![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 21 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() الكبّاذوكيون
يعود للكبّاذوكيين، باسيليوس الكبير وأخيه غريغوريوس النيصيّ، وغريغوريوس النزينزي، الفضل في رسم النهج الواضح للاهوت الثالوث الأقدس، وقد سار عليه اللاهوتيون في الشرق ثم في الغرب. فقد ميّزوا أوّلاً بين الأقنوم، والجوهر. فالأقانيم الثلاثة، الآب والابن والروح القدس، لهما جوهر واحد، أو طبيعة إلهية واحدة. وما يميّز الأقانيم أحدها عن الآخر هو العلاقة الخاصّة التي تربط كلا منها بالآخر. فالأبوّة هَي ميزة الآب، والولادة مَن الآب هي ميزة الابن، والانبثاق من الآب هي ميزة الروح القدس. والأقانيم الثلاثة لها الكرامة ذاتها، لأن مساواتها هي في الجوهر وفي الأزلية. فالابن مولود من الآب منذ الأزل، والروح منبثق من الآب منذ الأزل. يقول غريغوريوس النزينزي: "إنّهما ليسا بدون بداية، ولكن، في آن واحد وعلى نحو ما، هما بدون بداية. لا تناقض في هذين القولين إلا في الظاهر، لأنهما ليسا دون بدابة على صعيد العلّة والسبب.. إنّما هما دون بداية على صعيد الزمن". ويبين غريغوريوس النيصيّ، في مقالته "ليس هناك ثلاثة آلهة"، أنّ كل عمل يقوم به أحَد الأقانيم الثلاثة خارج الثالوث، إنّما يقوم به بالاشتراك مع الأقنومين الآخرين، مع أن كلّ أقنوم يقوم بالعمل نفسه على نحوه الخاصّ، فيقول: "في الطبيعة الإلهية لا يعمل الآب شيئاً ما إلاّ مع الابن، وكذلك الابن لا يقوم بعمل ما منفصلا عن الروح القدس، بل كلّ عمل يمتدّ من الله إلى الخليقة، ويمكننا تمييزه وفق مفاهيمنا، إنّما أصله في الآب، ويأتي من الابن، ويجد كماله في الروح القدس". ويؤكّد غريغوريوس النبيصيّ وحدة الطبيعة الإلهية والفرق به الأقانيم، جاعلاً هذا الفرق في العلّة والسبب فالآب هو علّة وجود الابن والروح، غير أنّ الابن يولد مباشرة من الآب، أما الروح فينبثق من الآب بواسطة الابن. لذلك يدعى الروح القدس في الكتاب المقدّس روح الله الآب و"روح المسيح"، كما جاء في قول بولس: "من ليس فيه روح المسيح فهو ليس له" (رو 8: 9). ثمّ يضيف: "إن الروح الذي هو من الله هو إذًا أيضاً روح المسيح. أمّا الابن فهو من الله وليس من الروح، ولا يقال عنه كذلك. وترتيب العلاقات هذا ثابت، ولا يمكن أن يعكس، فيقال مثلا: إن المسيح هو مسيح الروح، كما يقال إن الروح هو روح المسيح". |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 22 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ألوهية الروح القدس
لقد اهتمّ الكباذوكيون اهتماماً خاصّاً بتبيين ألوهيّة الروح القدس ضد مكدونيوس وأفنوميوس وأتباعه. اغتصب مكدونيوس كرسيّ القسطنطينية بأيدٍ من الملك قسطنديوس بعد إنزال أسقفها القانونيّ بولس. إلا أنه لم يعتّم أن خلع عن كرسيّه سنة 360. وكان مكدونيوس من أتباع الآريوسية المعتدلة التي كانت تعظّم الابن غير الخلوق، إلاّ أنها تنكر عليه أن يكون "من ذات جوهر الآب". أمّا عن الروح القدس، فكان مكدونيوس يقول "إنّه أحد