الهزّة الهائلة التى سببها سقوط الصّليب في الفتحة المُعدّة له جعلت الحواف الحادّة لتاج الشّوك، الذى كان ما زال على رأس مُخلصنا الحبيب، تنغرس بصورة أعمق في جسده المقدّس، وسال الدم لأسفل ثانية من رأسه ومن يديه وقدميه. ثم وضع الجنود سلالم على الصليب وصعدوا عليها وحلّوا الحبال التي كانت تقيد يسوع بالصليب .
دمه كان قد صار، بدّرجة معينة، راكدا فى موضعه الأفقي من ضغط الحبال، لكن عندما حلٌت الحبال، استأنف دمه جريانه المعتاد، وتسبّب حل الحبال فى ألام من جراحه الغير معدودة، حتى أنه أحنى رأسه، وبقى كما لو أنه ميت لأكثر من سبع دقائق. أنشغل فيها الجنود بتقسيم ملابسه؛ أبواق الهيكل لم تعد تدوّي؛ وكل فاعلي هذه المأساة المخيفة بدوا منهكين من الجهود التى بذلوها ليتمموا مهمتهم الشّريرة، وابتهج اليهود لنجاحهم أخيرا في جلب الموت إلى من حسدوه طويلا.
بمشاعر مختلطة من الخوف والشّفقة وجهت عيناي نحو يسوع، يسوع فاديّ، مُخلص العالم. رأيته ساكناً، بلا حياة تقريبا. شعرت كما لو أنى أنا نفسي يجب أن أنتهي؛ غُمر قلبي بالأسى والحبّ والفزع؛ فكرى كان نصف تائه، يداي وقدماي مشتعلتان بحرارة محمومة؛ كل عروقي وأعصابي وأطرافي أجهدت بألم متعذر وصفه؛ لم أر شيء بشكل متميّز، باستثناء عريسي الحبيب مُعلقاً على الصّليب. تأمّلت مُحياه المشوّه، رأسه المطوّق بتّاج الشّوك، فمه جَاف ونصف مفتوح من الإعياء، شعر رأسه ولحيته مُلبد بالدّم. صدره مُمزّق ومجروح من ضربات العصي، كوعيه ورسغيه وكتفيه متورمين بشدة وتخلعوا تقريبا؛ يسيل الدم بشكل ثابت لأسفل من الجراح المفتوحة في يديه، واللّحم قد تمزّق عن ضلوعه التي كان ممكن إحصائها. ساقاه وفخذاه، مثل ذراعيه أيضاً، قد شُدت تقريبا حتى الخلع، اللّحم والعضلات بالكامل متعرّية حتى أن كل عظمة كانت مرئية، وجسده بالكامل تغطّى بجراح متضرَّجة بالدم. الّدم الذي تدفّق من جراحه كان في بادئ الأمر أحمر، لكنه اصبح خفيف ومائي، وكل مظهر جسده كان مظهر جثة جاهزة للدّفن. ومع ذلك، على الرغم من الجراح المروّعة التي تغطّى بها، على الرغم من حالة العار التي قد آل إليها، كانت ما زالت هناك تلك النّظرة المتعذر وصفها, نظرة النبل والطّيبة التي ملأت كل المشاهدين بالرّهبة.
وُضع صليبا اللّصين واحد على يمين صليب يسوع والآخر على يساره؛ كانت هناك مسافة كافية متروكة لراكبي الخيول ليجولوا بينهم. مظهر اللّصين على صليبيهما كان من الصعب تخيله؛ لقد عانا بشدة، والذي على الجانب الأيسر لم يتوقّف عن اللعن والسب. الحبال التي قُيدا بها كانت ضيّقة جدا، وسبّبت لهما آلاماً عظيمة؛ منظرهما كان شاحباً، وأعينهم ملتهبة وعلى وشك أن تُقتلع من محاجرها. علو صليبي اللّصين كان أقل بكثير من علو صليب يسوع .