منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07 - 11 - 2012, 05:01 PM   رقم المشاركة : ( 71 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل التاسع والأربعون


يسوع مُعلق على الصّليب بين لّصين




الهزّة الهائلة التى سببها سقوط الصّليب في الفتحة المُعدّة له جعلت الحواف الحادّة لتاج الشّوك، الذى كان ما زال على رأس مُخلصنا الحبيب، تنغرس بصورة أعمق في جسده المقدّس، وسال الدم لأسفل ثانية من رأسه ومن يديه وقدميه. ثم وضع الجنود سلالم على الصليب وصعدوا عليها وحلّوا الحبال التي كانت تقيد يسوع بالصليب .
دمه كان قد صار، بدّرجة معينة، راكدا فى موضعه الأفقي من ضغط الحبال، لكن عندما حلٌت الحبال، استأنف دمه جريانه المعتاد، وتسبّب حل الحبال فى ألام من جراحه الغير معدودة، حتى أنه أحنى رأسه، وبقى كما لو أنه ميت لأكثر من سبع دقائق. أنشغل فيها الجنود بتقسيم ملابسه؛ أبواق الهيكل لم تعد تدوّي؛ وكل فاعلي هذه المأساة المخيفة بدوا منهكين من الجهود التى بذلوها ليتمموا مهمتهم الشّريرة، وابتهج اليهود لنجاحهم أخيرا في جلب الموت إلى من حسدوه طويلا.
بمشاعر مختلطة من الخوف والشّفقة وجهت عيناي نحو يسوع، يسوع فاديّ، مُخلص العالم. رأيته ساكناً، بلا حياة تقريبا. شعرت كما لو أنى أنا نفسي يجب أن أنتهي؛ غُمر قلبي بالأسى والحبّ والفزع؛ فكرى كان نصف تائه، يداي وقدماي مشتعلتان بحرارة محمومة؛ كل عروقي وأعصابي وأطرافي أجهدت بألم متعذر وصفه؛ لم أر شيء بشكل متميّز، باستثناء عريسي الحبيب مُعلقاً على الصّليب. تأمّلت مُحياه المشوّه، رأسه المطوّق بتّاج الشّوك، فمه جَاف‏ ونصف مفتوح من الإعياء، شعر رأسه ولحيته مُلبد بالدّم. صدره مُمزّق ومجروح من ضربات العصي، كوعيه ورسغيه وكتفيه متورمين بشدة وتخلعوا تقريبا؛ يسيل الدم بشكل ثابت لأسفل من الجراح المفتوحة في يديه، واللّحم قد تمزّق عن ضلوعه التي كان ممكن إحصائها. ساقاه وفخذاه، مثل ذراعيه أيضاً، قد شُدت تقريبا حتى الخلع، اللّحم والعضلات بالكامل متعرّية حتى أن كل عظمة كانت مرئية، وجسده بالكامل تغطّى بجراح متضرَّجة بالدم‏. الّدم الذي تدفّق من جراحه كان في بادئ الأمر أحمر، لكنه اصبح خفيف ومائي، وكل مظهر جسده كان مظهر جثة جاهزة للدّفن. ومع ذلك، على الرغم من الجراح المروّعة التي تغطّى بها، على الرغم من حالة العار التي قد آل إليها، كانت ما زالت هناك تلك النّظرة المتعذر وصفها, نظرة النبل والطّيبة التي ملأت كل المشاهدين بالرّهبة.
وُضع صليبا اللّصين واحد على يمين صليب يسوع والآخر على يساره؛ كانت هناك مسافة كافية متروكة لراكبي الخيول ليجولوا بينهم. مظهر اللّصين على صليبيهما كان من الصعب تخيله؛ لقد عانا بشدة، والذي على الجانب الأيسر لم يتوقّف عن اللعن والسب. الحبال التي قُيدا بها كانت ضيّقة جدا، وسبّبت لهما آلاماً عظيمة؛ منظرهما كان شاحباً، وأعينهم ملتهبة وعلى وشك أن تُقتلع من محاجرها. علو صليبي اللّصين كان أقل بكثير من علو صليب يسوع .
  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:01 PM   رقم المشاركة : ( 72 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الخمسون


