ذكر الموت دواء
وأيضاً متى لاحظ القدّيس يوحنا بعض المتعجرفين المتذاكين المازحين الوقحين في محضره كان يقول قولاً كهذا: "يكفينا لكي نخلص، يا أخوتي، أن نتأمل دائماً، وبصورة جديّة، بالموت وأنه متى أتت الساعة فلن يكون للواحد منا رفيق غير أعماله. وعندما يسرع الملائكة إلينا فيا لشقاء النفس، إذ ذاك، إذا كانت غير مستعدّة! سوف نتوسل بدموع لتعطى لنا فرصة أخرى ولو قصيرة، وسيقال لنا: "ماذا فعلت خلال كل هذا الزمان؟! كيف أضعته؟! ويل لي أي مخاوف تقبض على نفسي وكيف أرتجف متى دعيت لأقدم حساباً دقيقاً قاطعاً عما فعلت؟! ألم تسمعوا بما أُعلن للقدّيس سمعان العامودي في رؤيا: "متى خرجت النفس من البدن وأخذت طريقها إلى السماء تلتقيها قوات من الأبالسة، كل في فرقته. فكوكبة من شياطين العجرفة تتصدى لها وتتحسّسها من كل صوب لترى إن كان للنفس أعمال من أعمالها. وكوكبة من الأرواح المفترية تلتقيها فتتصفّحها لترى إن كانت قد تكلمت بافتراء ولم تتب. وأيضاً تنتظرها، في موضع أعلى، شياطين الزنى فيفتشون عما بثّوه في تلك النفس علهم يجدونه. وفيما تساق النفس الشقية لتقدم الحساب في طريقها من الأرض إلى السماء، يقف الملائكة جانباً ولا يعينون. فقط فضائل النفس، إذ ذاك، تعين..."
كلام القدّيس يوحنا عن الموت كان حياً لدرجة أنه والحاضرين معه كانوا يتمثلون الدينونة كما لو كانت أمام عيونهم فيهلعون ويرتجفون. وكان هو يقول في صرخة صلاة: "أعطنا، ربي، ملائكتك القدّيسين أدلاء يحفظوننا ويهدوننا لأن سخط الشياطين علينا مريع، ومريع الخوف والارتجاف وخطر السفر عبر بحر الهواء. فإنه إذا ما كان السفر من مدينة إلى مدينة على الأرض يستدعي دليلاً يقودنا لئلا نقع في الشقوق وأجحار الضواري أو الأنهر المتعذّر اجتيازها أو الجبال التي لا معبر فيها ولا يبلغ إليها أو في أيدي اللصوص أو في صحاري لا ماء فيها ولا حدّ لها فنتوه، فكم ترانا بحاجة إلى أدلاء وحراس من الله متى انطلقنا في تلك الرحلة الطويلة الأزلية، رحلة الخروج من الجسد إلى السماء؟".
هذه الأقوال وغيرها اعتاد القديس تردادها، وكان لها على السامعين وطأتها فالمتعظمون يتعظون والضاحكون يبكون وذوو العيون الوقحة يطأطئون الرأس ويخرسون والجميع يخرجون على غير ما دخلوا، نخسي القلوب، حزانى على نفوسهم.