"وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ هِيَ أَنْ يَعرِفوكَ أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وَحدَكَ
وَيَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَهُ يَسوعَ المَسيح"
تُشيرُ عِبارَةُ "الحَياةُ الأَبَدِيَّة" إِلى مَعرِفَةِ الآبِ مُباشَرَةً، الإِلٰهِ الحَقِّ، وَيَسوعَ المَسيحِ ابنِهِ الوَحيد، لأَنَّهُ لَمّا دَخَلَتِ الخَطيئَةُ إِلى العالَم، فَقَدَ الإِنسانُ مَعرِفَتَهُ الحَقيقيَّةَ بِالله. وَالحَياةُ الأَبَدِيَّةُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا ّ، لا تَعني مُجرَّدَ الاِستِمرارِ في الوُجود، بَلِ الاِشتِراكَ في حَياةِ اللهِ نَفسِها.
فَهِيَ حَياةُ شَرِكَةٍ وَاتِّحادٍ وَمَحبَّةٍ مَعَ الآبِ وَالِابنِ. إِنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ هِيَ مَعرِفَةُ الآبِ وَالِابنِ مَعًا، لأَنَّ الآبَ وَالِابنَ إِلٰهٌ واحِد، لَهُما نَفسُ جَوْهَرِ الأُلوهِيَّة. َهٰذِهِ المَعرِفَةُ لَيسَت مُجرَّدَ مَعرِفَةٍ عَقليَّةٍ أَو فِكرِيَّة، بَلْ هِيَ مَعرِفَةٌ حَيَّةٌ تُثمِرُ مَحبَّةً وَاتِّحادًا.
فَالمَعرِفَةُ في الفِكرِ الكِتابِيِّ لا تَعني الاِدراكَ الذِّهنِيَّ فَحَسب، بَلِ الدُّخولَ في عَلاقَةٍ شَخصِيَّةٍ وَشَرِكَةِ حَياة. وَمِن هُنا تَنمو الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ بِقَدرِ ما يَتَعَمَّقُ الإِنسانُ في مَعرِفَةِ الله، الَّتي هِيَ لَيسَت مَنهَجًا فِكرِيًّا، بَلِ اتِّحادَ الكِيانِ بِالله. وَقَد أَعلَنَ يَسوعُ أَنَّ هٰذِهِ المَعرِفَةَ تُعطى لِلقُلوبِ المُتواضِعَة: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ وَالأَرض، عَلى أَنَّكَ أَخفَيتَ هٰذِهِ الأَشياءَ عَنِ الحُكَماءِ وَالأَذكِياءِ وَكَشَفتَها لِلصِّغار" (متّى 11: 25).
وَيُعَلِّقُ القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو قائِلًا: "تُعلِّمُنا الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ أَنَّ الحَياةَ الأَبَدِيَّةَ تَقومُ عَلى مَعرِفَةِ الإِلٰهِيّاتِ وَعَلى ثَمَرِ الأَعمالِ الصّالِحَة"(pl 16: 621-624).