كلمات يسوع على الصّليب


إظلام الشّمس




ما أن أنتهي الجنود من صلب اللّصين وتقسّيم ملابس يسوع بينهم، حتى جمّعوا أدواتهم ووجهوا بضع كلمات مُهينة إلى الرب يسوع وذهبوا. أنطلق الفريسيون أيضاً إلى يسوع ونظروا إليه باحتقار، وتكلموا ببعض التّعبيرات المخزية، وبعد ذلك تركوا المكان. رحل الجنود الرّومان، الذين كان مائة منهم يحيطون بالجلجثة، وجاء مكانهم خمسون آخرين، تحت قيادة ابن ادار، العربي المولد، الذي اخذ بعد ذلك اسم كتسيفون في المعمودية؛ والثّاني في القيادة كان كاسيوس، الذي أصبح مسيحيا وُعرف باسم لونجينوس؛ وقد استخدمه بيلاطس بشكل متكرر كرسول. سعى اثنا عشر فريسيا واثنا عشر من الصدوقيين وعديد من الكتبة وبضع شيوخ إلى بيلاطس ليقنعوه بتغييّر اللوحة التى وُضعت على صليب يسوع، جاءوا الآن غاضبين لأن الحاكم الرّوماني رفض مطلبهم. انطلقوا حول الموضع وعندما عبروا بجوار صليب يسوع هزّوا رؤوسهم بازدراء‏ صائحين : " يا هادم هيكل الرب وبانيه في ثلاثة أيام، أنقذ نفسك, انزل عن الصّليب. فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصّليب، حتى نرى ونؤمن " استهزأ الجنود أيضاً منه .
وجه يسوع وكل جسده أصبح أكثر شحوباً: بدا على وشك أن يفقد الوعي، وجيماس اللّص الذى على يساره صاح "إن الشّيطان الذي بداخله على وشك أن يتركه" حينئذ أخذ جندي إسفنجه وملأها بالخلّ، وضعها على قصبة وقدّمها إلى يسوع، الذي بدا أنه يشرب. حينئذ قال له الجندي " إن كنت أنت ملك اليهود، أنقذ نفسك وانزل عن الصّليب " حدثت هذه الأمور خلال الفترة التي كانت تُستبدل فيها فرقة الجنود الأولى بفرقة ابن ادار. رفع يسوع رأسه قليلاً وقال : "أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. " وصرخ جيماس : " إن كنت أنت المسيح، أنقذ نفسك وإيانا " ديماس اللّص الذى على اليمين ظل صامتاً، لكنه تأثر بعمق من صلاة يسوع من أجل أعدائه.
عندما سمعت العذراء مريم صوت ابنها، لم تستطع أن تمنع نفسها، أسرعت للأمام وتبعها يوحنا وسالومه ومريم التى لكلوبا، واقتربوا من الصّليب، حيث لم يمنعهم القائد الروماني العطوف.
أعطت صلوات يسوع اللّص الذى على اليمين نعمة أكثر قوة؛ فتذكّر فجأة أنه يسوع ابن مريم الذي شفاه من البرص في طفولته وصاح بصوت عال وواضح فى زميله :" كيف تهينه هكذا بينما يصلّي هو من أجلك؟ لقد كان صامتاً، وعانى كل إساءتك بصّبر؛ إنه حقا نبياً, إنه ملكنا, إنه ابن الرب. " سبّب هذا التّأنيب الغير متوقّع من شفاه شرير بائس على وشك أن يموت على الصليب اضطراباً كبيراً بين الموجودين؛ فجمّعوا حجارة، ورغبوا أن يلقوها عليه؛ لكن ابن ادار القائد الروماني لم يسمح لهم بذلك.
واست صلاة يسوع العذراء المباركة كثيراً وقوّتها، وقال ديماس لجيماس، الذي كان ما زال يجدف على يسوع " ألا تخاف الرب، ها أنت تحت نفس الإدانة. ونحن نُعاقب بعدل، لأننا ننال نظير أعمالنا؛ لكن هذا الرجل لم يفعل شراً. تذكّر أنك الآن على وشك الموت وتب " لقد استنار وتأثر واعترف بآثامه إلى يسوع وقال : " إلهى، إن أنت أدنتني فذلك سيكون بعدل. " فأجابه يسوع " إنك ستختبر رحمتي" . بدأ ديماس فى الحال وقد امتلأ بالنّدم، يشكر الرب لأجل النّعم العظيمة التى نالها، وتأمل فى الآثام التى اقترفها فى حياته الماضية.
كل هذه الأحداث حدثت بين الثانية عشرة والثانية عشرة والنّصف بعد الصّلب بقليل؛ لكن حدث تغيير عجيب فى مظهر الطّبيعة أدهش الحاضرين وملأ فكرهم بالرّهبة والرّعب.
كان قليل من البرّد قد سقط حوالي الساعة العاشرة، عندما كان بيلاطس يُجيز العقوبة، وصفا الجو بعد ذلك حتى نحو الثانية عشر، حيث بدأ ضباب كثيف محمر يحجب الشّمس. نحو السّاعة الثانية عشر أظلمت الشّمس فجأة.
لقد كُشف لى السّبب لهذه الظّاهرة؛ لكنى على نحو يؤسَف له‏ نسيته جزئياُ، والذي لم أنسه لا أستطيع أن أجد الكلمات لأعبر عنه؛ لكنى أستطيع القول بأنني قد أُصعدت من الأرض، ونظرت النّجوم والكواكب تتحرّك حول مداراتها الصّحيحة. ثم رأيت القمر مثل كرة هائلة من النّار تتدحرج كما لو أنها تطير من الأرض. ثم عدت فجأة إلى أورشليم، ورأيت القمر يظهر ثانية وراء جبل الزّيتون، يبدو شاحباً وكاملاً، وتقدّم بشكل سريع نحو الشمس, التي كانت معتمة ومُلبدة بالضباب. رأيت في شرق الشّمس جسماً مظلماً كبيراً له مظهر الجبل، والذي أخفى الشّمس بالكامل فى الحال. صارت السّماء أكثر ظلمة وظهرت النّجوم تسكب نوراً أحمر بشعاً. كل من الإنسان والحيوان أصيبوا بالرّعب؛ توقف أعداء يسوع عن سبه، بينما سعا الفريسيين أن يقدموا أسباب فلسفية لما يحدث، لكنهم فشلوا في محاولتهم ولزموا الصمت. كثيرون استولى عليهم النّدم وقرعوا صدورهم صارخين : " ليقع دمه على قاتليه! " آخرون سواء كانوا قرب الصليب أو بعيدين عنه، سقطوا على ركبهم وتوسّلوا أن يغفر يسوع لهم، أدار يسوع عينيه بحنو نحوهم في وسط آلامه. واستمرّت الظّلمة فى ازدياد، وترك الجميع الصّليب باستثناء العذراء مريم ورفاق يسوع المخلصين.
رفع ديماس رأسه حينئذ، وبنغمة متواضعة وبرجاء قال ليسوع " إلهى، تذكّرني عندما تجيء إلى ملكوتك". وأجابه يسوع " الحق أقول لك, أنك اليوم ستكون معي في الفردوس ", وقفت المجدلية ومريم التى لكلوبا ويوحنا بقرب صليب الرب يسوع ونظروا إليه، بينما توسّلت العذراء المباركة إلى ابنها، ممتلئة بالمشاعر الحبّ الأمومي الشديد، أن يجيز لها أن تموت معه، لكنه ألقي نظرة رّقيقة عليها تفوق الوصف والتفت إلى يوحنا وقال : يا امرأة، هو ذا ابنك " ثم قال ليوحنا : " ها هى ذى أمك " نظر يوحنا إلى فاديه المحتضر وحيّا هذه الأمّ المحبوبة التي اعتبرها من ذلك الوقت أمه بأسلوب بغاية التوقير. غلب الحزن العذراء المباركة من كلمات يسوع هذه فغابت عن الوعي تقريبا، وحُملت إلى مسافة صغيرة من الصّليب من قبل النّساء القديّسات.
لقد شعرت بشكل داخلي أن يسوع أعطى مريم إلى يوحنا كأمّ، ويوحنا إلى مريم كابن. فى رّؤى مشابهة كنت أشعر غالبا بالأشياء الغير مكتوبة، والكلمات ممكن أن تُظهر فقط جزء منها، أن مدلولها يكون واضحاً ولا يتطلّب أي تفسير. لهذا السبب لم أندهش لكون يسوع يدعو العذراء المباركة يا امرأة، بدلا من أن يدعوها يا أمي. لقد شعرت أنّه قصد أن يبرهن أنّها هى تلك المرأة التى تكلّم عنها في الكتاب المقدّس التي ستسحق رأس الحية، وأنه فى تلك اللّحظة قد تحقق ذلك الوعد بموت ابنها. لقد عرفت بأنّ يسوع، بإعطائها كأمّ إلى يوحنا، أعطاها أيضا كأمّ إلى كل من يؤمنون به، الذين صاروا أبناء الرب، ولم يولدوا من لّحم ومن دّم، أو من مشيئة إنسان، بل من الرب وُلدوا. لم يبدوا لي مفاجئاً أن الأكثر طُهراً، الأكثر تواضعا، والأكثر طاعة بين النّساء، التي، عندما حياها الملاك دعاها " الممتلئة نّعمة " أجابت على الفور " ها أنا آمة الرب، ليكن لي كقولك " والتى صار الكلمة فى الحال فى رحمها المقدّس جسداً، التي، عندما اعلمها ابنها المحتضر أنها ستصبح الأمّ الرّوحية لأبن آخر، أجابت بنفس الكلمات بطاعة متواضعة، وتبنت فى الحال كل أبناء الرب كأولاد لها وأخوة ليسوع المسيح. أن هذه الأمور أسهل أن تشعر بها بنعمة الرب أكثر من أن يًعبر عنها‏ بالكلمات. أتذكّر مرة قال لى فيها عريسي السّماوي " أن كل شيء يُدمغ في قلوب أولاد الكنيسة الذين يؤمنون ويترجون ويحبون "
كانت حوالي الساعة الواحدة والنّصف عندما آُخذت إلى أورشليم لأرى ما يحدث. كان السّكان هناك بغاية الرّعب والقلق؛ الشّوارع مظلمة وكئيبة، وبعض الأشخاص كانوا يلتمسون طرقهم بها، بينما الآخرون، جلسوا على الأرض ورؤوسهم مُغطاة ويقرعون صدورهم، أو يصعدون لأسطح بيوتهم، ينظرون إلي السّماء وينفجرون في بكاء مرّ. حتى الحيوانات أطلقت نداءات حزينة، واخفت نفسها؛ الطّيور طارت وحطت على الأرض. رأيت بيلاطس يتشاور مع هيرودس على حالة الانزعاج السائدة, كلاهما كان مضطربا بشدة، وتأمّلا مظهر السّماء من الشرفة التى كان يقف بها هيرودس عندما اسلّم يسوع ليُهان من قبل الرّعاع الغاضبين. صاح كلاهما : " أن هذه الأحداث ليست من السياق الشائع للطّبيعة، لابد أن يكون سببها غضب الآلهة التى استاءت من القسوة التي لاقاها يسوع الناصري" , أحاط الجنود ببيلاطس وهيرودس بينما كانا يتجهان بخطي مرتعشة متعجلة إلى قصر هيرودس. التفت بيلاطس برأسه عندما عبر جباثا التى حكم فيها على يسوع بالصلب، الميدان كان فارغاً تقريبا؛ بضعة أشخاص كانوا يرون عائدين لبيوتهم بأسرع ما يستطيعون، وآخرون يركضون ويبكون، بينما ظهرت مجموعتان صغيرتان أو ثلاث على البعد.
أرسل بيلاطس فى طلب بعض الشيوخ وسألهم عن ما تنذر عنه هذه الظّلمة العجيبة فى رأيهم، وقال إنّه يعتبرها برهاناً رهيباً عن غضب إله اليهود بصلب الجليلي، الذي كان بكل تأكيد نبيهم وملكهم وأضاف أنّه ليس عليه شيء ليلوم نفسه عليه، لأنه غسل يديه من القضية بالكامل، وأنه بهذا برئ تماما. كان الشيوخ قساة كعادتهم دوماً وأجابوا بنغمة متجهّمة، أنه ليس هناك شيء غير طبيعي فى سياق الأحداث وأنه ممكن تعليل الظلمة بسهولة من قبل الفلاسفة، وإنهم ليسوا نادمين على أي شئ مما فعلوه. على أية حال، فقد آمن عديد من الأشخاص ومن بينهم أولئك الجنود الذين وقعوا على الأرض من كلمات يسوع عندما أُرسلوا ليعتقلوه في بستان الزّيتون.
تجمّع الرّعاع أمام دار بيلاطس، وبدلا من الصياح " أصلبه، أصلبه! " الذي دوّى في الصّباح، سُمع فقط صيحات " فليسقط القاضي الجائر! ليقع دم هذا الرجل البار على قاتليه! ". كان بيلاطس منزعجاً كثيراً؛ طلب حرّاس إضافيين، وسعى أن يضع كل اللائمة على اليهود. أعلن ثانية أن الجريمة لم تكن جريمته؛ أنه لم يكن له موضوع مع يسوع، وإنهم من جلبوا له الموت على نحو ظالم، وإنه كان ملكهم ونبيهم وقدّوسهم؛ وبالتالي هم فقط المذنبون، كما يجب أن يكون واضحاً للجميع أنه أدان يسوع فقط من قبل الإكراه
عجّ الهيكل باليهود الذين كانوا مُعتزمين ذبح حمل الفصح؛ لكن عندما ازدادت الظّلمة إلى هذه الدرجة حتي أنه كان من المحال أن تُميّز شخصاً من الأخر، استولى عليهم الخوف والرعب والفزع وعبروا عن ذلك بصرخات الحزن والبكاء. سعى رؤساء الكهنة إلى أن يفرضوا السكون والهدوء. أُشعلوا كل القناديل؛ لكن الاضطراب كان يتعاظم فى كل لحظة، وبدا حنان مشلولاً تماما بالرّعب. لقد رأيته يسعي ليختبئ فى موضع وبعد ذلك في موضع آخر.
عندما تركت الهيكل، ومشيت فى شّوارع أورشليم ، رأيت أبواب ونوافذ البيوت تهتز كما لو أنها في زوبعة، مع أن الهواء كان ساكناً، وكانت الظّلمة تزداد كثافة فى كل لحظة .
الذّعر الناتج عن الظّلمة المفاجئة في جبل الجلجثة كان متعذراً وصفه. عندما بدأت، كان تشويش جلبة المطارق وصخب الرّعاع وصراخ اللّصين عند تقيدهما إلى صليبهما وأحاديث‏ الفريسيون المُهينة، وتقيم الجنود وصيحات الجنود السكارى، كان كل ذلك قد يستغرق بالكامل انتباه كل شخص، والتّغيير الذي كان يجيء تدريجياً على وجه الطّبيعة لم يكن يلاحظه أحد؛ لكن ما أن ازدادت الظّلمة حتى توقف كل صوت، وأخذ الندم والرعب يملكان على كل قلب، بينما ابتعد الحاضرون كل واحد عن الآخر وابتعدوا عن الصّليب.
تلي ذلك أن أعطي يسوع أمه إلى القديس يوحنا، وفقدت الوعي جزئياً وحُملت بعيداً لمسافة قليلة. بينما استمرت الظّلمة تزداد بصورة أكثر كثافة، الصّمت صار مّذهلاً تماما؛ بدا كل شخص فى رعب؛ نظر البعض نحو السّماء، بينما التفت الآخرون نحو الصّليب، كانوا ممتلئين بالنّدم وقرعوا صدورهم وآمنوا. مع أن الفريسيون كانوا في واقع الأمر منزعجين تماما بنفس القدر كالآخرين، إلا إنهم سعوا في بادئ الأمر أن يبدوا متماسكين لما يحدث، وأعلنوا إنهم لا يروون أي شيء غير قابل للتفسير في هذه الأحداث؛ لكن أخيرا فقدوا سلامهم وفّضلوا الصمت.
كان قرص الشّمس كان قد صُبغ بالظلمة، كان بالأحرى يشبه جبلاً عندما يُشاهد بضوء القمر ومُحاط بحلقة نارية ساطعة؛ ظهرت النّجوم، لكنّ ضّوئها كان محمراً وشاحباً؛ كانت الطّيور بغاية الفزع وحطت على الأرض؛ البهائم ارتعدت وناحت؛ خيل وحَمير‏ الفريسيون زحفت أقرب ما يمكن لبعضها البعض، ووضعوا رؤوسهم بين سيقانهم. اخترق الضّباب السّميك كل شيء.
خيم السّكون حول الصّليب. يسوع مُعلّقا عليه وحيداً؛ متروكاً من قبل الجميع، من التلاميذ والمعارف والأصدقاء، حتى أمه أبعدوها من جانبه؛ ولا شخص واحد من الآلاف الذين أغدق عليهم بالمنافع كان قريباً منه ليقدم له أدنى تّخفيف لمعاناته المرّة، نفسه كانت ملآنة بشعور متعذر وصفه من المرارة والأسى، كل شئ داخله كان كئيباً ومظلماً وبائساً. الظّلمة التي خيمت حوله كانت مجرد رمز لما انتشر داخله؛ وعلى الرغم من هذا التفت إلى أبيه السّماوي وصلّى من أجل أعدائه، مقدماً كأس آلامه لأجل فدائهم، استمرّ يصلّي كما كان يفعل خلال كل آلامه، وكرّر أجزاء من تلك المزامير التى تّنبأت عنه والتى تتحقق فيه الآن ورأيت الملائكة تقف حوله.
نظرت ثانية إلى يسوع, عريسي الحبيب, على صليبه، معذّباً ويحتضر، ومع ذلك ما زال في عزلة كئيبة. لقد تحمل في تلك اللّحظة الألم الذي لا يستطيع أن يصفه قلم، لقد شعر بذلك الألم الذي يغمر إنساناً ضعيفاً مسكيناً حُرم فى لحظة من كل تّعزية، سواء إلهية أو بشرية، وبعد ذلك يُرغم على عبور صّحراء عاصفة بمفرده، بدون أي معونة أو نور، مُدعوماً فقط بالإيمان والرجاء والمحبة.
أن آلامه كان متعذر وصفها؛ لكن من قبلها نحن استحققنا نّعمة ضرورية لنقاوم ذلك الأغراء الذى سيهاجمنا ليجعلنا نيأس في سّاعة الموت، تلك السّاعة المروِّعة‏ عندما سنشعر بأنّنا على وشك أن نترك كل ما هو عزيز علينا هنا على الأرض. عندما يفقد ذهننا الضعيف من قبل المرض قوة التّفكّير، وحتى آمالنا فى الرّحمة والمغفرة تصبح مغلّفة بالغشاوة والشك، حينئذ علينا أن نهرب إلى يسوع، نوحّد مشاعرنا بالعزلة مع مشاعر العزلة المتعذر وصفها التي تحمّلها على الصّليب، ونكون واثقين من الحصول على غلبة مجيدة على أعدائنا. لقد قدم يسوع إلى أبيه السّرمدي فاقته وهجره وأعماله، وقبل كل شيء، الآلام المرة التى سبّبتها تحمّله لها في التّكفير عن آثامنا وضعفاتنا؛ لهذا لا أحد قد وحّد نفسه بيسوع في أحضان كنيسته يجب أن ييأس في تلك اللّحظة المرعبة التى تسبق خروجه من هذه الحياة، حتى لو كان محروماً من كل بصيص الوعي والرّاحة؛ لأنه يجب أن يتذكّر حينئذ أنّ المسيحي لم يعد ملزما أن يدخل هذه الصّحراء المظلمة وحيداً وغير محمياً، لأن يسوع قد تحمل عنا بهذا الترك الذى عاناه على الصليب سواء الهجر الدّاخلي أو الخارجي ما كان ينبغى أن نشعر به فى لحظة الموت، بِناء على ذلك‏ فإنه لن يُترك ليتغلب على مشكلات‏ الموت بمفرده، أو يعانى من أن يترك هذا العالم بترك الرّوح، محروماً من التّعزية السّماوية. لهذا يجب أن نترك كل الخوف من الوحدة واليأس في الموت؛ لأن يسوع، الذي هو نورنا الحقيقي والطّريق والحق والحياة، قد سبقنا فى ذلك الطّريق الكئيب، لقد نشره بالبركات، ورفع صليبه فوقه، لمحة واحدة عليه ستهدّئ كل خوفنا.
لقد قدم يسوع وصيّته لأبيه وأورث استحقاقات موته وآلامه إلى الكنيسة وإلى الخطاة. لم تُنس نفس مُخطئة واحدة؛ لقد فكّر فى كل شخص؛ مصّلياً، أيضاً، حتى من أجل أولئك الهراطقة الذين سعوا إلى إن يبرهنوا بأنّه لكونه إلهاً فأنه لم يُعانى كإنسان. إن الصراخ الذي سُمح أن يعبر على شفاهه في علو معاناته لم يدل فقط عن زيادة الآلام التى كان يتحمّلها حينئذ، بل كانت أيضاً ليشجّع كل النفوس المبتلية التي تعترف بالرب كأبيها أن تضع حزنها بثّقة بنوية عند قدميه.
لقد كانت نحو الساعة الثالثة عندما صرخ يسوع بصوت عال : " إلوي، إلوي لما شبقتني ؟ " التى معناها " إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ " هذه الكلمات لإلهنا قطعت الصّمت المميت الذي استمرّ طويلاً؛ التفت الفريسيون نحوه، وقال واحد منهم : " ها هو ينادى إيليا " وآخر قال " فلنرى إن كان إيليا سيجيء لينجيه " . عندما سمعت مريم صوت ابنها الإلهي، كانت عاجزة عن أن تمنع نفسها أكثر، بل اندفعت للأمام، ورجعت إلى أقدام الصّليب، وتبعها يوحنا ومريم التى لكلوبا ومريم المجدلية وسالومة.
كانت فرقة من حوالي ثلاثين خيالاً من اليهودية وضواحي يافا فى طريقهم إلى أورشليم للاحتفال بالعيد، تعبر عندما كان كل شئ حول الصليب صامتاً، الجميع كانوا مملوءين بالرّعب والخوف. عندما نظروا يسوع مُعلقاً على الصليب، رأوا القسوة التى عُومل بها، وميزوا العلامات الاستثنائية لغضب الرب التي ملأت الطّبيعة، امتلئوا بالرّعب وصاحوا " لو لم يكن هيكل الرب في أورشليم، لكانت المدينة احترقت حتى الأرض لكونها آخذت على نفسها هذه الجريمة المخيفة ", هذه الكلمات التى جاءت من شفاه غرباء, بدوا كأشخاص ذوى شأن كبير, تركت تأثيراً عظيماً على الحاضرين وهمهمة عالية وصياحاً حزيناً قد سمع من كل جانب؛ تجمّع بعض الأشخاص سوية في مجموعات، مطلقين العنان لأحزانهم، ولو أن جزء من الحشد استمرّ يسب ويلعن كل من حوله.
أضطر الفريسيون أن يُظهروا نغمة أكثر تواضعا، لأنهم خافوا من عِصيان مسلَّح‏ بين الناس، لكونهم مدركين جيّداً للإثارة العظيمة الموجودة بين سكان أورشليم. لهذا استشاروا ابن أدار، القائد الروماني، واتفقوا معه أن تُغلق بوّابة المدينة، التي بجوار موضع الصليب، لمنع أى اتصال إضافي، وإنهم يجب أن يرسلوا إلى بيلاطس وهيرودس حوالي خمسمائة رجل ليمنعوا أى فرصة للتمرد، القائد الروماني، في أثناء ذلك كان يفعل كلّ ما فى قدرته ليحافظ على النظام ويمنع الفريسيون من إهانة يسوع، خشية أن يثير ذلك الناس.
بعد الساعة الثالثة بقليل بدأ النور يظهر ثانية، بدأ القمر يبتعد عن قرص الشّمس، بينما أشرقت الشّمس ثانية، ولو أن ظهورها كان خافتاً، لكونها محاطة بسّحب حمراء؛ أصبحت تدريجياً أكثر سطوعا، واختفت النّجوم، لكن السّماء كانت ما زالت كئيبة. استعاد أعداء يسوع روحهم المتغطرسة عندما رأوا النور يرجع؛ وعندئذ صاحوا : " ها هو ينادى إيليا "
كان يسوع يغيب عن الوعي تقريبا؛ لسانه كان جافاً وقال : " أنى عطشان " نظر التلاميذ إليه بأعمق تّعبير عن الحزن، أضاف يسوع " ألم تستطيعوا أن تعطوني قليلاً من الماء ؟ " بهذه الكلمات أعطاهم أن يفهموا بأنّ لا أحد كان سيمنعهم من فعل ذلك خلال الظّلمة. ملئ يوحنا بالنّدم وأجاب: " نحن لم نفكّر أن نفعل هذا يا رب " نطق يسوع ببضع كلمات أكثر، بمعنى : " إن أصحابي ومعارفي قد نسوني أيضاً، ولم يعطوني لأشرب، هذا ليتم المكتوب " هذا الإهمال قد أذاه كثيرا جدا ً" حينئذ عرض التلاميذ مال على الجنود ليأذنوا لهم أن يعطوه قليل من الماء لكنهم رفضوا، لكنهم غمّسوا إسفنجه في الخلّ الممزوج بالمر وكانوا على وشك أن يقدموها ليسوع، عندما آخذها منهم ابن ادار القائد الروماني، الذي تأثر قلبه وغمس إسفنجه فى بعض الخلّ وربطها إلى قصبة، وضع القصبة في نهاية رمح، وقدّمه ليسوع ليشرب. سمعت الرب يقول بضعة أشياء أخرى، لكنى أتذكّر فقط هذه الكلمات : " عندما سيصمت صوتي، ستُفتح أفواه الموتى"
حانت سّاعة يسوع أخيرا؛ كفاح موته قد شرع؛ انتشر العرق على كل أطرافه. وقف يوحنا عند قدم الصليب، ومسح قدمي يسوع بردائه. انحنت المجدلية بتذلّل‏ على الأرض بانسحاق تام وأسى خلف الصّليب. وقفت العذراء المباركة بين يسوع واللّص اليمين، مستندة على سالومة ومريم التى لكلوبا، وعيناها مثبّتتان على وجه ابنها المحتضر. حينئذ قال يسوع : " قد أُكمل " ورفع رأسه وصرخ بصوت عظيم " أبتاه، في يديك أستودع روحي." هذه الكلمات، التي نطقها بنبرة واضحة وعالية، دوّت خلال السّماء والأرض؛ وبعدها أنحني رأسه واسلم الروح.
لقد رأيت نفسه، بصورة تُشبه نيزك ساطع، تخترق الأرض عند موطئ الصّليب. ركع يوحنا والنّساء القديّسات ساجدين على الأرض. ثبت ابن ادار القائد الروماني عينيه بقوة على وجه يسوع، وقد غُمر بالكلية بكل ما حدث. عندما نطق يسوع كلماته الأخيرة، ارتجفت الأرض وتشققت صخرة الجلجثة، مًشكّلة هوّة عميقة بين صليب يسوع وصليب جيماس.
تردد صوت يسوع خلال كل الكون؛ وقد كسر الصّمت المهيب الذي تخلّل كل الطّبيعة. كل شئ قد تمّ. نفس يسوع تركت جسده: ملأت صرخته الأخيرة كل صدر بالرّعب. قدمت الأرض المشققة الإجلال إلى خالقها: طعن سيف الأسى قلوب أولئك الذين أحبّوه. هذه اللّحظة كانت لّحظة نّعمة لأبن ادار؛ ارتعد حصانه من تحته؛ تأثر قلبه؛ لقد كان قلبه كالصخر الصلب؛ ألقى برمحه بعيداً، قرع صدره وصرخ : " مُبارك يكون الإله العلى، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ حقا أن هذا الرّجل كان ابن الرب! " أقنعت كلماته عديداً من الجنود، التي تبعوا مثاله، وتحوّلوا أيضاً إلى الإيمان بيسوع ربا وفاديا .
اصبح ابن ادار من تلك اللّحظة إنساناً جديداً؛ مُمجداً الإله الحقيقي، ولم يعد يخدم أعدائه. أعطى حصانه ورمحه إلى ضابط اسمه كاسيوس، الذي، بعد ما خاطب الجنود ببضع كلمات، أمتطي جواده، واخذ على عاتقة السّيطرة على المكان. ترك ابن ادار حينئذ الجلجثة، وذهب إلى وادي جِيحُونَ إلى مغارات في وادي هنوم، حيث اختبأ التّلاميذ، وأعلن لهم عن موت يسوع، وذهب بعد ذلك إلى المدينة، ليلاقى بيلاطس.
ما أن أعلن ابن ادار شهادته على الملأ بإيمانه بألوهية يسوع، حتى تبعه عدد كبير من الجنود، كما فعل أيضا بعض من الموجودين، وكثير من الفريسيون قرعوا صدورهم باكين وعادوا إلى بيوتهم، بينما مزق آخرون ملابسهم وأهالوا التراب على رؤوسهم، وامتلأ الجميع بالرّعب والخوف. نهض يوحنا وأتت بعض من النّساء القدّيسات اللواتي كنّ على مسافة قصيرة إلى العذراء المباركة وأخذوها بعيدا عن الصّليب.
عندما أسلم يسوع، رب الحياة, روحه في يدي أبيه، وسمح للموت أن يملك على جسده، أرتجف هذا الجسد المقدّس وصار شاحباً جداً؛ بدت الجراح الغير معدودة التي تغطت بالدم المتجمد كعلامات داكنة؛ خداه صارا غائرين أكثر، أنفه أكثر تدبّبا، وعيناه اللذان قد حجبا بالدّم، بقيتا شبه مفتوحة. رفع رأسه المرهق، الذي كان ما زال متوّجاً بالأشّواك، للحظة، وبعد ذلك سقط ثانية في معاناة الألم؛ بينما شفاهه الجافّة والممزّقة كانت مُغلقة جزئيا وبدا لسانه دّمويا ومنتفخ. في لحظة الموت فُتحت يديه، التي كانت قد تقلّصت حول المسامير فى وقت من الأوقات، فُتحتا وعادتا إلى حجمها الطّبيعي وكذلك ذراعيه؛ جسده أصبح جثّة، وثقله بالكامل قد أُلقي على قدميه، ركبتاه انحنتا وقدماه التفتتا قليلا على جانب واحد.
ما من كلمات ممكن أن تُعبر عن أسى العذراء المباركة, عيناها منًغلقتان، شاحبة كالموتى؛ عاجزة عن أن تقف, فسقطت على الأرض، لكن النساء أقمنها سريعاً واستندت على يوحنا والمجدلية والآخرون. نظرت أكثر من مرة على ابنها الحبيب, ذلك الابن الذي حبلت به من الروح القدس، إنه لحم من لحمها وعظم من عظامها وقلب من قلبها, على الصليب بين لّصين؛ مخزياً ومصلوباً، مُداناً من قبل من جاء إلى الأرض كي يخلصهم؛ ولعله جيّداً أن تُلقب في تلك اللّحظة بـ " ملكة الشهداء. "
الشّمس ما زالت تبدو خافتة؛ وخلال وقت الزّلزال كان الهواء راكداً وثقيل الوطأة‏، لكن مع الوقت اصبح صافياً ومتجدداً .
عندما مات يسوع كانت حوالي الساعة الثالثة. كان الفريسيون في بادئ الأمر مرتعبين من الزّلزال؛ لكن عندما مرت الصّدمة الأولى استعادوا أنفسهم، بدءوا يلقون الأحجار في الهوّة، وحاولوا أن يقيسوا عمقها بالحبال. اكتشفوا إنهم لا يستطيعوا أن يقيسوا عمق قاعها، اصبحوا مستغرقين في التفكير‏، يستمعون بقلق‏ إلى آهات النّادمين، الذين كانوا ينوحون ويقرعون صدورهم، وبعد ذلك تركوا الجلجثة. آمن عديد من الموجودين حقا، والجزء الأعظم منهم عاد إلى أورشليم مغلّوباً تماما بالخوف.
وُضع الجنود الرومان علي الأبوّاب وفي الأجزاء الرئيسية الأخرى من المدينة، ليمنعوا احتمال التمرد. بقى كاسيوس على الجلجثة مع حوالي خمسين جندياً. وقف رفاق يسوع حول الصّليب، يتأمّلون الرب ويبكون؛ عديد بين النّساء القدّيسات رجعن إلى بيوتهن، وكنّ صامتات ومغلّوبات بالأسى.
  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:02 PM   رقم المشاركة : ( 73 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي


