " 2 مل 10 : 15 - 17 ) .. وإذا كان اللّه قد بارك ياهو وأجلس أبناءه إلى الجيل الرابع ، لأنه تمم الإرادة الإلهية ، ... لكن هناك تياراً رفيعاً أسود كان فى قلب ياهو ، استطاع أن يخفيه عن يهوناداب بن ركاب ، وعن كل إنسان آخر ، لكنه لم يكن خافياً على اللّه ، وجرى فى القلب التيار الأسود مع الأبيض ، ووزن اللّه وفصل بين التيارين ، وقال على لسان هوشع : " بعد قليل أعاقب بيت ياهو على دم يزرعيل " " هو 1 : 4 " ... هل تستطيع مهما بلغت من الإدراك والحكمة أن تكتشف التيارين الممتزجين ؟؟ ، وإذا أمكن أن تكتشف ، فهل تستطيع الفصل بينهما فتبارك التيار الأبيض ، وتعاقب الأسود ؟ ، ... ليس هناك إلا ميزان واحد يستطيع ذلك ، هو ميزان اللّه ، الذى فصل من البداءة بين النور والظلمة ، " فالظلمة أيضاً لا تظلم لديه ، والليل مثل النهار يضئ كالظلمة هكذا النور ، " " مر 139 : 12 " هل أساء إليك زميل أو رفيق ، فحفظت فى قلبك شيئاً عميقاً غائراً لا يدركه أحد ، وانتهزت خطأ ارتكبه هذا الزميل ، أو خطية ما ، فإذا بك تثور ناهضاً ضد هذا الخطأ أو الخطية ، باسم الغيرة للّه ؟ ويحمدك الناس لأنك لا تعرف المجاملة على حساب الحق ، ... ولكن رقيب الناس يتعقب شيئاً دفيناً أسود لا يراه أحد ، ويزنه بميزان العدالة البالغة الدقة ، ويفصله على حده ، ويتعامل معك إزاءه ، سواء فى السريرة أو فى العلانية ، حتى تعلم أنك تستطيع أن تخدع نفسك أو تخدع الآخرين ، لكنك لا تستطيع أن تخدع اللّه البتة !! .. كان بيلشاصر عظيماً فى ميزان النفس ، وميزان الناس ، .. ولكنه أبصر على مكلس الحائط تجاه النبراس القول : " وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً " .. |
أدوات الموضوع | |
انواع عرض الموضوع | |
|
قد تكون مهتم بالمواضيع التالية ايضاً |
الموضوع |
ذلك الذي هو الملك أيضًا هو ابن الملك، فإن الله الآب بالتأكيد الملك |
سوف أكتب الدموع والأحزان |
من آتون التجارب والأحزان |
قل للذي نام والأحزان تخنقه |
قصة التاجر الذكي والميزان |