«فَقَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: مِنْ أَيْنَ لَنَا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ خُبْزٌ بِهٰذَا ٱلْمِقْدَارِ، حَتَّى يُشْبِعَ جَمْعاً هٰذَا عَدَدُهُ؟».
مِنْ أَيْنَ لَنَا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ هذا دليل واضح أن ذلك المكان قفر خالٍ من السكان والطعام. وكان حصولهم على ما يحتاجون إليه بالوسائط الطبيعية مستحيلاً، ولم يتوقعوا الحصول على ذلك بمعجزة. وسؤال الرسل يذكرنا بقول موسى لله عن إطعام بني إسرائيل لحماً في البرية «أَيُذْبَحُ لَهُمْ غَنَمٌ وَبَقَرٌ لِيَكْفِيَهُمْ؟ أَمْ يُجْمَعُ لَهُمْ كُلُّ سَمَكِ الْبَحْرِ لِيَكْفِيَهُمْ؟» (عدد ١١: ٢٢).
ومن الغريب هنا أن الرسل نسوا معجزة إشباع خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين سابقاً، ولم يتوقعوا مثلها حينئذٍ. لكن قلب الإنسان يميل إلى عدم الإيمان في كل زمان ولا سيما في أوقات الضيق والاضطراب، فينسى النجاة السابقة، كما نسي بنو إسرائيل يوم اشتد بهم العطش أن الرب قد شق لهم البحر الأحمر، وتساءلوا «أَفِي وَسْطِنَا الرَّبُّ أَمْ لاَ؟» (خروج ١٧: ١ - ٧ ومزمور ٧٨: ١٩، ٢٠). فنسيان المراحم في الماضي يُولد الشكوك في الحاضر.
ولعدم توقع الرسل المعجزة ثلاثة أسباب:
(١) أنهم لم يروا سوى معجزة واحدة من هذا النوع. ومن وقتها رجعوا إلى الأكل بالطريق العادية.
(٢) أنه مضى عليهم ثلاثة أيام دون أن يُظهر لهم من المسيح ما يدل على أنه أراد أن يجري معجزة.
(٣) إن مشاورته لتلاميذه حملتهم على الظن بأنه أراد إطعام الجموع بوسائط عادية.