تأمل الرب يسوع


ها صليبي يَرْفعُ الآن. ها هى سّاعةُ افتداء العالمِ! أنا المشهد الذى سخرت منه الجموع ِ ....ِ لكنى أيضا من وقرته وأحبته النفوس. إن هذا الصّليبِ، حتى تلك اللحظة, كان آداه التّعذيبِ حيث يلقى المجرمون عليه حتفهم ، أنه سيصْبَحُ، من الآن فصاعداً، نور وسلام العالمِ.
سَيَجدَ الخطاة مغفرة وحياة في كتبي المقدسةِ. أن دمائي سَتَغْسلُ وتَمْحو آثامهم. النفوس النقية سَتَأتي إِلى جراحي المقدّسةِ كى تُنعش نفسها وكي يتأججون في محبّتي. سَيَأْخذونَ فيها ملجأً وسَيَجْعلونهاَ مسكنهم إلى الأبد.
أبتاه، أَغْفرُ لهم لأنهم لا يَعْرفونَ ما يفعلونَ، إنهم لم يتعَرفوا على من هو حياتهم.... لقَدْ تخلصوا من كل ضراوة ظلمهم فيه. لكنى أناشدك يا أبى! أطلقْ عليهم قوةَ رحمتكِ.
اليوم سَتَكُونُ معي في الفردوس، لأن إيمانكَ برحمةِ مُخلّصك قَدْ مَحا جرائمكَ. أن الرّحمة تَقُودكِ نحو الحياةِ الأبدية .
يا امرأة، هو ذا ابنك! يا أمي، ها هم أخوتي! أحميهم، أَحْبيّهم... إنهم لَيسوا بمفردهم .
وأنتَم، يا من بذلت حياتي من أجلهم، ها أنتم لديكم الآن الأمُ التي تستطيعون أَنْ تُناشدوها من أجل كل احتياجاتكم. لقَدْ وَحّدتُكم جميعاً بأشدِّ الأربطة عندما أعطيتكم أمي .
النفس يحق لها الآن أَنْ تَقُولَ ِلربها " إلهى, إلهى, لماذا تَركتني؟ " في الواقع، بعد أن حققت سر الفداء، الإنسان قد أَصْبَحَ ابن الرب مرة أخرى، صار أخاً ليسوع، وصار وارثاً للحياةِ الأبدية ....
أه يا أبتاه..... أنا عطشانُ لمجدكَ .... وقد حانت السّاعةِ. من الآن فصاعداً، ستتُحققُ كَلِماتي، سَيَعْرفُ العالم أنّك أنت من أرسلتني، وأنك ستكون مُمَجّدُاً!
أنا عطشانُ لمجدكَ، عطشان للنفوس.... وكي أَرْوي هذا العطشِ، سكبت دمي حتى القطرة الأخيرة! لهذا السبب أستطيع أَنْ أقول: قد أُكمل. أن سر الحب العظيم قَدْ أُكمل الآن؛ السر الذى من أجله قد تنازل الرب عن أبنه إِلى العالم كى يُعيدَ الحياة إِلى الإنسان .....لقد أتيت إِلى الأرضِ كى أَعمَلُ مشيئتك، أه يا أبى. إنها قد كمُلت الآن!
بين يديك, أستودع روحي. بهذه الطريقة تستطيع النفوس التي تَتممُّ مشيئتي أَنْ تقول بصدق " الكل قد أُكملُ " يا ربى وإلهي، تَسلمُ روحي....أنى أَضعها في يديكَ المحبوبتين .
لقد قدمت موتي إِلى أبي من أجل النفوس المحتضرةِ، وهم سَيكونُ لهم حياةُ. بصرختي ِ الأخيرة التى أطلقتها من على الصّليبِ، عَانقتُ كل الإنسانيةِ: الماضية والحاضرة والآتية. فورة النشاط القوية التى حررت بها نفسي من الأرضِ، قَدْ تلقيتها من أبى بحبِّ لانهائيِ، واغتبط كل السمائيين بها لأن إنسانيتي كَانَت داخلة في المجدِ. فى نفس اللّحظةِ التي أسلمتُ فيها روحي، قَابلتني حشود من النفوس : أولئك الذين رَغبوني من قرونَ مضت وأولئك الذينَ رَغبوني قبل بضعة شهور أو من أيام مضت، لكنهم جميعاً رَغبوني بشدة. هذه البهجةِ كَانتْ كافيةَ لتعوض عن كل المصاعبِ التى عَانيتْها.
يَجِبُ أَنْ تَعْرفَوا أنّ تذكارِ ذلك الاجتماع البهيجِ، حملني على أن أقَرّر أَنْ أُساعدَ المحتضرين وكثيراً من المرات صنعت هذا جهاراً, أنى أَعطيهم الخلاص لأُكرم أولئك الذين استقبلوني بمودّة في السّماءِ. لذا صلّوا من أجل هؤلاء المحتضرين، لأني اَحْبّهم كثيراً. فى كل مرة ستطلقون الصرخة الأخيرةَ التي قدمتها إِلى الأبِ، ستكونوا مُسْموَعُين لأن نفوساً كثيرة ستُعطي لي من خلال تلك الصرخة،
لقد كانت لحظة مبهجةِ عندما تجمّعتْ سوياً كل القوات السّماويةِ باغتباط مَنتظرةَ موتي، لقَدْ تقدّمَت نحوى. لكن من بين كل النفوس التي أحاطتني، كانت توجد نفس قَدْ غُمِرَت بوضوح، غُمرَت كثيراً، نفس كانت تتَلألأَ بالفرح، بالحب ... إنه يوسف الذى كان أكثر من أي شخص آخر، يفَهمَ المجدَ الذى اكتسبتُه بعد هذه المعاركِ القاسية. لقد قادَ كل النفوس التي كَانَت تَنتظرني؛ لقَدْ مُنِحَ أنْ يَكُونَ سفيري الأولَ فى عالم الانتظار. الملائكة برتبها، قدموا لى الإكرام بحيث أنّ بشريتي، المتألقة بالفعل، قَدْ أحيطت بعدد غير محدود مِن القديسين الذين وقروني ومَجّدوني.
أبنائي، لا توجد هناك صلبانُ مجيدةُ على الأرضِ؛ أنها كلها مُغلفة بالغموض وبالظّلمةِ وبالغضبِ. بالغموض لأنكم لا تَفْهمونها؛ بالظّلمةِ لأنها تُربك العقلَ؛ وبالغضبِ لأنها تَضْربُ بالضبط في المواضع التى لا تريدوا أن تضرب فيها.
لا تَنُوحواُ؛ لا تتوانوا. أنى أقول لكم أننى لم أحمل فقط الصّليبَ الخشبيَ الذي قادني نحو المجد، بل قبل كل شيء، حملت ذلك الصليب المخفيِ لكنه دائمَ الذي قَدْ تكون من صلبانِ آثامكمَ. نعم، ومن صلبان آلامكمَ. أن كل ما تَعانون منه كَانَ موضوع أحُزاني، لأنى لم أتألم فقط كى أَهبكم الفداء، بل أيضا من أجل ما ينبغي عليكم أَنْ تَعانوا منه اليوم. انظرْوا إلى الحبِّ الذي وَحّدني بكم؛ أن فيه تأكيداً لمشيئتي الإلهية فى توَحيّدْ نفوسكم بي، مُلاحظين كيف أنى عملت بمرارةِ بلا حدودِ.
لقَدْ اتَخذتُ قطعة من الخشب كرمزِ، صليب. لقَدْ حَملته بحبِّ عظيمِ، من أجل خير الجميع. لقَدْ عَانيتُ مأساة حقيقية لكي يستطيع كل شخصَ أَنْ يبتهج معي. لكن اليوم، كم نفساً تؤمن بمن أَحْبّكمَ حقاً ومازال يَحْبّكمَ؟ تأملوني وأنا بصورةِ المسيحِ الذي بْكى وَنْزفُ. هناك وبهذه الطريقة يستطيع العالم أن يتناولني.


  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:02 PM   رقم المشاركة : ( 74 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الحادي والخمسون
الزّلزال
ظهور الموتى في أورشليم




