![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
مَفهومُ ظُهورِ المَسيحِ القائمِ مِن بَينِ الأموات يَجِبُ التَّمييزُ بَينَ "الظُّهور" (ἐμφάνεια / ὤφθη) وَ"الرُّؤيا" (ὅρασις) فَالرُّؤيا تَركِّزُ على البُعدِ المَجديِّ وَتَكشِفُ أُمورًا سِرِّيَّةً سَماويَّةً في سِياقٍ رَمزيٍّ أَو نَبَويّ، أَمّا الظُّهورُ فَهُوَ فِعلٌ إِلهيٌّ يَجعلُ الكائِنَ غَيرَ المَنظورِ بِطَبعِهِ حاضِرًا حُضورًا مَلموسًا في التّاريخ، دونَ أَن يَفقِدَ طابِعَهُ السِّرِّيّ. وَأَقدَمُ شَهادَةٍ مَكتوبَةٍ لِظُهوراتِ المَسيحِ القائمِ يَقدِّمُها بولس الرسول في نَحوِ سَنَة 55م، مُستَنِدًا إِلى تَقليدٍ كَنَسيٍّ سابِقٍ، قائِلًا: "تَراءى لِصَخرٍ، ثُمَّ لِلاِثنَي عَشَر، ثُمَّ تَراءى لأَكثَرَ مِن خَمسِمِئَةِ أَخٍ مَعًا… ثُمَّ تَراءى لِيَعقوب… ثُمَّ لِجَميعِ الرُّسُل، وَآخِرَ الكُلِّ تَراءى لي أَنا أَيضًا" (1 قور 15: 5–8). تُظهِرُ هٰذِهِ الصِّيغَةُ الإيمانيَّةُ القَديمَةُ أَنَّ الظُّهوراتِ لَم تَكُن خِبراتٍ فَرديَّةً مَنعَزِلَة، بَل أَحداثًا كَنَسيَّةً مُتَعَدِّدَةَ الشُّهود. أَمَّا الأناجيلُ، فَتَذكُرُ بَعضَ هٰذِهِ الظُّهوراتِ وَتُعيدُ صِياغَتَها لاهوتيًّا: ظُهورُهُ لِسِمعانَ بُطرُس (لو 24: 34)، وَلِلجَماعَةِ الرُّسوليَّةِ (يو 20: 19–29)، وَلِمَريَمَ المَجدليَّة (يو 20: 11–18)، وَلِتِلمَيذَي عِمّاوس (لو 24: 13–35)، وَلِسَبعَةٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلى شاطِئِ البُحَيرَة (يو 21: 1–23). وَهٰذا التَّنوُّعُ يُظهِرُ أَنَّ الظُّهورَ لَم يَكُن نَمطًا واحِدًا، بَل خِبرَةً مُتَعَدِّدَةَ الأَبعادِ. وَيُمكِنُ تَصنيفُ الظُّهوراتِ إِلى نَوعَينِ: الأَوَّلُ: ظُهوراتٌ عامَّةٌ، وَهِيَ ذاتُ طابِعٍ رَسميٍّ كَنَسيّ، تَستَهدِفُ تَأسيسَ الإِرساليَّةِ وَإِرساءِ سُلطانِ الشَّهادَة (كَظُهورِهِ لِلرُّسُلِ في العَليَّة). الثّاني: ظُهوراتٌ خاصَّةٌ، تَدورُ حَولَ لِقاءٍ شَخصيٍّ يَقودُ إِلى التَّعرُّفِ على المَسيحِ الحَيّ (كَظُهورِهِ لِمَريَمَ المَجدليَّةِ أَو لِتِلمَيذَي عِمّاوس). لَم تَكُنِ الظُّهوراتُ، في ذاتِها، ضَروريَّةً مِن حَيثُ المَبدَأ، إِذ كانَ يُمكِنُ أَن يَقودَ فَهمُ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ إِلى الإِيمانِ بِالقِيامَة "لأَنَّهُم لَم يَكونوا بَعدُ يَعرِفونَ الكِتابَ أَنَّهُ يَنبَغي أَن يَقومَ مِن بَينِ الأموات"(يو 20: 9). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَقَد جاءَتِ الظُّهوراتُ كَاستِجابَةٍ لِإِيمانٍ لا يَزالُ في مَرحَلَةِ النُّموّ، كَما يَظهَرُ في عَدَمِ تَصديقِ التَّلاميذِ لِشَهادَةِ عِمّاوس (مر 16: 13). غَيرَ أَنَّ هٰذِهِ الظُّهوراتِ تَكتَسِبُ ضَرورَةً أُخرى تَاريخيَّةً وَكَنَسيَّة: فَأُولئِكَ الَّذينَ عاشوا مَعَ يَسوعَ النّاصِريّ هُمُ الَّذينَ دُعوا لِيَكونوا شُهودَ القِيامَةِ (أع 1: 21–22)، لِكَي تَتَجَذَّرَ نُقطَةُ الانطِلاقِ في الإِيمانِ المَسيحيّ في واقِعٍ تَاريخيٍّ مَلموس. وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ إِيمانَ الرُّسُلِ لَيسَ فِكرَةً مُجرَّدَة، بَل شَهادَةُ عِيانٍ لِحَدَثٍ مُعاشٍ. وَيُعَلِّقُ يوحنا الذهبي الفم قائِلًا: "لَم يَكتَفِ المَسيحُ بِإِعلانِ القِيامَةِ، بَل أَراهُم ذاتَهُ، لِكَي لا يَبقى لِلشَّكِّ مَوضِع" (pg 59, 468). كَما يُؤَكِّدُ غريغوريوس الكبير: "شَكُّ توما كانَ أَنفَعَ لِإِيمانِنا مِن إِيمانِ التَّلاميذِ الآخرين، لِأَنَّهُ بِاللَّمسِ شُفِيَ مِن شَكِّهِ، وَنَحنُ بِذٰلِكَ نَتَثَبَّتُ في الإِيمان"(pl 76, 1201). أَمَّا أوغسطينوس فَيُلَخِّصُ البُعدَ اللاهوتيَّ لِهٰذِهِ الظُّهوراتِ قائِلًا: "كانوا يَرَونَ الإِنسانَ، وَيُؤمِنونَ بِالله" (pl 35, 1973)، أَي أَنَّ الظُّهورَ يَجمعُ بَينَ الواقِعِ الحِسّيّ وَالإِعلانِ الإِلهيّ. وَهٰكَذا، يُمكِنُ القَولُ إِنَّ التَّلاميذَ رَأَوا الرَّبَّ القائمَ في اختِبارٍ تَاريخيٍّ حَقيقيّ، لٰكِنَّ هٰذِهِ الرُّؤيَةَ لَم تَكُن نِهايَةَ المَسار، بَل بَدايَتَهُ: إِذِ انتَقَلوا مِن رُؤيَةِ العَينِ إِلى إِيمانِ القَلب، وَمِن الإِيمانِ إِلى الشَّهادَة، لِيُصبِحوا أُسُسَ الكَنيسَةِ وَشُهودَ القِيامَةِ "إِلى أَقاصي الأَرض" (أع 1: 8). |
![]() |
|