![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
"أجابوه: إننا ذرية إبراهيم، ولم نُستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت إنكم تصيرون أحرارًا؟" [33] واضح أنهم لم يدركوا حديث يسوع المسيح عن "الحرية"، فحسبوا دعوته لهم للتمتع بالحرية إهانة كبرى، لأنهم أبناء إبراهيم الحر، الذي يدعو الله "خليلي" (إش 41: 8). كان اليهود يفتخرون بأنهم نسل هذا الأب العظيم. يقول الربّي اكييبا AkibaRabbi الذي مات حوالي 135م: [يُنظر حتى إلى أفقر الأشخاص في إسرائيل كأحرار، هؤلاء الذين فقدوا ممتلكاتهم، لأنهم أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب. كل الأمة تعتز بهذه الكرامة الخاصة بانتسابها لهؤلاء الآباء العظماء لا بكثرة ممتلكاتهم]. هذا هو شعور اليهود في عصر المسيح. ظنوا أن انتسابهم لإبراهيم بالجسد يحررهم بينما نجد الغني الغبي في الجحيم يدعو إبراهيم أباه: "يا أبي إبراهيم ارحمني وأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد لساني، لأني معذب في هذا اللهيب" (لو 16: 24). كيف تجاسروا وقالوا: "لم نُستبعد لأحد قط" [33]؟ ألم يُستعبدوا للمصريين وقام موسى بتحريرهم؟ ألم يُستعبدوا عدة مرات لأمم مجاورة في أيام القضاة؟ ألم يُستعبدوا لبابل مدة سبعين عامًا؟ وأخيرًا يدفعون الجزية لقيصر الروماني؟ لا يبالي الجسدانيون بالعبودية الداخلية، كل ما يشغلهم تمتعهم بالشهوات الجسدية. * هكذا هو افتخار اليهود: "نحن ذرية إبراهيم"، "نحن إسرائيليون". إنهم لم يشيروا قط إلى أعمالهم البارة. لهذا صرخ فيهم يوحنا قائلًا: "لا تقولوا لنا إبراهيم أبًا" (مت 3: 9). ولماذا لم يفحمهم المسيح إذ كثيرًا ما استعبدهم المصريون والبابليون وأمم كثيرة؟ لأن لكماته لم يقدمها لينال كرامة لنفسه، وإنما لأجل خلاصهم، لنفعهم، فكان يضغط عليهم بهذا الهدف... إنه لم يرد أن يظهر أنهم كانوا عبيدًا للناس بل للخطية، التي هي عبودية خطيرة، لا يقدر أن يحررهم منها سوى الله وحده. القديس يوحنا الذهبي الفم * كل شخصٍ: يهودي أو يوناني، غني أو فقير، صاحب سلطة أو في مركز عام، الإمبراطور أو الشحاذ، "كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" [34]. إن عرف الناس عبوديتهم يرون كيف يقتنون الحرية. المولود حرًا ويسبيه البرابرة يتحول من حرٍ إلى عبدٍ، وإذ يسمع عنه شخص آخر يتحنن عليه ويتطلع أن لديه مالًا فيفديه، يذهب إلى البرابرة ويعطيهم مالًا ويفدي الرجل. إنه بالحق يرد له الحرية، إذ ينزع الظلم... إني أسأل الذي أُفتدى: هو أخطأت؟ يجيب "أخطأت". إذن لا تفتخر بنفسك أنك قد أُفتديت، ولا تفتخر يا من افتديته، بل ليهرب كليكما إلى الفادي الحقيقي. أنه جزئيًا يُدعى الذين تحت الخطية عبيدًا، إنهم يدعون أمواتا. ما يخشاه الإنسان حلول السبي عليه الذي جلبه الإثم عليه فعلًا. لماذا؟ هل لأنهم يبدون أنهم أحياء؟ هل أخطأ القائل: "دعي الموتى يدفنون موتاهم" (مت 8: 22)؟ إذن فكل الذين تحت الخطية هم أموات، عبيد أموات، أموات في خدمتهم، وخدام (عبيد) في موتهم القديس أغسطينوس * من الذي يحرر من الموت ومن العبودية إلاَّ ذاك الذي هو "حرّ من بين الأموات" (مز 88: 5)؟ من هو "الحرّ من بين الأموات" إلاَّ ذاك الذي بلا خطية وسط الخطاة؟ يقول مخلصنا نفسه، منقذنا: "رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء" (يو 14: 30). (رئيس هذا العالم) يمسك بمن يخدعهم ومن يغويهم، ومن يحثهم على الخطية والموت، هذا "ليس له فيَّ شيء". تعال أيها الرب، تعال أيها المخلص. ليتعرف عليك الأسير. دع من اقتيد إلى السبي أن يهرب إليك. كن فاديًا له! إذ كنت مفقودًا وجدني ذاك الذي لم يجد الشيطان له فيه شيئًا آتيا من الجسد. لقد وجد في رئيس هذا العالم جسدًا، لقد وجده لكنه أي نوع من الجسد؟ جسد مائت يمكن أن يمسكه ويقدر أن يصلبه وأن يقتله! لقد أخطأت يا أيها المخادع فإن المخلص لا يُخدع... إنك ترى فيه جسدًا قابلًا للموت لكنه ليس جسد الخطية، بل على شبه جسد الخطية. "الله أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد" (رو 8: 3). في جسد، لكن ليس في جسد الخطية بل "في شبه جسد الخطية". لأي هدف؟ "لكي بالخطية التي بالتأكيد لم يكن منها شيء فيه، يدين الخطية في الجسد، فيتحقق برّ الناموس فينا، نحن الذين لا نسلك حسب الجسد بل حسب الروح (رو 8: 4). لا يدع أحد نفسه حرًا لئلا يبقى عبدًا. لا تبقى نفوسنا في عبودية، لأنه يُعفى عن ديوننا يومًا فيومًا. * حتى بالنسبة للحرية في هذه الحياة، أين هو الحق عندما تقولون: "لم نُستعبد لأحدٍ قط"؟ ألم يُبع يوسف (تك 37: 28)؟ ألم يذهب الأنبياء القديسون إلى السبي (2 مل 24؛ خر 1: 1)؟ مرة أخرى أليست هذه الأمة عندما كانت تصنع اللبن في مصر خدمت حكامًا عنفاء ليس في ذهب وفضة بل في صنع الطوب (خر 1: 14)؟ إن كنتم لم تُستعبدوا قط لأحد يا أيها الشعب الجاحد، فلماذا يذكركم الله باستمرار أنه خلصكم من بيت العبودية (خر 13: 3؛ تث 5: 6)...؟ كيف تدفعون الجزية للرومان، والتي من خلالها أقمتم فخًا لتصطادوا الحق فيه عندما قلتم: "هل يجوز أن نعطي الجزية لقيصر؟" وذلك حتى إن قال يجوز ذلك تتهمونه بسرعة أنه يسيء إلى حرية نسل إبراهيم، وإن قال لا يجوز تشتكونه أمام ملوك الأرض بكونه يمنع الجزية لمثل هؤلاء؟ القديس أغسطينوس |
![]() |
|