الأرواح الخادمة، وإنّه لا يختلف عن الملائكة إلا بالرتبة". فكان إنكار ألوهيّة الروح القدس ضلاله الرئيس، لذلك دعي أتباعه "محاربي الروح". أمّا إفنوميوس وأتباعه فكانوا من الآريوسيين المتطرّفين. فكتب باسيليوس مقالة "ضد أفنوميوس"، وأخرى "في الروح القدس". ففيمَا كان يقول أفنوميوس: "إنّ الروح القدس هو ثالث بالكرامة والمرتبة، لذلك هو ثالث بالطبيعة" يجيب غريغوريوس النزينزي فيؤكّد أنّ الروح القدس هو إله، ويبيّن ألوهيّته مع الآب والابن: "ماذا إذن؟ هل الروح القدس هو إله؟- دون جدل.- ماذا إذن؟ ومن الجوهر الواحد؟- نعم، بمَا أنه إله". "لنرتعد أمام عظمة الروح الذي هو أيضا إله. فبالروح عرفنا الله. إنّه إله بأجلى بيان، هو الذي يؤلّهني، وكلّي القدرة وموزّع المواهب الإلهية، يعطي الحياة للكائنات السماوية والأرضية، هو الذي يحيا في الأعالي، وينبثق من الآب. إنّه القوة الإلهية، ومع ذلك يعمل من تلقاء نفسه. ليس هو بالابن، لأنّ للآب السماويّ ابنًا وحيدًا مملوءًا من صلاحه، ولكنّه ليس بغريب عن الإله غير المنظور، بل يتمتعّ بمجد مماثل لمجده". وكذلك غريغوريوس النبيصيّ، في عظته "ضدّ المكدونيّين"، يبيّن ألوهيّة الروح القدس انطلاقًا من عمل الروح، الذي لا ينفصل عن عمل الآب والابن. فالنعمة الإلهية تأتينا من الآب بالابن والروح. فكيف يمكن أن يكون الروح مخلوقاً، وهو الذي يحيينا بالمعمودية؟ إن ما يعطى لنا هو مسحة الابن الملكيّة، بيد أنّ هذا الملك الإلهي الذي ينزل مع المسيح على الأرض ويمنحه الروح هو ملك أزليّ: فلا بدّ أن يكون الروح أزليّاً. |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 23 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() لقد تميّز الكباذوكيّون، في عرضهم لعقيدة الثالوث الأقدس، بثلاث ميزات:
1 ) ينطلقون من تثليث الأقانيم، ويبيّنون أنّ الأقانيم الثلاثة متّحدون في جوهر واحد، هو جوهر الألوهة، والطبيعة الإلهية. 2) يرون في الكتاب المقدس أساس تثليث الأقانيم ووحدة الجوهر: فالآب ظهر بالابن وبالروح، وعمل الآب والابن والروح هو عمل واحد بالنسبة إلى تقديس الإنسان وتأليهه. فعلى السؤال الذي يمكن طرحه: لماذا نؤمن أنّ الإله الواحد هو في ثلاثة أقانيم وليس أكثر، نجيب انطلاقًا من هذه النظرة: لأن الله ظهر لنا في الوحي الكتابيّ ثالوثًا، وهذا الظهور هو كمال وحي الله لذاته . 3) الميزة الثالثة تقوم على الترتيب الذي يضعونه بين الأقانيم تأكيد وحدة الجوهر: فالأب هو المصدر الذي منه وُلد الابن، ومنه انبثق الروح. بيد ان هذا الترتيب هو فقط بالنسبة إلى المبدأ والعلّة، لا بالنسبة إلى الجوهر ولا بالنسبة إلى الأزليّة.. فالابن والروح هما من ذات جوهر الآب، وهما أزليّان معه. لذلك يرتكز التوحيد، أي إن الله واحد، في لاهوت الكبّاذوكيّين ومن بعدهم في اللاهوت الشرقيّ عامّة، على دعامتين: وحدة الجوهر، أي وحدة جوهر الألوهة أو وحدة الطبيعة الإلهية، ووحدة المصدر والمبدإ والينبوع يتبع |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 24 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() القديس أوغسطينوس