لقد رأيت نفس يسوع، في لحظة موته، تظهر على شكل شبه نيزك ساطع يخترق الأرض عند موطئ الصّليب وترافقها الملائكة، من بين الذين ميّزتهم كان الملاك غبريال. رأيت هذه الملائكة تلقي بعدد من الأرواح الشّريّرة في هاوية عظيمة، وسمعت يسوع يأمر بعض النفوس التى في عالم النسيان أن تدخل الأجساد التي سكنوها ذات مرة، لكى يملأ منظرها الخطاة بمخافة ذات فائدة، وأن تؤدى هذه النفوس شهادة مهيبة عن لاهوته.
ألحق الزّلزال الذي انتج الهوّة العميقة في الجلجثة أضراراً عظيمة فى كثير من أجزاء إسرائيل، لكن تأثيره كان أعظم في أورشليم. كان سكانها فى بداية اطمئنانهم بعودة ظهور الشمس، عندما أرعبتهم اهتزازات الزّلزال والضوضاء والفزع الرهيب الذى سببه انهيار البيوت والجدران من كل جانب، وازداد فزعهم بالظّهور المفاجئ لأشخاص من بين الأموات، يواجهون الفاجرين المرتجفين الذين كانوا يهربون كي يخفوا أنفسهم، ويخاطبونهم بلهجة حادّة وبتّأنيب.
نصح رؤساء الكهنة الشعب أن يواصلوا ذبح حمل الفصح الذى توقّفت بسبب الظّلمة الغير متوقّعة، وكانوا مبتهجين بالنّصر‏ بعودة ضياء الشمس، عندما اهتزت الأرض فجأة من تحتهم، انهارت البنايات المجاورة، وأنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل. في بادئ لأمر, الرّعب جعل الذين فى الخارج صّامتين، لكن بعد فترة انفجروا في الصراخ والبكاء.
كانت الحشود التى داخل الهيكل عظيمة، لكن الطقوس كانت منفذة بمهابة من قبل الكهنة. جاءت أولاً تقدمة الحمل، ثم رُش دمه، متبوعاً بترتيل الأناشيد الدينية وهتاف الأبواق. كان الكهنة يسعون إلى الاستمرار فى الذبائح، عندما نشاء فجأة توقف مروّع غير متوقّع؛ تمثّل الرّعب والدّهشة على كل وجه؛ الكل كان مرتبكاً؛ لا صوت قد سُمع؛ توقف الذبح ؛ كان هناك اندفاع عامّ نحو أبوّاب الهيكل؛ كانت الجموع تسعى للهرب سريعاً بقدر ما تستطيع. أزداد الفزع والخوف؛ بظهور أشخاص سبق أن كانوا فى عداد الأموات ودفنوا منذ عدة سنوات في وسط الجموع! نظر هؤلاء الأشخاص إليهم بصرامة، ووبّخوهم بشدة على الجريمة التى ارتكبوها فى ذلك اليوم، بجلب الموت للإنسان البار وصياحهم بأن دمه على رؤوسهم. حتى في وسط هذا الارتباك، كانت تُبذل بعض المحاولات من قبل الكهنة للمحافظة على النظام؛ حاولوا منع من كانوا في الجزء الدّاخلي من الهيكل من الاندفاع للأمام، وتقدموا وسط الحشود التى كانت تتقدمهم، ونزلوا الدرجات التى تقود إلى خارج الهيكل: حتى إنهم استمروا فى الذبائح في بعض الأجزاء، وسعوا إلى أن يهدّئوا من رعب الناس.
قيافا وحاشيته لم يفقدوا صوابهم، وبالهدوء الذى اكتسبوه بقساوة قلوبهم، هدئوا الاضطراب إلي درجة عظيمة، وبعد ذلك فعلوا ما بوسعهم ليمنعوا الشعب من النّظر إلى هذه الأحداث الهائلة كشهادة عن براءة يسوع. أدت الحامية الرّومانية التى تخص قلعة أنطونيا جهوداً عظيمة للمحافظة على النظام؛ ولذلك، اضطراب الاحتفال بالعيد لم يتلوه شغب، ولو أن كل قلب أمتلئ بالخوف والقلق، القلق الذي سعى الفريسيون, وفي بعض الحالات بنجاح, أن يهدّئوه.
أنى أتذكّر بضع أحداث أخرى: بالدرجة الأولى، العمودان اللذان علي مدخل قدّس الأقداس، واللذان يوجد بينهما حجاب فخم، لقد تأرجحا حتى أساساتهما؛ العمود الذى على الجانب الأيسر سقط فى اتجاه الجنوب، والذي على الجانب الأيمن سقط في اتجاه الشمال، وهكذا أنشق حجاب الهيكل لنصفين من أعلى إلى أسفل بصوت رهيب، وأنكشف قدّس الأقداس إلى نّظر العامّة. أنحلّت حجارة كبيرة وسقطت من الحائط الذى في مدخل القدّس، بالقرب من الموضع الذى كان يسجد فيه سمعان الشيخ، وأنكسر القوس. ارتفعت الأرض لأعلى، وسقطت عديد من الأعمدة الأخرى في أجزاء أخرى من الهيكل.
ظهر الكاهن الأكبر زكريا، الذي ذُبح بين الهيكل والمذبح، لقد شوهد في القدّس ونطق بتهديدات رهيبة، تكلّم عن موت زكريا الثّاني , وعن موت يوحنا المعمدان، وأيضا عن الموت العنيف للأنبياء الآخرين. أبني الكاهن الأكبر سمعان, المُلقب بالبار ، ظهرا في الجزء الذى يشغله فى العادة مُعلمي الناموس؛ تكلّما أيضا بتّعبيرات رّائعة عن موت الأنبياء، عن ذبائح العهد القديم التي على وشك أن تتوقّف الآن، وقد حثّوا كل الموجودين على أن يؤمنوا بالرب يسوع كرب وفادي وأن يعتنقوا التعاليم التي أوصى بها. ظهر أيضاً النبي أرميا؛ ووقف قرب المذبح، وصرّح، بنبرة تهديد، أن الذبائح القديمة قد أتت لنهايتها، وأن ذبيحة جديدة قد بدأت.
بنما كانت تحدث ظّهورات أخرى فى الأجزاء التى لا يُسمح لأحد بالدخول فيها إلا للكهنة، كان قيافا وبضع من الآخرون فقط من يميزونها، وقد سعوا بأقصى ما يستطيعون، أمّا أن ينكروا حقيقتها، أو أن يخفونها. هذه الأعاجيب قد تليت بأعاجيب أخرى أكثر روعة. انفتحت أبواب القدّس من تلقاء نفسها، وسُمع صوت ينطق بهذه الكلمات : " فلنترك هذا الموضع " ورأيت كل ملائكة الرب تترك الهيكل فى الحال. الاثنين والثّلاثين فريسي الذين ذهبوا إلى الجلجثة قبل وقت قصير من موت يسوع آمنوا جميعهم تقريبا وهم عند الصّليب. رجعوا إلى الهيكل في وسط الفوضى، وكانوا مصعوقين تماما من كل ما حدث هناك. تكلّموا بصرامة إلى حنّان وقيافا، وتركوا الهيكل. حنان الذى كان دوماً من أكثر أعداء يسوع كراهية، وترأّس كل إجراء أُتخذ ضده؛ كان للأحداث الخارقة التي حدثت تأثيراً عظيماً على أعصابه حتى أنه لم يكن يعرف أين يخفي نفسه. قيافا كان منتبّه جداً وممتلئ بالقلق، لكن كبريائه كان عظيماً جدا حتى أنه أخفى مشاعره بأقصى ما يستطيع، وسعى أن يطمئن حنّان. نجح لبعض الوقت؛ لكن الظّهور المفاجئ للأشخاص الذين سبق أن ماتوا منذ عديد من السنوات أفسد تأثير كلماته، وصار حنّان مرة أخرى فريسة للرّعب والخوف والندم.
بينما كانت هذه الأشياء تحدث في الهيكل، لم تكن الفوضى والرّعب في أورشليم أقل. أشخاص أمواتاً كانوا يتجولون فيها، وعديد من الجدران والبنايات قد اهتزّت بالزّلزال وانهارت أجزاء منها. خَوْف بيلاطس مِن المجهول‏ أفزعه؛ وصمت تماما من الرّعب؛ اهتزّ قصره إلى أساساته ومادت الأرض تحت قدميه. ركض بتهور من غرفة إلى غرفة، والموتى وقفوا بشكل ثابت أمامه، يوبخونه عن الحكم الجائر الذى أصدره ضد يسوع. لقد ظن إنهم آلهة الجليلي، والتجأ إلى غرفة داخلية، حيث قدم بخور ونذر نذور لأصنامه ملتمساً معونتهم. هيرودس كان مضطرباً هو أيضاً؛ لكنه أغلق قصره على نفسه، كي لا يبصره أحد .
أكثر من مائة شخص من الذين ماتوا في عهود مختلف عادوا ودخلوا الأجساد التى شغلوها عندما كانوا على الأرض، ظهروا في مختلف أجزاء أورشليم، وملئت ساّكنيها بذّعر متعذر وصفه. تلك النفوس التي أُطلقت من قبل يسوع من عالم النسيان كشّفت وجوهها وتجوّلت ذهابا وإيابا في الشّوارع، ومع أن أجسادهم كانت نفس الأجساد التي عاشوا فيها عندما كانوا على الأرض، إلا أن هذه الأجساد ما ظهرت تمسّ الأرض بينما كانت تسير. دخلوا بيوت ذويهم وأعلنوا براءة يسوع، ووبّخوا الذين شاركوا في موته بشدة. لقد رأيتهم يعبرون الشّوارع الرّئيسية؛ وكانوا يسيرون أزواجاً، وظهروا لي وكأنهم ينزلقون على الهواء بدون أن يحركوا أقدامهم. وجوه البعض كانت شاحبة؛ الآخرون كانوا بصبغة صفراء؛ لحاهم كانت طويلة، وأصواتهم كانت غريبة وكئيبة. أكفانهم كانت الأكفان التى كانت قيد الاستعمال في زمن موتهم. عندما وصلوا المكان الذى أُعلن فيه حكم الموت ضد يسوع قبل أن يبدأ الموكب نحو الجلجثة، توقّفوا للحظة، وصاحوا في صوت عالي : " المجد ليسوع إلي الأبد، والإبادة لأعدائه! ". فى نحو الساعة الرابعة عاد كل الموتى إلى قبورهم. الذبائح في الهيكل كانت قد قوطعت، والفوضى التى سببتها الأعاجيب المختلفة كانت عظيمة جدا، حتى أن بضع أشخاص أكلوا حمل الفصح فى ذلك المساء.
  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:03 PM   رقم المشاركة : ( 75 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الثاني والخمسون

طلب يوسف الرامى لجسد يسوع


ما أن بدأ الاضطراب الذي ساد المدينة أن ينحسر، حتى أرسل اليهود الذين من المجلس إلى بيلاطس يطلبون أنّ تُكسر سيقان المصلوبين، لكى تنتهي حياتهم قبل فجر السبت. أرسل بيلاطس جنود فى الحال إلى الجلجثة لينفّذوا رغباتهم.

سمع يوسف الرامى عن موت يسوع، وقرر هو ونيقوديموس أن يدفناه فى قبر جديد شيده يوسف في نهاية حديقته التى لم تكن بعيدة عن الجلجثة. كان بيلاطس ما زال قلقاً ومهموماً، وتعجب كثيراً برؤية شخص ذو مكانة عالية مثل يوسف يحرص على أن يُعطى إذن بدفن مجرم بكرامة بالرغم من أدانته بأن يصلب بشكل مخزي. طلب بيلاطس ابن ادار القائد الروماني، الذي عاد إلى أورشليم بعد أن تشاور مع التّلاميذ الذين اختبئوا في المغائر، وسأله إن كان ملك اليهود قد مات حقا. قدم ابن ادار تقريراً مُفصلاً لبيلاطس عن موت يسوع وكلماته الأخيرة وصرخته العالية التى نطقها قبل الموت، والزّلزال التي أنتجت الهوّة العظيمة في الصّخور. الشيء الوحيد الذي فاجأ بيلاطس كان الموت السريع ليسوع، حيث أن الذين صلبوا من قبل كانوا يعيشون لفترة أطول فى المعتاد؛ لكن مع أنه قال كلمات قليلة جدا، إلا أن كل كلمة نطقها يوسف الرامى زادت من فزعه وندمه. أعطى بيلاطس ليوسف مطلبه على الفور، والذي من قبله قد خوّل له أن يُنزل جسد ملك اليهود من على الصّليب، وأن يؤدّي طقوس الدفن حالا. بدا بيلاطس أنه يسعى بمنحه هذا الطّلب، أن يُعوض ولو بدرجه عن تصرفه السابق القاسي والظّالم، وكان سعيداً جداً أيضاً بأن يفعل ما هو متأكد أنه يغيظ الكهنة بشدة، لأنه يعرف أن رغبتهم كانت أن يُدفن يسوع بشكل مخزي بين اللّصين. فبعث رسول إلى الجلجثة ليتحقق من تنفيذ أوامره. أنى أعتقد أن الرّسول كان ابن ادار، لأنى رأيته يساعد في إنزال يسوع من على الصّليب.
عندما غادر يوسف الرامي قصر بيلاطس، انضمّ إليه فوراً نيقوديموس، الذي كان ينتظره في دار امرأة تقية، غير بعيدة من ذلك الممر الذى كان يسوع يُساء فيه معاملته على نحو مُهين عندما شرع فى حمل صليبه. كانت المرأة بائعة أعشاب عطرية، واشتري نيقوديموس منها عديد من العطور الضرورية لتطييب جسد يسوع. لقد دبّرت بمشقّة‏ أنفس الأنواع من أماكن عديدة، وخرج يوسف الرامى ليبتاع لفائف كتانية ناعمة. أحضر خدامه السلالم والمطارق وكلابات وأواني ماء وإسفنج من مبنى مجاور, ووضعوهم على عربة يد تشبه تلك التى حمل عليها تلاميذ يوحنا المعمدان جثمانه عندما حملوه من القلعة .
  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:03 PM   رقم المشاركة : ( 76 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الثالث والخمسون
طعن جنب يسوع
موت اللّصين



ساد الصمت حول الجلجثة بينما كانت تحدث هذه الأحداث في أورشليم. تفرّقت الجماهير التي كانت منذ وقت قصير صاخبة وهائجة؛ الكل كان مذعوراً؛ مشهد ذلك الرّعب قد انتج توبة صادقة فى البعض, لكن البعض الآخر لم يُحدث تأثير ذو قيمة.
كل من العذراء مريم ويوحنا والمجدلية ومريم التى لكلوبا وسالومه ظلوا أمام الصليب أمّا واقفين أو جالسين أمام الصّليب يبكون بصمت. كان هناك بضع جنود يتكئون على مِصْطَبَة‏ بقرب الربوة؛ كاسيوس كان يروح ويجئ؛ السّماء كانت مكفهر‏ة، واكتست كل الطّبيعة بالحداد. ظهر ستة جنود جالبين معهم سلالم وجواريف وحبال وهراوات حديدية كبيرة لأجل كسر سيقان المصلوبين، ليعجّلوا بموتهم. عندما اقتربوا من صليب يسوع، تراجع رفاقه بضع خطوات للخلف وغشي العذراء المباركة الخوف خشية أن يُطلِقون العِنان لكراهيتهم ليسوع بإهانة حتى جسده الميت. لم يكن خوفها بلا أساس، لأنهم عندما وضعوا سلالمهم على الصّليب أعلنوا أنّه فقط يدعى الموت؛ في بضع لحظات رأوا أنّه كان بارداً ومتصلباً، تركوه، وأزالوا سلالمهم إلى الصّليبين اللذين كان لا يزال اللّصين معلّقين عليهما أحياء. رفعوا هراواتهم الحديدية وكسروا أذرع اللّصين من أعلى وأسفل المرفق؛ بينما كسر جندي آخر في نفس اللحظة سيقانهما، من أعلى وأسفل الرّكبة. أطلق جيماس صرخات مخيفة، لهذا قتلوه بثلاث ضربات من هراوة ثقيلة على صدره. أطلق ديماس آهة عميقة ومات: لقد كان الأول بين الهالكين الذي كان لديه الفرح بالانضمام ثانية إلى فاديه. ثم حلوا الحبال وسقط الجسدان على الأرض، وجرهما الجنود إلى مستنقع عميق، بين الجلجثة وأسوار المدينة، ودفنوهما هناك.
كان الجنود ما زالوا مرتابين من موت يسوع، والوحشية التى أظهروها في كسر سيقان اللّصين جعلت النّساء القدّيسات يرتعدن لما يمكن أن يرتكبونه ضد جسد يسوع. لكن كاسيوس، الضّابط الشاب الذى كان فى حوالي الخامسة والعشرون من العمر، قد أنير فجأة بالنّعمة، وتأثر تماما من التّصرف القاسي للجنود ومن الحزن العميق للنّساء القدّيسات، فقرر أن يهدأ قلق الجنود بإثبات أن يسوع قد مات حقاً. شفقة قلبه حثّته، لكن بشكل غَيْر مقصود‏ منه, لتتحقق النبوءة, أخذ رمحه في كلتا يديه ودفعه بالكامل في الجانب الأيمن ليسوع إلى درجة أنه اخترق القلب وظهر من الجانب الأيسر. عندما أخرج كاسيوس رمحه من الجرح تدفق منه دّما وماء على وجهه وجسده. هذه النوع من الاغتسال انتج تأثيرات مشابهة لتأثير مياه المعمودية: النعمة والخلاص دخلا نفسه فى الحال. قفز من على حصانه وألقى بنفسه على ركبتيه وقرع صدره، واعترف بصوت عالي أمام الجميع بإيمانه الراسخ بألوهية يسوع.
العذراء المباركة ورفيقاتها كن لا يزلن واقفات قريبا وأعينهم مثبّتة على الصّليب، لكن عندما دفع كاسيوس الرمح في جانب يسوع كن مذهولات، وأسرعن عائدين له. بدت مريم وكأن الرّمح قد طعن قلبها هى وليس قلب ابنها الإلهي، وبالكاد استطاعت أن تسند نفسها. كاسيوس ظل ساجداً أثناء ذلك وشكر الرب، ليس فقط عن النّعم التى نالها بل أيضاً على شفاء عينيه، التي كانت مصابة بالضّعف والحول. هذا العلاج اثّر في نفس اللّحظة على الظّلمة التي كانت تملأ نفسه سابقا وقد أزيلت الآن.
تعمّد كاسيوس باسم لونجينوس وصار برتبة شمّاس، وبَشَّر بالإيمان. وحفظ دائما البعض من دماء السيد المسيح، ووجدوها داخل تابوته بإيطاليا.
تأثر كل قلب من منظر الدماء التى تدفقت من يسوع والتي سالت إلي تجويف‏ فى الصّخر عند موطئ الصّليب. جمّعت العذراء مريم ويوحنا والنّساء القديّسات وكاسيوس الدّماء والماء في قوارير، ومسحوا من تبقى بقطع من الكتان.
كاسيوس، الذي أستعاد قوة أبصاره, انفتحت تماما عيني نفسه في نفس اللّحظة، لقد تأثر بعمق، واستمرّ فى صلاته لشّكر الرب. أصيب الجنود بالدّهشة من المعجزة الذي حدثت، والقوا أنفسهم على ركبهم بجانبه، قارعين في نفس الوقت صدورهم مُعترفين بيسوع. استمر الماء والدّم يتدفّقان من جرح يسوع الكبير الذى في جنبه؛ حتى أنه سال نحو تجويف في الصّخر والنساء القدّيسات يضعنه في آواني، بينما العذراء مريم والمجدلية يمزجنه بدموعهم. تسلم الجنود رسالة من بيلاطس، يأمرهم فيها بألا يمسّوا جسد يسوع.
حدثت كل هذه الأحداث قرب الصّليب، قبل الرابعة بقليل، بينما كان يوسف الرامى ونيقوديموس يجمّعان سوية الأشياء الضرورية لدفن يسوع. لكن خدم يوسف الرامى بعد ما أرسلوا لينظّفوا القبر، أخبرهم رفاق يسوع أن سيدهم نوى أن يأخذ جسد يسوع ويضعه في قبره الجديد. عاد يوحنا فى الحال إلى المدينة مع النّساء القديّسات؛ لكى تستعيد العذراء قوتها قليلا، ولكى يشتري بعض الأشياء التي ستتطلّب للدّفن. كان للعذراء المباركة مسكناً صغيراً قريباً بين البنايات. لم يدخلوا المدينة من خلال البوّابة التي كانت بقرب الجلجثة، لأنها أغلقت، وكانت تحت حراسة الجنود الذين وضعوا هناك من قبل الفريسيون؛ لكنهم ذهبوا خلال تلك البوّابة التي تقود إلى بيت لحم.

  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:04 PM   رقم المشاركة : ( 77 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الرابع والخمسون
وصف لبعض أجزاء أورشليم العتيقة


البوّابة التي تقع على الجانب الشّرقي من أورشليم، جنوب الركن الجنوبي الشرقي من الهيكل، كانت تقود إلى ضاحية أوفيل. بوّابة الخراف كانت تقع شمال شرق ركن الهيكل. بين هاتين البوّابتين كانت توجد بوابة تقود إلى بعض الشّوارع التى تقع شرق الهيكل، ومعظم سكانها من البناءين وعمّال آخرين. تخص معظم البيوت التى في هذه الشّوارع نيقوديموس، حيث أته هو الذي بناها وكان يشغلها العمّال الذين كانوا يعملون معه. كان نيقوديموس قد شيد منذ وقت ليس بطويل بوّابة جميلة كمدخل إلى هذه الشّوارع، دعاها بوّابة الموريا. كان قد أنتهي للتو من استكمالها، ومنها دخل يسوع المدينة فى أحد السعف. هكذا دخل من البوّابة الجديدة لنيقوديموس. ولم يكن أحد قد عبر منها بعد، ودفن في قبر جديد ليوسف الرامى، لم يكن أحد قد دُفن به بعد. هذه البوّابة قد سُددت الآن بالحجارة، وكان هناك تقليد أن يدخل المسيحيين المدينة من خلالها. حتى في الوقت الحاضر، البوّابة المسدودة تدعى من قبل الأتراك بالبوّابة الذّهبية.
الطّريق الذى يقود إلى الغرب من بوّابة الخراف يوجد بالضبط على الجانب الشمال الغربي لجبل الجلجثة. من هذه البوّابة حتى الجلجثة مسافة حوالي ميلين وربع؛ ومن قصر بيلاطس إلى الجلجثة حوالي ميلين. قلعة انطونيو تقع شمال غرب جبل الهيكل، على صخرة مستقلة. الشخص الذى يذهب نحو الغرب من قصر بيلاطس، كان عليه أن يجعل هذه القلعة على يساره. على أحد أسوارها كانت توجد شرفة تُطِلّ‏ على المحكمة، والتى أعتاد بيلاطس أن يصدر منها بياناته إلى الشعب: لقد فعل هذا، على سبيل المثال، عندما أعلن القوانين الجديدة.
عندما كان المسيح يحمل صليبه داخل المدينة، كان جبل الجلجثة على يمينه. هذا الطّريق، يتجه إلي الناحية الجنوبية الغربية، ويقود إلى بوّابة في سور داخلي للمدينة، فى اتجاه صهيون. خلف هذا السور، إلى اليسار، كانت توجد ضّاحية، تحتوي على حدائق أكثر مما تحتوى على منازل؛ وفى اتجاه السور الخارجي للمدينة توجد بعض القبور لها مداخل من حجارة. على هذا الجانب كانت توجد دار تخص لعازر بحدائق جميلة، تمتدّ قليلاً نحو جزء يتحول فيه السور الخارجي الغربي من أورشليم إلى الجنوب. أنى أعتقد أنّ هذا باب خاصّ صغير، جُعل في سور المدينة، ومن خلاله كان يسوع وتلاميذه يعبرون غالبا بسماح من لعازر ويقود إلى هذه الحدائق.
البوّابة التى توجد فى الركن الشمال الغربي للمدينة تقود إلى بيت صور، التي تقع نحو الشّمال من عمواس ويافا. الجزء الغربي من أورشليم كان منخفض من أي جزء آخر: كانت الأرض تنحدر أولا إلي اتجاه السور المحيط بها، ثم ترتفع ثانية عندما تقترب منه؛ وعلى هذا المنحدر توجد حدائق ومزارع عنب، يوجد خلفها طريق مُتسع يقود إلى الأسوار والأبراج. عند الجانب الآخر، تنحدر الأرض بدون السور نحو الوادي، حتى أن الأسوار التى تحيط بالجزء المنخفض من المدينة تبدو كأنها بنيت على شرفة عالية. توجد هناك حدائق ومزارع عنب على التّل الخارجي حتى في الوقت الحاضر. عندما وصل يسوع إلي نهاية طريق الصّليب، كان على يساره ذلك الجزء من المدينة حيث كان توجد هناك كثير جدا من الحدائق؛ ومن ذلك المكان‏ كان سمعان القيروانى أتياً عندما لاقى الموكب.
البوّابة التى غادر يسوع منها المدينة لم تكن تواجه الغرب بالكامل، بل تواجه الجنوب الغربي. سور المدينة على الجانب الأيسر، بعد المرور من البوّابة، يجرى في اتجاه الجنوب قليلاً، ثم يتجه نحو الغرب، وبعد ذلك إلى الجنوب ثانية، حول جبل صهيون. عند هذا الجانب يوجد برج كبير، مثل القلعة. البوّابة التى ترك يسوع المدينة منها لا تبتعد كثيرا عن بوّابة أخرى نحو الجنوب، تقود لأسفل الوادي وحيث طريق يتجه إلى اليسار في اتجاه بيت لحم. يتجه الطّريق إلى الشّمال نحو جبل الجلجثة بعد قليل من تلك البوّابة التى ترك يسوع منها أورشليم عندما حمل صليبه. جبل الجلجثة كان شديد الانحدار على جانبه الشّرقي مواجهة المدينة، ويهبط تدريجياً فى جانبه الغربي؛ وعلى هذا الجانب، يُري الطّريق إلى عمواس، كان هناك حقل، رأيت لوقا فيه يجمّع بضع نباتات عندما كان هو وكلوبا ذاهبان إلى عمواس، وقابلا يسوع في الطريق. قرب الأسوار، على شّرق وجنوب الجلجثة، كانت هناك حدائق وقبور ومزارع عنب. الصّليب كان قد دفن على الجانب الشمالي الشرقي، في سفح جبل الجلجثة .
يقع بستان يوسف الرامى قرب بوّابة بيت لحم، على مسيرة سبع دقائق من الجلجثة: كان بستانا جميلا جدا، بأشجار طّويلة وجسور وتعاريش، جعلت به ظلال كثيرة، ويقع على أرض صاعدة ممتدّة إلى أسوار المدينة. الشخص الذى يجيء من الجانب الشّمالي للوادي ويدخل البستان كان على يساره ربوه صغيرة تمتد حتى سور المدينة؛ وعلى يمينه، في نهاية البستان، صخرة منفصلة، حيث تقع مغارة القبر. المغارة التي قد جُعل القبر فيها تقع فى اتجاه الشّرق؛ وعلى الجوانب الجنوبية الغربية والشمالية الغربية لنفس الصّخرة كان يوجد قبران آخران أصغر، كانا جديدان أيضا وبواجهة ضيقة.
كان يوجد ممر، يبدأ على الجانب الغربي لهذه الصّخرة ويلتف حولها. الأرض التى أمام القبر كانت أعلى من الأرض التى أمام مدخله، والشخص الذى يرغب أن يدخل المغارة كان عليه أن ينزل بضع درجات. كانت المغارة كبير تسع لأربعة رجال يستطيعوا أن يقفوا قرب الحوائط على كل جانب بدون إعاقة تحرك حاملي الجثمان. مقابل الباب كان يوجد تجويف في الصّخرة، حيث القبر قد جعل؛ كان يعلو حوالي قدمين فوق مستوى الأرض، ويتصل بالصّخرة من جانب واحد فقط، كمذبح: شخصان ممكن أن يقفا، واحد عند الرّأس وواحد عند القدمين؛ وكان هناك أيضاً مكان لثالث في المُقدِّمة‏، حتى لو كان باب التّجويف مُغلق. هذا الباب كان مصنوع من بعض المعادن، ربما من النّحاس، وكان له ضلفتان تطويان. هذه الضلف ممكن أن تغلق بحجر يُدحرج أمامها؛ والحجر المستعمل لهذا الغرض قد حفظ خارج الكهف. ما أن وضع يسوع في القبر حتى دُحرج الحجر أمام الباب. كان كبيراً جدا، ولا يمكّن أن يزال بدون جهود بضع رجال.
مقابل مدخل الكهف كان يوجد مقعد حجري، وبالصعود عليه يمكن للمرء أن يتسلّق الصّخرة المغطاة بالعشب، ومن ذلك المكان تُرى أسوار المدينة والأجزاء العالية من جبل صهيون وبعض الأبراج وأيضا بوّابة بيت لحم ونبع جيحون. الصّخرة بالداخل كان لونها أبيض، بعروق حمراء وزّرقاء

  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:04 PM   رقم المشاركة : ( 78 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل الخامس والخمسون
إنزال يسوع من على الصّليب