في حين ينطلق الآباء الشرقيّون، في نظرتهم إلى الثالوث الأقدس، من الأقانيم الثلاثة للوصول إلى الجوهر الواحد، ينطلق أوغسطينوس، على غرار ترتوليانوس، من وحدة الجوهر، ثم ينتقل إلى الأقانيم الثلاثة فالجوهر الإلهيّ، في نظره، يسبق منطقياً الأقانيم الثلاثة. ومن الوحدة في الجوهر تنتج نظرة أوغسطينوس إلى علاقة الثالوث الأقدس بالعالم. فلا يكتفي بالقول، على غرار الكبّاذوكيين، إنّ الأقانيم الثلاثة بعضها غير منفصل عن بعض في أعمالها تجاه العالم، بل يذهب إلى القول إن الأقانيم الثلاثة مرتبطة بالعالم كمبدإ واحد. غنيّ عن البيان أنّ الكتاب المقدس يتكلّم لغة أخرى. وهذا ما رآه جليًّا الكبّاذوكيون الذين يؤكّدون أن كل أقنوم متميّز في عمله عن عمل الآخرين، دون أن يكون منفصلاً عنهما. أمّا أوغسطينوس فيعتبر أن هذا التمييز بين عمل الأقانيم هو في الواقع مجرّد تعبير بشري يدعوه "التخصيص"، أي إننا نحن البشر نخص كلاًّ من الأقانيم بالأعمال التي تتوافق أكثر مع مصدره، مع ان كلّ تلك الأعمال هي في الواقع من عمل الأقانيم الثلاثة. أمّا ما يميّز الأقانيم فهو فقط العلاقة التي تربط الواحد بالاثنين الآخرين وهذه العلاقة هي علاقة محبة. ولقد استند أوغسطينوس إلى تعريف الله كما ورد عند يوحنا الإنجيلي: "الله محبة" (1 يو 4: 16)، ورأى في الأقانيم الثلاثة العناصر الثلاثة الضروريّة التي تكوّن المحبة: المحبّ، المحبوب، والمحبة ذاتها. فالآب هو الذي يحبّ الابن، والابن هو الذي يحبّه الآب، والروح القدس هو المحبة ذاتها، كما جاء في قول بولس الرسول: "إنّ محبّة الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه" (رو 5: 5). فالروح القدس هو علاقة المحبة التي تربط الآب بالابن والابن بالآب، هو المحبة المتبادلة بين الآب والابن. وهذا ما يفسّر، في رأي أوغسطينوس ما ورد في العهد الجديد عن الروح القدس من أنّه تارة "روح الآب" وتارة "روح الابن". وهكذا يحافظ على فكرة "المبدأ الواحد" بين الأقانيم الثلاثة، تلك الفكرة التي ركّز عليها الآباء الشرقيّون إلى جانب تأكيدهم وحدة الجوهر في الآب والابن والروح القدس. |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 25 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() القديس يوحنا الدمشقي
إنّ القديس يوحنا الدمشقي هو آخر الآباء الشرقيِّين، وقد عمل في لاهوته على عرض أفكار الآباء اللاهوتيّة في منهج تعليميّ. لذلك، في موضوع الثالوث الأقدس، لا تختلف نظرته عن نظرة الآباء الكباذوكيّين. ولقد أوجزها في الفصل الثامن من القسم الأوّل من كتابه "المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ". (أ) ينطلق من الإيمان بالإله الواحد فيقول: "إذاً نؤمن بإله واحد، بدءٍ واحد لا بدءَ له، غير مخلوق ولا مولود، لا يزول ولا يموت، أبديّ، لا يُحصر ولا يُحدّ، ولا يحاط به، لا تُحصر قوّته، بسيط وغير مركّب.. صانع كل المخلوقات مايرى منها وما لا يرى.. مترفّع عن كلّ جوهر لجلال جوهره، وكائن فوق كلّ الكائنات. فائق اللاهوت وفائق الصلاح وفيّاض. هو النور بالذات والصلاح بالذات والحياة بالذات والجوهر بالذات، لأن وجوده ليس من غيره ولا من كلّ الموجودات، لأنه هو ينبوع الوجود لها كلّها، وينبوع الحياة للأحياء والنطق للمتمتّعين بالنطق وعلّة جميع الخيرات للجميع. هو عالم بكلّ الأشياء قبل كيانها، وهو جوهر واحد ولاهوت واحد وقوّة واحدة ومشيئة واحدة وفعل واحد ورئاسة واحدة وسلطة واحدة، وتؤمن به كل خليقة ناطقة وتعبده". ثم يضيف، مؤكّداً اتّحاد الأقانيم رغم تمييزها: "فالأقانيم متّحدون دون اختلاط، ومتميّزون دون انقسام- وهذا أمر غريب-. هم آب وابن وروح قدس، بهم اعتمدنا. فإنّ الربّ قد أوصى تلاميذه أن يعمّدوا على النحو التالي قائلاً: "معمّدين إيّاهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 28: 19). |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 26 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ب) ثم ينتقل إلى التمييز بين الأقانيم، مبتدئًا من التمييز بين الآب والابن، فيقول:
" نؤمن بآب واحد، مبدإ الجميع وعلّتهم. لم يلده أحد وهو وحده أيضاً غير معلول ولا مولود، صانع الكلّ، وأب بالطبيعة لمن هو وحده "الابن الوحيد"، ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح. وهو مصدر الروح القدس. "ونؤمن بابن الله الواحد والوحيد، ربنا يسوع المسيح، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، من ذات جوهر الآب، الذي به كان كل شيء. فبقولنا إنّه قبل الدهور، نبيّن أنّ ولادته لم تكن في الزمن ولم تيتدئ، لأنّ ابن الله لم ينتقل من العدم إلى الوجود فهو بهاء المجد.. الذي كان دائماً مع الآب وفي الآب، مولود من ولادة أزلية لا بدء لها. فإنّه ما كان قطّ زمن لم يكن الابن فيه، بل حيثما الآب فهناك الابن المولود منه، لأنه بدون الابن لا يسمّى آباً. وإذا لم يكن له الابن، فليس هو آباً. وهذا أفظع من كلّ كفر. ويوضح لماذا يدعى الابن "ابن الله الوحيد": "فهو الوحيد، لأنّه وُلد وحده من الآب ولادة وحيدة. فليس من ولادة أخرى تساوي ولادة الابن من الله، وليس من ابن الله سواه". ثم يتابع موضحًا الفرق بين الابن والروح: "أمّا الروح القدس، فينبثق من الآب لا بالولادة بل بالانبثاق. وطريقة الوجود الأخرى هذه لا تدرك ولا تعرف، شأنها شأن ولادة الابن. لذلك كل ما هو للآب هو أيضاً للروح، ما عدا اللاولادة التي لا تشير إلى جوهر أو رتبة مختلفين، بل إلى طريقة الوجود. فإنّ آدم مثلا هو غير مولود لأنّه جبلة الله وشيتًا مولود لأنّه ابن آدم، وحواء منبثقة من ضلع آدم وهي غير مولودة. ولا يختلف واحدهم بالطبيعة عن الآخر، لأنّهم بشر، بل يختلفون في طريقة وجودهم". |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 27 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ج) ثم يوضح كيف أن الثلاثة إله واحد:
"إن كلاًّ من الأقانيم هو في الآخر، لئلاّ نصير إلى كثرة وجمهرة في الإلهة. لذلك نقرّ بعدم تركيب الأقانيم الثلاثة وبعدم اختلاطهم، ولذلك أيضا نعترف بوحدة الأقانيم في الجوهر، وبأنّ كلّ واحد منهم هو في الآخر، وبأنها هي هي مشيئتهم وفعلهم وقوّتهم وسلطتها وحركتهم- إذا صحّ التعبير، وبأنّهم إله واحد غير منقسم. فإنّ الله واحد حقاً، وهو الله وكلمته وروحه. " إني لا أقول بتشابه، بل بوحدة هوّية، ووحدة انطلاق الحركة. فالجوهر واحد والصلاح واحد والقوّة واحدة والمشيئة واحدة والفعل واحد والسلطة واحدة، بل هي واحدة وهي هي نفسها، لا ثلاثة أمثال بعضهم في بعض، بل حركة واحدة وهي هي في الأقانيم الثلاثة. فلكلّ منهم، بالنسبة لغيره، ليس أقلّ مما له بالنسبة لنفسه، أي إن الآب والروح القدس واحد في كلّ شيء، ما عدا اللاولادة والولادة والانبثاق. وهذا التمييز بكون بفعل التفكير، فنعرف الله واحدا، ونعرف في وحدة خواصّه الأبوّة والبنوّة والانبثاق. ونفهم الفرق على حسب العلّة والمعلول وكمال كل أقنوم، أي طريقة وجوده. فلسنا نستطيع القول بانفصال مكانيّ- كما هو الحال عندنا- في اللاهوت غير المحدود، لأنّ الأقانيم هم أحدهم في الآخر، لا على طريقة الاختلاط، بل التواجد، على نحو قول الرب القائل: "أنا في الآب.. والآب فيّ" (يو 14: 11). "ولسنا نقول باختلاف في الإرادة أو الرأي أو الفعل أو القوّة أو أي شيء آخر، الأمر الذي يُحدث الانقسام الفعليّ الذي فينا في كلّ شيء. لذلك لا نقول بآلهة ثلاثة، آب وابن وروح قدس، بل بالأحرى بإله واحد، الثالوث المقدّس، مرجعُ الابنِ والروحِ فيه إلى علّة واحدة بدون تركيب ولا اختلاط - ذلك ضد هرطقة صابيليوس- فإنهم متّحدون، كما قلنا، لا للاختلاط بل للتواجد بعضهم في بعض ونفوذ أحدهم في الآخر، بدون امتزاج، ولا تشويش، ولا انفصال، ولا انقسام- ذلك ضد هرطقة آريوس". يؤكد يوحنا الدمشقيّ في هذا النصّ، وحدة الجوهر، أي وحدة الألوهة ووحدة الخواص الإلهيّة: الصلاح والقوّة والمشيئة والفعل والسلطة. لذلك لا نقول بآلهة ثلاثة، بل بإله واحد. لكن الإله الواحد الذي نؤمن به هو في ثلاثة أقانيم غير مختلطين، أي متميّزين (وذلك ضد صابيليوس والبدعة الشكلانية)، وغير منفصلين ولا منقسمين (وذلك ضد آريوس). ثم يوضح هذا التمييز بين الأقانيم في الإله الواحد، فيقول: وإذا وجب الاختصار نقول: إنّ اللاهوت لا يمكن أن يُقسم إلى أقسام، وهو على نحو ما يصير في ثلاثة شموس متواجدة بعضها في بعض وهي لا تنفصل، فيكون مزيج النور واحداً والإضاءة واحدة إذاً عندما ننظر إلى اللاهوت، على أنه العلّة الأولى، والمبدأ الواحد، والواحد، وحركة اللاهوت ومشيئته الواحدة- إذا صحّ القول-، وقوّة الجوهر وفعله وسيادته ذاتها، فالذي يتصوّر في ذهننا هو الواحد. أما عندما ننظر إلى مَنْ فيهم اللاهوت أو- بعبارة أدق- إلى مَنْ هم اللاهوت، لا سيما إلى الصادرَين من العلّة الأولى بلا زمن والمساويَين لها في المجد وعدم الانفصال- أعني الابن والروح-، فالمسجود لهم ثلاثة: الآب آب واحد وهو لا مبدأ له- أي لا علّة له-، لأنّه ليس من أحد. والابن واحد وهو ليس بلا مبدإ- أي بلا علّة- وهو من الآب. وإذا اعتبرت البدء انطلاقاً من الزمن، فالابن لا بدء له، لأنّه صانع الأزمان وهو ليس تحت الزمن. والروح القدس روح صادر من الآب وذلك ليس بالولادة بل بالانبثاق، لأن الآب لم بنفكّ أن يكون غير مولود- فإنّه قد ولد الابن- والابن لن ينفكّ أن يكون مولوداً- لأنه وُلد من غير المولود-، فكيف إذاً؟ والروح القدس لا يستحيل إلى الآب أو إلى الابن، لأنه منبثق ولأنّه إله. فإنّ خاضته لا تتحرّك، وإلاّ كيف تبقى خاصّة إذا تحرّكت واستحالت؟ فإذا صار الآب ابناً، فلا يكون آباً بالحقيقة- لأنّ الآب واحد حقاً- وإذا صار الابن آباً فلا يكون ابناً بالحقيقة، لأن الابن واحد حقاً. والروح القدس واحد. " واعلم أننا لا نقول إنّ الآب من أحد، بل نقول إنّه أبو ابنه، ولا نقول إنّ الابن علّة أو آب، بل نقول إنّه من الآب وإنّه ابن الآب. ونقول أيضاً إنّ الروح القدس من الآب، ونسمّيه روح الآب. ولا نقول إنّ الروح القدس من الابن، ومع ذلك نسميه روح الابن. يقول الرسول الإلهي: " إن كان أحد ليس فيه روح المسيح فهو ليس منه" (رو 8: 9). ونعترف أنّ الابن يظهره ويمنحه لنا، فقد قال: "نفخ في تلاميذه وقال لهم: خذوا الروح القدس" (يو 20: 22). فكما أن الشعاع والنور من الشمس- وهي ينبوع الشعاع والنور- كذلك يمنح لنا إشراق نوره بواسطة الشعاع، فينيرنا به ويكون متعتنا. ولسنا نقول إن الابن ابن الروح ولا إنه من الروح". إنّ تشبيه الأقانيم الثلاثة في الجوهر الواحد بالشمس وشعاع الشمس ونور الشمس هو تشبيه قديم في اللاهوت المسيحي. وهو يوضح أنّ الشمس لا يمكن أن تكون شمساً دون شعاع ودون نور. كذلك الآب لا يمكن أن يكون آباً دون ابن ودون روح. وكما أنّ الشمس لا تأتي إلينا كلّها، بل فقط بشعاعها ونورها، كذلك الله الآب لا يأتي إلينا إلاّ بابنه وروحه. وكما أنّ الشعاع والنور هما من ذات جوهر الشمس، كذلك الابن والروح هما من ذات جوهر الآب. فإذا حدّدنا الجوهر بقولنا إنه الجواب على السؤال: "ما هذا؟"- والأقنوم بأنه الجواب على السؤال: "من هذا؟"، نقول إنّ مما يأتي إلينا، في التجسد هو الله في جوهره الإلهي، أما مَنْ يأتي إلينا فهو ليس أقنوم الآب، بل أقنوم الابن وأقنوم الروح القدس. تلك هي تعاليم القديس يوحنا الدمشقيّ في الثالوث الأقدس، وقد استفضنا فيها بعض الشيء، لكونها توجز تعليم الآباء الشرقيّين في هذا الموضوع الأساسيّ في الإيمان المسيحيّ. يتبع |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 28 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() العمل الواحد للأقانيم الثلاثة والدور المتمايز لكل أقنوم
أ) الخلق نحن نؤمن أن الثالوث القدوس هو الخالق، وأن الأقانيم الثلاثة يعملون معًا مع تمايز دور كل أقنوم في عملهم الواحد. فالسيد المسيح يقول "مهما عمل ذاك (أى الآب) فهذا يعمله الابن كذلك" (يو5: 19). ومثلما قيل في المزمور "بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فيه كل جنودها" (مز33: 6) وهذا معناه أن الآب قد خلق السماوات ومن فيها بكلمته وبروحه القدوس. وفي سفر التكوين كُتِب "فى البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور" (تك 1:1- 3). ويلاحظ اشتراك الروح القدس والكلمة مع الآب في خلق السماوات والأرض في اليوم الأول للخلق، وبالتالى باقى أيام الخليقة الستة. ومعلوم طبعًا أن الله الكلمة الابن الوحيد قد كُتب عنه "كل شىء به كان وبغيره لم يكن شىء مما كان" (يو1: 3). وقيل عنه أيضًا : "فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق الذي هو قبل كل شىء وفيه يقوم الكل" (كو 1 : 16، 17). فقد ورد في الأسفار المقدسة الكثير مما يثبت أن الابن هو خالق أيضًا مثل الآب. وكما نقول فى القداس الغريغورى : "المساوى والجليس والخالق الشريك مع الآب" والمقصود بعبارة "الخالق الشريك" هو اشتراك الابن مع الآب في الخلق. وورد في سفر أيوب: "روح الله صنعنى ونسمه القدير أحيتنى" (أى33: 4). وقد جاء ذلك على لسان أليهو بن برخائيل الذي تكلم الكلام الصحيح بعد أن أخطأ أصحاب أيوب الثلاثة في كلامهم، وأجابهم أيوب بكلام لم يرض الله عنه، كما لم يرض عن كلامهم، فصحح أليهو للجميع فى النهاية بكلام قبله الله ولم يعترض عليه. وأيضًا ورد في نفس السفر: "ولكن في الناس روحًا ونسمة القدير تعقّلهم" (أى32: 8). وهذه الأقوال تعنى أن الروح القدس خلق الإنسان ومنحه الحياة وخلق فيه الروح العاقل لأنه يقول "نسمة القدير تعقلهم". ونحن نقول عن الروح القدس في قانون الايمان أنه "الرب المحيى". ونقول في صلاة الساعة الثالثة أنه "كنز الصالحات معطى الحياة" (القطعة الرابعة). إذن نحن نؤمن أن الروح القدس هو الذي يمنح الحياة للكائنات الحية. فهو مانح الحياة ورازق الحياة ومعطى الحياة. |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 29 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ب) الخلاص:
أما بالنسبة للخلاص فإن الخلاص ليس هو عمل الابن وحده، بل هو عمل الأقانيم الثلاثة، وإن كان كل أقنوم له دور متمايز عن الآخر في عمل الخلاص. وقال معلمنا بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين "المسيح الذي بروح أزلى قدَّم نفسه لله بلا عيب" (عب 9: 14). أى أن الابن قدَّم نفسه ذبيحة لله الآب بالروح القدس. وبهذا نرى أن الله الآب كان " فى المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (2كو5: 19). وفي ألحان الكنيسة وتسابيحها وصلواتها نقول عن الابن المتجسد "هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على الصليب عن خلاص جنسنا، فاشتّمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة" (لحن (Vai etaf enf |
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 30 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ج) عند نهر الأردن:
وفى نهر الأردن كان الابن في المياه يؤسس المعمودية المقدسة، والآب إذ انفتحت السموات يقول "هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت" (مت3: 17)، والروح القدس آتيًا ومستقرًا على الابن المتجسد بهيئة جسمية مثل حمامة. |
||||
![]() |
![]() |
أدوات الموضوع | |
انواع عرض الموضوع | |
|