في الوقت الذى ترك فيه الجميع الصليب، وقف الحرّاس فقط حوله، رأيت خمسة أشخاص، أعتقد إنهم كانوا من التلاميذ، والذين يأتون من الوادي من بيت عنيا، اقتربوا من الجلجثة، نظروا لبضع لحظات على الصّليب، وبعد ذلك انصرفوا. ثلاث مرات التقيت في المنطقة بالرّجلين اللذان كانّا يتشاوران سوياً. هذان الرّجلان كانا يوسف الرامى ونيقوديموس. أول مرة كانت خلال الصّلب عندما تسبّبوا فى استعادة ملابس يسوع من الجنود، ولم يكونا حينئذ على مسافة كبيرة من الجلجثة. المرة الثّانية كانت عندما وقفا لينّظرا إن كانت الحشود قد تفرّقت أم لا، ثم ذهبا إلى القبر ليعدا بعض التّجهيزات. المرة الثالثة كانت عند عودتهم من القبر إلى الصليب، كانوا ينظران حولهم في كل اتجاه، كما لو أنهم ينتظرون لحظة مواتية، وبعد ذلك قرّرا سوياً أنهما يجب أن يُنزلا جسد يسوع عن الصليب، بعد ذلك عادا إلى المدينة.
اهتمامهم كان منحصر فى عمل الترتيبات لحمل الأشياء الضّرورية لتكفين الجسد، وأخذ خدامهم بعض الأدوات اللازمة لإنزال جسد يسوع من الصّليب، وأيضا سلّمان وجدوهما داخل مخزن قرب منزل نيقوديموس.
المرأة التي اُشترى منها الحنوط كانت قد حزمتها سوياً. أشترى نيقوديموس ما يزن بمائة دينار من الحنوط. حمل الخدم تلك الحنوط في سلال من القش معلّقة حول رقابهم وتستقر على صدورهم. إحدى هذه السلال احتوت على نوع من المساحيق. كان يوجد معهم أيضا حزم من الأعشاب في حقائب مصنوعة من رقّ الكتابة أو الجلد، وحمل يوسف الرامى صندوق به نوع من المراهم. وكان الخدم يحملون آنية وزجاجات جلدية وإسفنج وبعض الأدوات على نقالة، واخذوا أيضاً نار في فانوس مغلق. تركوا المدينة قبل سيدهم ومن بوّابة مختلفة ربما تكون بوابة بيت عنيا، وبعد ذلك اتجهوا نحو جبل الجلجثة. بينما كانوا يسيرون فى المدينة عبروا على دّار كانت توجد بها العذراء المباركة مع القديس يوحنا والنساء القديّسات لإعداد متطلبات تكفين جسد يسوع، وتبع يوحنا والنّساء القديّسات الخدم. النّساء كنّ خمسة، البعض منهن حملن حزم كبيرة من الكتان تحت عبيهم. كان ذلك عُرف‏ يتبعه النّساء عندما يخرجن في المساء، أو إن اعتزموا أن يؤدّون عمل رحمة سراً، يلفون أنفسهم بحذر بملاءة طويلة.
كان يوسف الرامى ونيقوديموس في ثياب الحداد، ولبسوا أكمام سوداء وأوشحة‏ عريضة. عباءتهم جذبوها على رؤوسهم، كانت عريضة وطّويلة، لونها رمادي وتخفي كل شيء يحملونه.
اتجهوا نحوِ بوّابةِ تَقُودُ للجلجثة. الشّوارع كانت مهجوِرةْ وهادئة، لأن الرّعبِ جعل كل شخصَ يلزم بيته. عدد عظيم كَانَ قد بْدأُ يتوب، ولكن قلة كاَنت تستعد للعيد. عندما وَصلَ يوسف ونيقوديموس إلى البوّابة وَجدوها مغَلقةَ، والطّرق والشوارع وكل زاويةِ مكتظة بالجنودِ. هؤلاء كَانوا الجنودَ الذين طلبهم الفريسيون فى حوالي الساعة الثانية، والذين ظلوا بأسلحتهم وعلى أهبة الاستعداد، حيث كانوا لا يزالوا يَخَافونَ الشغب بين الشعب. أظهر يوسف أمر موَقّعَ مِن قِبل بيلاطس، أَنْ يجعلوهم يَعْبرون بحرية، والجنود كَانوا راغبينِ أن يفَعلونَ ذلك، لكن وَضّحَوا له إنهم سعوا عدة مرات أَنْ يَفْتحَوا البوّابة، لكنهم لم يستطيعوا تحريكها؛ أظهر ذلك بجلاء أن البوّابة حدث بها عيب في بعض أجزائها؛ ولذلك أضطر الجنود الذين أرسلَوا ليَكْسرواَ سيقان اللّصوصِ أَنْ يعودوا إِلى المدينةِ من بوّابةِ أخرىِ. لكن عندما أمسك يوسف الرامي ونيقوديموس بمقبض البوابة، انفتحت وكأنها تنفتح من تلقاء نفسها، مما أثار دهشة جميع الحاضرين.
كانت الظلمة قد بدأت والسّماءُ كانت غائمةُ عندما وَصلوا جبل الجلجثةَ، حيث وَجدوا الخدمَ الذين كَانوا قَدْ أُرسلوهم قد وْصُولوا بالفعل، والنِساءِ القدّيسات جالساتِ يَبْكين أمام الصّليب. كاسيوس وبِضْعَة جنود كانوا قد أمنوا ظلوا قريبين، وسلوكهم كَان مُحترمَ ومتحفظ. وَصفَ يوسف ونيقوديموس للعذراءِ المباركة ويوحنا كل ما فعَلوه من أجل أَنْ يُنقذوا يسوع من الموتِ، وعرفا منهم كيف إنهم نَجحوا في مَنْعِ كسر عظامِ يسوع، وهكذا تحققت الّنبوءة . تَكلّموا أيضا عن الجرحِ الذي أحدثه كاسيوس برمحه. ما أن وصل ابن أدار القائد الروماني حتى بدءوا عملهم المحزن والمقدّس لإنْزالِ جسد إلهنا الحبيب من على الصّليبِ وتطييبه .‏
جلست العذراء المبارك والمجدلية أسفل الصّليبِ؛ بينما، على الجهة اليمنىِ، بين صليبِ ديماس وصليب يسوع، انشغلت النِّساء الأخريات في إعْداْدِ الكتانِ والحنوط والماء والإسفنج والأواني. تَقدّمَ كاسيوس أيضا، وروى لأبن ادار الشفاء المعجزى لعينيه. الجميع كان متأثراً بعمق وكانت قلوبهم تَفِيضُ بالحُزنِ والحبِّ؛ لكن، في نفس الوقت، ظلوا صامتين وكل حركةِ كَانت ممتلئة بالمهابة والرزانة‏. لم يكَسرَ هذا السّكونَ سوى كلمة حزن، أو آهة تفلت من هنا أو من هناك من هؤلاء الأشخاص القدّيسين، على الرغم من تلهّفهم الجادّ وانتباههم العميق إلى عملهم. أفَسحت المجدليةَ المجال لأحُزانها، ولم يلهيها حضورُ عديد من الأشخاصِ المختلفين، ولا أي اعتبار آخرِ عن ذلك .
وضع نيقوديموس ويوسف السّلمان خلف الصليب وصَعدا عليهما، ممسكين في أياديهم بمُلاءة‏ كبيره، عبارة عن ثلاث أشرطة طويلة مثبته معا. رَبطا جسدَ يسوع، من تحت الذراعين ومن عند الرُّكَبتين بعمود الصليب، وثَبّتا‏ الذراعين بقِطَعِ من الكتان وَضعتْ أسفل اليدين. ثم اقتلعا المسامير، بدَفْعها من الخلف بأوتاد قويةِ. بينما كانت المسامير تُزالَ عنوة بطرقات المطرقةِ، كانت العذراء المبارك والمجدلية، وكل أولئك الذينِ سَبَقَ أَنْ كَانَ حاضرَين الصّلبِ، يشعرون بكل ضربةِ وكأنها تَطْعنُ قلوبهم. أعاد الصّوتُ لأذهانهم رؤى كل آلامِ يسوع، ولم يتَمَكّنوا من أَنْ يُسيطروا على خوفهم المرتجفِ، خشية أن يَسْمعوا صراخه الحاد من الألمِ ثانية؛ ولو إنهم، في نفس الوقت، حَزنوا من صمتِ شفاهه المباركة، التي بَرهنتْ، بكل أسف، أنه قد ماتَ حقاً.
لم تسقط أيادي يسوع المقدّسة، وخرجت المسامير من الجراحِ؛ لأن تلك الجراح كَانَت قَدْ كبرت بتأثير ثقل الجسدِ، الذي لكونه ممسوك بالقماشِ، لَمْ يَعُدْ مُعلق من المسامير. الجزء الأسفل من الجسد، الذي منذ موت إلهنا قَدْ أنحدر لأسفل على الرُّكَبتينِ، استقر الآن بوضع طبيعيِ، مسنود بالملاءة المرَبوطةَ من أعلى بذراعي الصّليبِ. بينما كان يوسف الرامى يُخرجُ المسمار من اليد يسرىِ، وبعد ذلك يَسْمحُ للذّراع، مدعوما بقماشه، أَنْ تَنزل بهدوء لأسفل على الجسدِ، نيقوديموس كَانَ يَرْبطُ الذّراع الأيمن ليسوع بذراع الصليب، أيضا الرّأسِ المُتَوَّجهِ المقدّسِة، التي مالت على الكتفِ الأيمن. ثم أخرج المسمار، وبعد ما أحاطَ الذّراع بملاءة، تَركها تنزل بهدوء عِلى الجسدِ. في نفس الوقت، أقتلع ابن ادار بصّعوبةِ عظيمةِ، المسمار الكبيرَ الذي أخترق القدمين. تناول كاسيوس المسامير بخشوع ووَضعها عند قدمي العذراءِ المباركةِ.
بعد أن وَضعَ يوسف الرامى ونيقوديموس السلمان أمام الصّليبِ، بوضع قائم جداً، وقرب الجسدِ، حَلاَ الشّريطَ الأعلى، وثبتوه بأحد الخطّافاتِ على السّلّمِ؛ ثم فعَلوا نفس الشيء مع الشريطان الأخريانِ، وَنْقلُوهم جميعا من خطّافِ إلى خطاف، مما جعل الجسدَ المقدّسَ يَنحدرَ بهدوء نحو القائد الروماني، الذي بعد أن صَعدَ على كرسي صغيرِ تناوله بين ذراعيهِ، وأمسكه من أسفل الركبتين؛ بينما يوسف الرامى ونيقوديموس، يسندان الجزء الأعلى من الجسد، ينزلان بهدوء علىِ السلم، متوقفين عند كل درجه، وبغاية الحرص القابل للتخيل، كرجال يَحْملُون جسد صّديقِ محبوبِ قَدْ جُرِحَ بشدة. هكذا نزل جسدَ مُخلصنا الإلهى إلى الأرضِ .
لقد كان من أكثر المناظر المؤثرة. الجميعً قد أظهر نفس الحَذّر، نفس العناية، كما لو إنهم يخشون أَنْ يُسبّبوا ليسوع بعض الألمِ. لقد بدوا أنهم يركزون على الجسدِ المقدّسِ بكل الحبِّ والتّبجيلِ الذي شعروا به نحو مُخلّصهم خلال حياته. أعين الكل قَدْ ثُبّتتْ على الجسدِ الجدير بالحب‏، وتتبع كل ما يحدث له؛ وكَانوا يَرْفعونَ أياديهم نحو السماء بشكل مستمر, ذارفين الدموع، ويعبرون بكل طريقِ ممكنة عن زيادةِ أساهم وآلامهم. ومع ذلك فأنهم ظلوا جميعاً هادئَين تماماً، وحتى أولئك الذين كانَوا مشغولين جداً بأمور الجسدِ المقدّسِ كانوا يؤدون أعمالهم بغاية الهدوء، وعندما كانوا يضطرون أَنْ يتكلموا لإبداء ملاحظةِ ضّروريةِ، كانوا يفعلون هذا همساً .
عندما نزل الجسد لُفَّ في الكتان من الرُّكَبتينِ إِلى الخصرِ، وبعد ذلك وَضعَ في أحضان العذراءِ المباركةِ، التي مدت أياديها لتحتضن بكل الحُزنِ والحبِّ، جسد ابنها وإلهها الحبيب.


  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:05 PM   رقم المشاركة : ( 79 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

الفصل السادس والخمسون
تطييب جسد يسوع



جلست العذراء المباركة على قطعة قماشِ كبيرِ فُرشت على الأرضِ، وأسندت ظهرها على بعض العِبيِ الملفوفة معا لتُشكّلَ مسندِ. لم توجد وسيله ما تستطيع بأية طريقة أن تخفف من آلامها ومن مأساة نفسها العميقِة، لأن الواجب المحزن والذي بغاية القداسة والذى كَانتْ عَلى وَشَكِ أَنْ تُنجزَه يتعلق بجسد ابنها الحبيبِ. استقرت رّأس يسوع على ركبةِ العذراء مريم، ووضع جسده على ملاءة. العذراء المباركة قَدْ غُمِرتْ بالحُزنِ والحبِّ. مرة أخرى، وللمرة الأخيرةِ، أخذت بين ذراعيهاِ جسدِ ابنها الحبيب، الذي كَانتْ عاجزةَ عن أَنْ تُقدم له أي شهادةِ حبِّ خلال سّاعات استشهاده الطّويلة. وقد حَدّقتْ فى جراحه واحتضنت خديه الملطّخة بالدمِاء بحنان، بينما ضمت المجدلية قدميه على وجهها.
مضى الرّجال إلي مغارة صغيرة تقع على الجانبِ الجنوبي الغربي من الجلجثةِ، ليَعدوّاَ هناك الأشياء الضرورية للتَكفين؛ ظل كاسيوس بعيدا مع بضع من الجنودِ الذين قَدْ اهتدوا، كل الأشخاصِ النّاقمين قَدْ رُجِعوا إِلى المدينةِ، والجنود الذين كَانوا حاضرينَ خُدِموا بشكل مجرّد ليُشكّلوا حراسة ليَمْنعَوا أي مقاطعةِ للإكرام الأخيرِ الذي كَانَ يُعدَ لجسدِ يسوع. بعض هؤلاء الجنودِ قدموا مساعدة عندما رَغبَوا. حملت النِّساء القديّسات الأواني والإسفنج والكتّان والحنوط حسبما يُطلب؛ لكن عندما كانوا لا يُطالبون بشئ كانوا يظلوا مبتعدين، يحدقون بيقظة على العذراءِ المباركةِ بينما هى ماضية في مهمتها الحزينةِ، لم تترك المجدلية جسد يسوع؛ وقدم يوحنا المساعدةَ للعذراءِ المباركِة، وذَهبَ وعاد بين الرّجالِ والنِّساءِ، مُقدما معونة لكليهما. النِّساء كَانَ معهم بعض الزّجاجاتِ الجلديةِ الكبيرةِ وأناء ممتلئ بالماءِ موضوع على فحمِ مشتعل. أعطوا العذراءَ المباركةَ والمجدلية، حسب ما يَطلّبان، آنية ملآنة بالماءِ النظيف والإسفنج، الذي كانوا يعَصرونه بعد ذلك في الزّجاجاتِ الجلديةِ.
تواصلت شّجاعة وثبات مريم في وسطِ آلامها المتعذر وصفها . بالتأكيد كان من المحال لها أَنْ تَتْركَ جسد ابنها في الحالة المُخيفة التي كَان عليها من قبل آلامه، ولهذا بَدأتْ بنّشاط جاد تَغْسلَ وتَُطهر جسده المقدس من آثارِ الإساءةِ التي ارتكبت ضده. جذبت بعناية فائقة تاجَ الشّوكِ، فْتحته من الخلف، وبعد ذلك نزعت شوكة تلو الأخرى من الأشواك التي انغرست بعمق في رأسِ يسوع، حتى لا تُوسّعَ الجراح. وضِعَت التّاج بجانبِ المساميرِ، وبعد ذلك نزعت الأشّواكَ التي بَقيتْ في الجلدِ بكلاباتِ , وأرتهم بحزن إِلى أصدقائها. هذه الأشّواكِ قَدْ وُضِعتْ مع التّاجِ، لكن بعضها لابد أَنْه حُفَظ منفصلاً.
وجه مُخلصنا الإلهى كَانَ ممكن تميزهً بالكاد، كان بغاية التشَوّهَ بالجراحِ التي غَطته. اللّحية والشّعر قَدْ تغُطّيا بالدّمِاء. غَسلَت العذراء مريم الرّأسَ والوجهَ، ومررت إسفنج مبلل على الشّعرِ لتُزيلَ الدّم المُتجلط، وكلما كانت تمَضى في مهمتها المقدسة، كلما تظهر أكثر مدى القسوةِ المُرعبةِ التي مورستْ ضد يسوع، وكانت مشاعرها تزدِاد حنوا وألما كلما عَبرتْ من جرحِ إِلى آخرِ. لقد غَسلتْ الرّأس والعينان التى كانت ملآنة بالدّم وكذلك الأنف والآذنان بإسفنجةِ وقطعةِ صغيرةِ من الكتان فردتها على أصابعِ يدّها اليمنى؛ وبعد ذلك غسلت بنفس الأسلوب الفم النّصف مَفْتُوح واللّسان والأسنان والشّفاه. ثم قَسّمتْ ما تبَقيْ من شّعرِ يسوع لثلاثة أجزاء , جزء ينسدل على كل خد، والثالث على رأسه من الخلف؛ وعندما حَلّتْ مقدمة الشّعر وصففته وضعته خلف آذانه. عندما أكملت غسل الرّأس، غطتها بمنديل بعد ما قَبّلَت خدي ابنها الحبيبِ. ثم اهتمت بالرّقبةِ والكتفين والصدر والظهر والأيدي المثقوبة. كل عظامِ الكتف والمفاصل قَدْ تخُلِعت ولم يكن من الممكن ثنيها. كَانَ هناك جرحَ مخيفَ على الكتفِ الذي حَملَ الصليبِ، وكل الجزءِ العلوي من الجسدِ قَدْ تغُطّى بالكدماتِ وتأثرت بعمق من ضرباتِ السّياطِ. عند الثدي الأيسر كَانَ هناك جرحَ صغيرَ حيث خَرجتْ منه حربة كاسيوس، وعلى الجانبِ الأيمن كَانَ يوجد الجرحَ الكبيرَ الذى صُنع بنفس الرّمحِ، والذي ثَقبَ القلب من جهتين. غسلت العذراء مريم كل هذه الجراحِ، والمجدلية، على رُكَبتيها، تسَاعدها من وقت لآخر؛ لكن بدون تَرْكَ قدميِ يسوع، التي غسلتها بدّموعِها ومَسحتْهما بشعر رأسها.
رّأس وصدر وأقدام يسوع قَدْ غُسِلت الآن، واستقر الجسد المقدّس على رُكَبتيِ مريم ، هذا الجسد الذي تغُطّى بعلامات سّمراءِ وحمراءِ في الأماكنِ التى كان الجلد فيها قَدْ تمُزّقَ، وبلونِ أبيضِ مزرق، مثل اللّحمِ الذي صُفى من الدّمِ، غَطّت العذراء الأجزاء التي غَسلتْها بمنديل، وبعد ذلك مَضتْ فى تتُطيب كل الجراحِ. النِّساء القديسات سَجدنَ بجانبها، وتباعاً قَدّمنَ لها الصّندوقِ، الذى كانت تأخذ منه بعض الحنوط الثّمينِ، وتملئ وتغَطّيْ الجراح. دَهنتْ الشّعرَ أيضا، وبعد ذلك، أْخذُت أياديَ يسوع في يدها اليسرى، قَبّلتهم ومَلأَت الجراح الكبيرة التى أحدثتها المسامير بهذا الحنوط. مَلأتْ الآذنينَ والأنف وجرح الجنبِ بنفس الخليطِ الثّمينِ. في نفس الوقت مسحت المجدلية أقدام الرب وطيبتهما، وبعد ذلك غَسلتهما ثانية بدموعها، وضمتهما إلى وجهها.
الماء الذي كَانَ يستعملَ لم يكنَ يَرْمي، بل كان يُصَبَّ في زّجاجاتِ جلديةِ بعصر الإسفنج فيها. لقد رَأيتُ كاسيوس وبعض الجندِ الآخرينِ يَذْهبُون عدَة مرات ليَجْلبَوا ماء عذب من نبع جيحون، الذي لم يكن على مسافةُ كبيرة. عندما ملأت العذراء المباركة كل الجراحِ بالحنوطِ، أغَلقتْ العينان النّصفَ مفتوحةَ، وأبقت يدّها فوقها لبعض الوقتِ. أغَلقتْ الفمَ أيضا، وبعد ذلك احتضنت جسد ابنها الحبيبِ، ضمت وجهه بحنان وتبجيل على وجهها ثم لَفّتْ الرّأسَ بالكتان. يوسف الرامى ونيقوديموس كَاناَ يَنتظرُان، عندما اقتربَ يوحنا إِلى العذراءِ المباركِ وتَوسّل إليها أَنْ تسمح لهم بأخذ جسد ابنها منها، لإكمال التطييب لأن السبت كَانَ يلوح. احتضنت مريم جسد يسوع المقدّس مرة أخرى، ونطقت بكلمات وداعها بلهجة بغاية التأثر، وبعد ذلك رَفعوه الرجال من حضنها على ملاءة، وحَملوه على بعد خطوات. حُزن مريم العميق قَدْ خَفَّ بمشاعرِ الحبِّ والوقارِ التي أتمّتْ بها مهمتها المقدّسة؛ لكن حزنها قد غْمرها الآن مرة أخرى، ووقعت بين أيادي النِّساءِ القدّيساتِ. شَعرت المجدلية كما لو أن حبيبها سيؤخذ منها بعيدا قسراً، وجَرت للأمام بضعة خطوات بعجالة، وذراعيهاِ ممدودتان للأمام؛ لكن بعد لحظةِ، رَجعَت إِلى العذراءِ المباركةِ.
  رد مع اقتباس
قديم 07 - 11 - 2012, 05:05 PM   رقم المشاركة : ( 80 )
Magdy Monir
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية Magdy Monir

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر : 58
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 51,017

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Magdy Monir غير متواجد حالياً

افتراضي

تأمل العذراء المُباركة مريم


تَكلّم كثير من الأنبياءِ عنيّ: تنبئوا أنهّ كان لابد أَنْ أَعاني لأكون مستحقّة أن أَكُونَ والدة الإله. لقد تَوقّعوا أن يعرفونني على الأرضِ لكن ذلك كَانَ لابد أَنْ يَكُونَ بطريقةِ حذرة جداً. فيما بعد تَحدّث عنى الإنجيليين، خاصة لوقا, طبيبي الحبيب, طبيب النفوس أكثر من كونه طبيب الأجسادِ. بعد ذلك بُدِأتْ تؤخذ بعض الإيماءات كقاعدةِ أساسية للأحُزانِ والآلامِ التى عَانيتُها. وهكذا عُرف بشكل عام بأنّي اختبرت سبعة أحُزانَ رئيسيَة.
أبنائي، لقَدْ كَافأتْ أمكمَ وسَتُكافئُ الجهود والحبّ الذي تكنونه لي. لكن كما فعل يسوع، أُريدُ أَنْ أَتكلّمَ معكم بشكل شامل عن أحُزاني. حينئذ، ستتحدثون إِلى اخوتكَم عنها، وأخيراً سَيُقتاد بى كل شخص. بسبب ما عَانيتُه، أنى أمجد يسوع باستمرار ولا أَطْلبُ شيء سوى أن يَكُونُ مُمَجَّداًَ فيّ.
انظروا يا أبنائي الصغار، إنه لمحزن أَنْ أَتحدّثَ عن هذه الأشياءِ إِلى أبنائي، لأن كل أمِّ تَحْتفظُ بأحُزانها لنفسها. وهذا ما قد أملاه على واجبى خلال حياتي على الأرض ‏؛ لذلك، فأن رغبتي كأمِّ احترمتْ مِن قِبل الرب. الآن بكوني هنا، حيث الابتسامة أبدية ، ومثل كل الأمهات تلاشى الحزن الذى اختبرته بالفعل، أن َتحدّثتَ عن آلامي فهذا كي يعرف أولادي شيئاً ما عن حياتي.
أنى اَعْرفُ الثّمارَ التي سَتَحصلون عليها من ذلك وكيف أن هذه الثمار ستسر أبني الحبيب يسوع. أنا سَأَتحدّثُ عنها طالما أنكم تستطيعوا أَنْ تَفْهموني.
قال يسوعى: " كل من هو أولُ فليجعل نفسه أخراً " وهو فعل هذا حقاً لأنه وهو الأولُ في بيت الرب، لكنه نَزلَ حتى الدرجة الأخيرةِ. الآن، بسبب حبي له، أنا لَنْ آخذَ منه لا الموضع الأولً هذا ولا الأخير اللذان يخصانه. بالأحرى، أُجاهدُ أن أجعلكم تَفْهمَون هذه الحقيقةِ، وبهجتي سَتَكُونِ أعظمَ عندما تَقتنعُوا، لَيس من خلال طريقِ المعرفةِ البسيطةِ بل من خلال اقتناع عميق الجذّورِ. ليَكنُ هو الأولَ ونحن الأخيرينَ.
إن كَانَ هو الأولَ، هناك من يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثّاني في سلّمِ الحبِّ والمجد؛ ولذلك، بتواضع وبانسحاقِ. لابد أنكم فَهمتَم الآن ما يَجِبُ أَنْ أَكُونَ علية. أبنائي الصغار، مجدوا الرب الذي بعد ما خَلقَ مسافة هائلة بين يسوع وبيني، ما زالَ يريد أَنْ يَضعني التالية له مباشَرةً‏.
أبنائي، ما يبدوا مُهماً إِلى العالم,ِ لَيس بالضرورة أن يكون هكذا أمام الرب. اختياري كوالدة الإله انطوى بداهة‏ على تقديم تَضحّيات مُحزنة واستسلام، وأول تلك التضحيات كاُن عندما عُرْفت من خلال جبرائيل الاختيار الذى تم بمحبة الرب. لقَدْ أردت أَنْ أظل فى حالة معرفةِ متواضعةِ ومختفية في الرب. لقد أردت هذا أكثر من أي شئ أخر لأن ذلك كان لذّتي أَنْ أَعْرفَ نفسي كأخيرةِ في كل شيءِ.
بمعُرْفِة اختيارِ الرب لى أجبتُ كما تعرفون، لكنه كان من الصعبَ أَنْ اَرتفعَ إِلى الكرامةِ التي قَدْ دُعِيتُ إليها.
أبنائي الصغار، هَلْ تَفْهمُون حُزني الأولَ الذي أَتكلّمُ عنة؟ تأملوا ملياً فيه، أَعطوا أمكَم البهجة العظيمةِ فى تقييم ذلك الأتضاع الذي أقيمه أنا أكثر من بتوليتى. نعم، أنا كُنْتُ الآمة التى يطلب منها أي شئ، وقد قَبلتُ فقط لأن استسلامي كُان بنفس دّرجةَ محبّتي.
لقد تَمتّعتَ يا إلهي بأن تَرْفعني نحوك، وتَمتّعتُ أنا بقُبُولَي لأن طاعتي كَانتَ تَسرك. لكنكَ تَعْرفُ كم كان هذا حزيناً جداً لي، وأن هذا الحُزنِ نفسهِ أمامك الآن في احتياج إلى النور من أجل هؤلاء الأطفالِ، الذين تَحْبّهمَ والذين اَحْبّهمُ. أنا العبدة، أه يا أطفالي، وكما تحقق لى ذلك، فليتحقق الآن لكم جميعاً بلا ارتياب كل ما يُريدُه الرب لكم!
القبول أعطى الرب الجوابَ الذي سَيَمنح البشر الَدْخولُ إِلى الفداء، وبهذا تحُقّقتْ تلك العبارةِ الرائعة :" هو ذا العذراءُ سَتَحبل وتَلدُ أبناً سَيَدْعى أسمه عمانوئيل. "
أن قبولي أَنْ أُصبحَ أم عمانوئيل، تَضمّنَ هديتي إِلى ابن الرب بكون أنّ أمه تَمْنحُ نفسها إليه، قبل أن تتُشكّلُ بشرية يسوع داخلها. لهذا كانت هديتي نتيجةَ للنّعمةِ، وأيضا سّبباً للنّعمةِ. والأسبقية يَجِبُ أَنْ تَُعرفَ أن الرب هو السّببُ الأوّلُ؛ ومع ذلك، يَجِبُ أَنْ أُؤكّدَ أنّ قبولي تم بخطةِ النّعمةِ كسبب مُرَافَقَِ .
إنهم يَدْعونني شريكة الفداء من أجل الأحُزانِ التى عَانيتُها؛ لكنى كُنْتُ هكذا حتى من قبل، من جراء منحي لذاتي له من خلال جبرائيل. يا أبني الإلهي ! كم أردت كثيراً أَنْ تَعطي الإكرام إلى أمكَ لتعوضها عن الحُزنِ العظيمِ الذى عَانتُه فسموت بكرامةِ أمكَ!
أنتم يا أطفالي الصغار كالعميان في هذا العالم، لكن حين تبصرون الأمور الرائعة فأنها ستصير حوافز لأن تفرحوا من أجلى. ستروا أي تناغم بين المجد والأتضاع هنا حيث يسوعى هو الشّمس التي لن تغيب. ستكتشفون حكمه التدبير الذى تحقق من خلال تضحيتي وفى أتضاع حياتي الخفية المستترة .
لكن أصغوا إلى الآن. بقدر ما كانت أمومتي تتقدّم, كان على أن أتحدّث إلى البعض من أحبائي عن الكرامة التى نلتها, وقد فعلت ذلك فى تكتم بقدر ما أستطيع. لقد زهدت فى إعلان غلبة سر الرب ليتمجد الرب بنفسه فى .
ومع ذلك فسرعان ما غمرني الفرح بمعرفة أنى قد اعتبرت امرأة كسائر الأخريات. ابتهجت روحي لأن آمة الرب, التى أرادت التواضع قدر استطاعتها، قد صارت مداسه من قبل العالم. عندما شك فىّ يوسف، لم أعاني، ابتهجت حقا. لا تقولوا بأنّي عانيت لأن ذلك غير صحيح. لقد كان ذلك ليلبى الرب رغبتي فى الأتضاع. هذه كانت أجرة الرب بكونى صرت أم الرب أن أعتبر امرأة ساقطة. تعلموا يا أولادي معرفة الحبّ، تعلّموا تقييم التواضع المقدس، ولا تخافوا لأنها فضيلة تشرق بنور متألق .
عندما عُقد الزّواج، لم يكن عندي مشاكل. عرفت مجريات الأمور ولم أخاف شيء. حقا أن الرب يعطى من يعطون أنفسهم بالكامل له, يعطيهم مكاناً مثالياً فى أكثر المواقف تناقضاً، كما كان الحال لي: لقد أجبرت من قبل الالتزام البشرى أن أتزوّج رجل، حتى عندما عَرفتُ بأنّي أستطيع أَنْ أنتمي فقط إِلى الرب.
لقد عَانيتُ كثيراً جداً من الأحُزانِ على الأرض! إذ ليس من السهل أن أكون أم العلى، أنى أؤكد لكم. ولا نستطيع أن ندعوها مشكله عويصة ما نقوم به من أجل أنقى غاية ومن أن نكون مُرضيين للرب. تذكّروا هذا !
هل سبق أن فكرتم يوماً ما الذى سبّب لى أعظم حزن فى تلك الليلة المقدسة في بيت لحم؟ أنكم تصرفون انتباهكم فى الإسطبل وفى المزود وفى الفاقة. أنا، من ناحية أخرى، أقول لكم أنني قضيت تلك الليلة في نّشوة كاملة مع ابني. ومع ذلك كان على أن أعمل ما تعمله كل أمّ لطفلها الصّغير، إلا أنى لم أترك نشوتي ولا نعمتي. الشيء الوحيد الذي سبّب حزني فى ليله الحب تلك كان رؤيتي لمأساة يوسف المسكين وهو يبحث عن مأوى, عن أى مكان لي. لقد كان مدركاً لما سيحدث ومن هذا الذى سيجيء إلى الأرض، زوجي الحبيب، برُؤيةِ أننى كنت قلقة أصبحَ حزينُاً وشَعرتُ بعطفَ كثيرَ من أجله. بعد ذلك امتلأنا بالبهجة ونسينا كل قلق .
هَربنَا إِلى مصر وكل ما هو ممكن أن يُقال عن ذلك قد قيِلِ، مع ذلك فالبعض ركزِوا خيالهم على إعياءِ الرّحلةِ أكثر من التركيز على خوف الأمِّ التي تعَرف أنّها تمتلكْ أعظم كنزَ في السّماءِ والأرضِ.
فيما بعد عشنا فى الناصرة، يسوع الصغير كَانَ يَكْبرُ مملوءاً بالحياةِ، وفي ذلك الوقت، سَبّب لنا قلق قليل جداً ومحدود جداً. أن كل أمِّ تَعْرفُ ما تتمناه لصحةِ طفلها، وكيف أن شيء بسيط جداً يعتبر كغيمةِ مظلمةِ عظيمةِ. وقد أُصيب ولدى بكل أوبئةِ وأمراضِ طفولةِ تلك الأوقاتِ. مثل كل أمِّ، لم أستطيع أَنْ أكُونَ محصّنة ضد أي قلقِ ينتاب قلب أى أمِّ .
لكن ذات يومَ أُظَلَّمتِ غيمة مظلمةِ جداً نور فرح أمِ الرب. تلك الغيمةِ تَدْعى فَقْدان يسوع..... لا شاعرُ ولا كاتب ماهر يُستطيع أَنْ يَتخيّل مريم عندما عَرفتْ أنّها فَقدتْ ابنها المُمَجَّد ولَيْسَ عِنْدَهُا أخبارُ عنه لمدة ثلاث أيامِ....يا أطفالي الصغار, لا تندهشوا من كَلِماتي، لقد اختبرت أعظم قلق فى حياتي. أنكمَ لم تتأملوا ملياً بدرجة كافية فى كلماتي:" يا أبني، أبوكَ وأنا كُنا نَبْحثُ عنكَ لثلاث أيامِ. لماذا صنعت بنا هذا ؟ " الهي، فى الوقت الذى أَتكلّمُ فيه الآن إِلى هؤلاء الأطفالِ المحبوبين، لا أستطيع أَنْ أتوَقفَ عن تسبيحك. أنكَ من تختفي كى تَجْعلنا نَشْعرَ بفرحة العثور عليك. أه! كما لو كنت تذوقت أناء ملئ بالعسل ينسكب في نفسك هكذا كان احتضاني لمن هو لى كل شئ .
أنى كما تَرون، أُخبركمَ أيضاً عن فرحتي؛ لكن لَيسَ بلا سببَ أربط وأصل بين الحزن والفرح معاً. اكتسبوا فوائد بأفضل طريقة ممكنة، من كل ما حْدثِ. الرب يختفي كى يُوْجَدُ. البعض يعَرفَون تلك الحقيقةِ، الآخرون يُفكّرونَ بحُزنِ رهيب بعد ما يفَقدونَ يسوع، يفَعَلونُ كل شيءَ كى يَجدونه. أنتمَ لا يَجِبُ أَنْ تَظلوا خامدين ومقهورين .
أن أمكم تودّ أن تنقذكم من التّعامل مع ما لا يزال يقال. أولاً هناك أشياء لم يعلن عنها ولذا لم تقدر بعد حق التقدير. ثانيا بمعرفتها يجب أن تشاركوني معاناتي وهمومي المؤلمة. علاوة على ذلك فأن كل شيء يريده يسوعى قد أعلن بدون أي معارضة على الإطلاق.
هَلْ تظنوا أنّي قضيت حياتناَ العائلية بهدوء في الناصرة ؟ لقد كانت هادئة في فضيلةِ الانتظام فى محبّةِ الرب. لكن مع المخلوقاتِ، كان هناك الكثير من المشاكلَ!
طريقتنا الفريدة فى الحياةِ قَدْ لوحظَت، ولذلك كنا موضع سُخِرية بشكل عامّ. لقَدْ اعتبرتُ مفرطة بسبب أنّه عندما كان يسوع يترك الدّارَ، لم أكن أتَمَكّنُ من كبت دموعي، ويسوع كان يخَرجَ بشكل متكرر. يوسف قَدْ أُرهق وكَانَ كعبدَ ليسوع ولى. ما الذى يستطيع أن يَفْهمَه العالم؟ لقد القينا بكل همومنا على من عاش بيننا، المعبود في كل مظاهره .
يا له من ابن محبوب كان هذا الصبي الصغير؛ أنه أكثر وسامة من البحرِ، أعقل من سليمان، وأقوى من شمشون. كل الأمهاتِ كَنَ يرغبن أن يَأْخذونه منّي؛ بمثل هذا السّحرَ كان مُحَاط. ذو الأفق الضّيّق يغمروني بأحكامهم الصارمة؛ لم يتورعوا عن انتقاد هذا الأبّ الذي لم يكن يكل, الذي ظنوه أنه خاضع ليس لزوجته المخلصة بل الغيورةَ. كان الجميع مطلعين على وفائي, إلا إنهم جميعاً ظنوا أن ذلك عاده متأصلة فى وميلاً أنانياً.
هذا يا أطفالي الصّغار، ما لم يكن يَعْرفُ. هذه الانتقادات جاءت من عالمِ لا يَمَكّنَ أَنْ يَرى ولا أن يَفْهمُ أطهر أم. أحتفظ يسوع بهدوئه دون أن يُشجّعني، لأن أمَ الرب كَانتَ يجبُ أَنْ تُصفى خلال تلك البوتقةِ، وهذا قد كان، كامرأة بين سائر النساء اللاتي آرائهم لا ينبغى أن يعتد بها.
تعجبوا من حكمةَ الرب في هذه الأشياءِ واكتشفوا المعنىَ الإلهي، تلك الحكمة التى تَرْبطُ بين أعظم سّموِّ وبين الاختبارات الأكثرُ ألماً في علاقةِ بمثل هذا السّموِّ.
ودنت سّاعة الافتراق, سّاعة عملِ يسوع. وحان معها، اليوم المُخوف لمغادرةِ الناصرة. لقَدْ تَكلّمَ يسوع معى عن مُهمته على نحو شامل وعن الثّمارِ التى سيجنيها هو وكل البشر؛ لقَدْ جَعلني اَحْبّها مقدماً. هذا الفراق كان حتمي ولو إلى حين .... ودعنا وقَبّلنا وتَقدّمَ نحو مهمته كمعلّمِ للإنسانيةِ. غير أن رحيله لم يكن خفياً في تلك القريةِ الصّغيرةِ حيث كان يسوع محبُوباً جداً.
كانت هناك إيماءات المودةِ والبركاتِ ولأنهم لم يعَرفوا الصلاح الذى كَانَ يسوع سيقوم بهُ، تمثلت لهم مدى الخسارة التي آلمت بهؤلاء الناسِ ذو الفكرِ البسيط ولكن أسخياء في القلبِ.
وأنا، فى غمرة كثير جداً من المشاعرِ، تُرى ماذا كانت مشاعري؟ انتابتنيّ آلاف الهواجس، لكنه لم يُرجئ رحيله دقيقةِ واحدة. يسوعي كان يعَرفِ ما ينتظره بعد مواعظه. لقَدْ اخبرني فى عديد من المرات وبإسراف شديد عن خيانةِ الفريسيون والآخرين. والآن ها هو يرحل، يرحل وحيداً بدوني كى ينفذ مهمته؛ يرحل بدوني أنا من ربيته بدفءِ قلبي؛ بدوني أنا من مَجّدته كما لم يُمجّده أى أحد قط !
بعد ذلك تبعته. وَجدته عندما كان مُحاط مِن قِبل كثير من الجموع حتى أنه لم يكن من الممكن لى أَنْ أَراه. وهو بالحقيقة ابن الرب قد أعطىَ أمه أجابه رائعة نابعة من حكمته، لكنها طعنت هذا القلبِ الأموي واخترقته من جانب لآخرِ. نعم لقد فَهمت أجابته بالكامل، لكن ذلك الفهم لم يحَرّرني من الحُزنِ. بالعلاقةِ الإنسانيةِ، هو خالف الوصية التي كُنْتُ فيها مُتضمّنة، إنه حقيقي؛ وعلى الرغم من هذا، ملاحظات الآخرين جرحتني .
الضّربة الأولي قَدْ تُلِيتْ ببهجةِ رُؤيةِ عظمته، برُؤيتهِ مُكرماً، مُبَجَّلاً، ومحَبَّوباً مِن قِبل الناسِ؛ وسرعان ما ألتئم هذا الجرحِ أيضا. لقد سَافرتُ الطّرقَ معه، مفتونة بمعرفته، مبهورة بتعاليمه، ومَا تعبتُ أبداً لا من حَبّهِ ولا من الإعجاب به .
ثم جاءَ احتكاكه الأول مع السنهدريم. حَدثتْ المعجزةُ: المعجزة التي أحدثت ضجة عظيمة في عقولِ كهنة اليهود المفتخرين. لقد كُرِهوهَ، اضطَهَدوه، راقبوه وجربَوه. وأنا؟ أنا كنت أعَرف كل شيءَ ومن ذلك الحين، بأذرع مفتوحةِ، قدمت محرقة أبني، قدمت استسلامه، وموته المروّع والمخزي في أياديِ الأبِ. لقد كنت أعَرف مسبقا بخيانة يهوذا؛ عَرفتُ الشّجرةَ التي ستؤخذ منها الخشبة التى ستكون صليب أبني.
أنكَم لا يُمكنُ أَنْ تَتخيّلَوا المأساة المروعة التي عشتها سوياً مع يسوعي، من أجل أن يتحقق الفداء .
لقَدْ قُلتُ من قبل: أنني شريكة الفداء. لهذا، فالحُزن العادي لم يكَنَ كافياً. الاتحاد العظيم بآلامه العظيمة كَانَ حتمياً، كي يتحرر كل البشر. لذاً، ولأني ذَهبتُ معه من مدينةِ إِلى مدينةِ، صرت أكثر فأكثر مطلّعَة على النداءات التي كان يسكبها خلال عديد من اللّياليِ بلا نومِ والتى كان يقضيها في الصّلاةِ والتّأملِ بقلب مُنسحق. اتضحت أمامي كل مرحلة من مراحل تفكيره وبالحقيقة جلجثتى وصليبي بدءا منذ ذلك الحين .
عديد من الاعتباراتِ ضاعفت من أحُزاني كل يومِ لأنى كُنْتُ أمه وأمكم! عديد من الآثامِ، بل كل الآثامِ؛ كثير من الحُزن، بل كل الحُزنِ؛ عديد من الأشّواكِ، بل كل الأشّواكِ؛ يسوع لم يكَنَ وحيداً. لقد عَرف ذلك، وشَعر به. لقد رَأىَ أمه في اتحادِ مستمرِ معه. لقَدْ آلمه ذلك، آلمه كثيراً جداً، لأن آلامي كَانتَ بالنسبة له أعظم الآلام.
يا أبني، يا أبني المُمَجَّد، ليت هؤلاء البنين والبناتِ يعرفون فقط ما حَدثَ حينئذ بينك وبيني! وحانت سّاعة المحرقة بعد عذوبة عشاءِ الفصحِ. وبعد ذلك، كَانَ علىّ أَنْ أَنضمَّ مرة أخرى إلى الجموع. أنا، من أحَببتُه ومَجّدته بطريقةِ فريدةِ، كَانَ لِزاماً علىّ أَنْ أَكُونَ بعيدهَ عنه. هل تَفْهمُون ذلك يا أطفالي؟ لقد كنت عالمه بكل خطوه يخطوها يهوذا الغادر, ولم يكن هناك شيء أستطيع أن أفعله؛ وكنت أعلم أنّ يسوع قد عرّق دماً في البستان ولم يكن هناك شيء أستطيع أن أفعله من أجله. ثم اعتقلوه وأهانوه وأُدَانوه بخبث .
أنا لا أستطيع أَنْ أُخبركَم بكل شيء. سأخبركم فقط أنّ قلبي كَانَ في اضطراب وفى قلقِ مستمرِ؛ قلبي كان عرش من المرارةِ المستمرة والقلق، كان موضع خربِ، كان متعب ومغموم. فهل بعد كل ذلك تُفقد كل هذه النفوس ؟ هل بعد كل ذلك تتواجد كل هذه المتاجرة بالمقدسات وهذا التبديل الدنس لها؟ أه يا أطفال أحزاني! إن كنت أعطيكم اليوم نعمة التألم من أجلى، باركوا من أعطاها لكم بكرمه، وضحوا بأنفسكم بلا تردد.
أنكم تُفكّرونُ فى عظمتي يا أطفالي الأحباء. من المفيد لكم أن تفكّروا في ذلك؛ لكن أَصغوا إليّ: لا تُفكّرواُ فيّ، بل فكّروا فيه. كم أوَدُّ أَنْ أكون منسية، إن كَانَ ذلك ممكن! أعطِوا كل حنو له، إِلى يسوعي، إِلى يسوعكَم، إِلى يسوع حبيبكم وحبيبي .
لذا يا أطفالي الصغار، كان حُزن قلبي مثل سيفَ يطعن نفسى وحياتي دوماً. لقد شَعرت به، عندما أراحني يسوع بقيامته، عندما ضمدت فرحتي الهائلة فجأة كل الجراحِ التي نَزفتْ داخلي.
لقد ظللت أكْررَ " يا أبني, لماذا كل هذا الأسى؟ أن أمكَ بقربك. هَلْ حبّي لَيسَ كافي؟ كم كثيراً من المرات أرّحتكَ من بلاياكَ؟ والآن، هَلْ ليس بوسع أمكَ أَنْ تَهبك بعض الراحةِ؟ أه يا أبا يسوعي، أنا لا أُريدُ أي شئ أكثر مما تُريدهُ أنت. أنك تَعْلم ذلك؛ لكن أنظر أن كان ممكن أن تخفف من بلاياه. أن أم أبنكِ تَسْألكُ هذا .
والآن على الجلجثة صرت احتج قائلة :" الهي، أعد النور لتلك الأعينِ التي أُمجّدُها! النور الذي طَبعتهَ فيها منذ اليوم الذى أعطيته لي, أيها الأب الإلهى، أنظر رعبَ ذلك الوجهِ القدّوسِ! هَلْ ليس من المُمكنُ على الأقل أن تَمْسحَ هذه الدماء الكثيرة؟ يا أبا أبني، يا عريس حبّي، يا من أنتَ بنفسك الكلمة التي شاءت أَنْ يَكُونَ لها ناسوتها منّي! ليت صلوات تلك الأيادي المتضرعة نحو السّماءِ من الأرضِ أن تَكُونُ توسلاً لأجله ولأجل استجابتي !
أنّظر يا إلهى، إِلى أى حد أنت قد خُفّضَته! إنها أمه من تَسْألكِ أَنْ تُخفّفَ كثيراً من أحزانه. بعد وقتِ قليلِ، سَأكُونُ بدونه. لذا فالوعد، الذي قطعته على نفسي من قلبي في الهيكلِ، سَيتحقق بالكامل. نعم، أنا سَأَبْقى وحيده، لكن خفف دون أن تلتفت لآلامي .

حُمِلَ الجسد المقدّس إِلى بقعةِ أسفل مستوى قمةِ الجلجثة، حيث كان يوجد سّطح نّاعم لصخرةِ مناسبَة لتطييب الجسد عليها. لقد رأيت أولا قطعة قماش كتّانيةِ، تُشبه كثيراَ شرائط الزينة ورَأيتُ ملاءة كبيرةَ أخرى مفَتوحَة. وُضع جسد مُخلصنا على قطعةِ القماش الكتاني، ووضع بعض الرّجالِ الآخرين الملاءة الأخرى فوقه. ثم سجدا كل من نيقوديموس ويوسف الرامى، وتحت هذه الَغْطاء حلا الكتان الذى كانا قَدْ لفاه حول خصرَ مُخلصنا عندما انزلا جسده من الصّليبِ. ثم مرروا الإسفنج أسفل هذه الملاءة وغَسلوا الأجزاء السفلي من الجسد ؛ بعد ذلك رَفعوه بمساعدةِ قِطَعة كتان جازت أسفل الخصرَ والرُّكَبتينَ، وغَسلاَ الظّهر دون أن الاضطرار لقلب الجسد المبارك. استمرّا يَغْسلانَ حتى صار الماء الذى يُعصر من الإسفنجِ صافىَ. ثم سكبا ماءَ نبات المرِّ على الجسدِ بالكاملِ، وبعد ذلك، أعدا الجسد بوقارِ، مدداه بالطول الطبيعيَ، لأنه كان ما زالَ في الوضعِ الذي مات عليه, الخصر والرُّكَب منحنية. ثم وَضعا أسفل فخذيه ملاءة عرضها ياردةَ وطولها ثلاث ياردات، ووَضعا حزمِ من الأعشابِ ذات الرائحة الحلوةِ، ونثرا على الجسدِ بالكاملِ بودرة كان نيقوديموس قَدْ جَلبَها. بعد ذلك لفوا الجزءَ الأسفل من الجسدِ، ورَبطوا القماش الذي وَضعوا أسفله بقوة. بعد هذا دَهنوا جراحَ الفخذِين، ووَضعَوا حزمَ من الأعشابِ بين السّاقينِ، التي مدوها بطولها الطبيعيِ، ولَفّوها بالكامل بهذا الحنوط .
أخذ يوحنا العذراء المباركة والنِّساء القدّيسات الأخريات مرة أخرى إِلى الجسد. سجدت مريم بجانب رأسِ يسوع، ووَضعَت أسفله قطعة ناعمة جداً من الكتان التي كَانتْ زوجة بيلاطس قَدْ أعطتها لها، بعد ذلك وبمسَاعدَ النِّساءِ القديّساتِ، وَضعتْ حزمِ الأعشابِ والحنوط والمساحيق ذات الرائحة الحلوةِ من الأكتافِ إِلى الخدين، ولفت بقوة قطعةِ الكتان هذه حول الرّأسِ والأكتافِ. سكبت المجدلية أيضا زجاجة صغيرة من البلسمِ علي جرحِ الجنبِ، ووضعت النِساء القديّسات المزيد من الأعشاب على جراح الأياديِ والأقدامِ. ثم وضع الرّجالِ حنوط حول كل بقيّةِ الجسدِ، وضعا الذراعان المقدّسةَ على هيئة صليب على الصّدرِ، ولفا ملاءة بيضاء كبيرة حول الجسد من الرأس حتى الصّدر، أخيراً، وَضعا الرب يسوع على ملاءة كبيرةِ، طولها حوالى ستة ياردات، كان يوسف الرامى قَدْ اشتراها ولَفوّه فيها. كَانَ يَرقد عليها بشكل قطري ، وزاوية من الملاءة قَدْ رُفِعتْ من الأقدامِ إِلى الصّدرِ، الأخرى على الرّأسِ والأكتافِ، بينما الزاويتان الأخريان لفا مرتان حول الجسدَ.
العذراء المباركة، النِّساء القدّيسات، الرّجال, الكل كان سْاجداُ حول جسدَ يسوع ليودعوه، عندما حدثت معجزةِ مؤثرة أمامهم. جسد يسوع المقدّس، بكل جراحه، ظَهرَ مَطْبُوعَ على القماشِ الذي غَطاه، كما لو أنه كَانَ مسرورَ أَنْ يُكافئهم على محبّتهم، ويَتْرك لهم صورة نفسه خلال القماش الذي التف به. بالدّموعِ احتضنوا الجسدَ الجدير بالحبَ، وبعد ذلك قَبّلواَ بتبجيل الرسم الذى طُبع الذي قَدْ تَركَه. زادت دهشتهم عندما رَفْعواِ الملاءة ، رَأوا أنّ كل الأربطة التي تحيط بالجسد قَدْ ظلت بيضاء كما هى، وأن القماشِ الأخير فقط هو الذى قَدْ طُبع بهذا الأسلوب الرّائعِ. أنه لم يكن تأثير الجراحِ النَّازِفةِ، لأن الجسد بالكامل قَدْ لف وتغُطّيْ بالحنوط، لكنها كانت صورة خارقةَ، تحمل شهادة عن القوةِ المبدعةِ الإلهية السَّاكِنةِ دوما في جسدِ يسوع. لقَدْ رَأيتُ عديد من الأشياءِ تختص بتاريخ قطعة الكتان هذه، لكنى لا أستطيع أَنْ أصفها بشكل متماسك. بعد القيامة ظلت الأكفان ملكِ لرفاق يسوع، لكنها وقعت مرّتين في أياديِ اليهودِ، وبعد ذلك كُرّمتَ في بِضْعَ أماكنِ مختلفةِ. لقَدْ رَأيتها في مدينةِ من آسيا، ملكِ لبعض المسيحيين المتأججين. لقَدْ نَسيتُ أسم المدينةِ، التي تَقعُ في ولايةِ قُرْب بلد الملوكِ الثّلاثة.


  رد مع اقتباس
إضافة رد


الانتقال السريع

قد تكون مهتم بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع
آلام المسيح وقيامته التي تنبأت بها الكتب المقدسة
حقائق صادمة جدّاً عن آلام السيد المسيح وقيامته
شاهد عيان أمام مديرية القاهرة: الانفجار أطاح بنا من فوق كراسي المقهى
آلام المسيح وصلبه وقيامته: جوهر البشارة
شاهد عيان بالخصوص :مدير أمن القليوبية هددنا وحاول اعتقال الأقباط المتواجدين أمام الكنيسة


الساعة الآن 12:56 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025