![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
الحياة فى المسيح والإنسان بعد أن يولد يحيا ، ولابد لنا أن نتابع بعض الوقت هذا الرجل العظيم ، وكيف عاش على الأرض أعظم حياة يمكن أن يعيشها مسيحى ، ونحن لا نستطيع أن ندرك ذلك إلا إذا تبين لنا أولا : « الحياة السرية فى المسيح » . يقول الرسول : « لأنكم قد متم وحياتكم مستترةمع المسيح فى اللّه» ( كو 3 : 3 ) .. وهو يرينا شخصاً قد مات عن العالم ، وهو فى العالم ، وعاش حياة مستترة أو سرية مع المسيح ، وقد عاش بولس أعمق حياة سرية مع المسيح ، لقد صلب العالم له ، وهو للعالم ، فلم يعد يعيش للعالم ، ولم يعد العالم يجد فيه شيئاً يتجاوب معه ، .. وقد وصفه رينان فأبدع فى الوصف وهو يقول : إن بولس ينتمى بالكلية إلى عالم آخر خلاف العالم الحاضر فماراثون بولس وأولمبياده ، ومشرق شمسه ومغربها وكل اليونان وروما والأرض المقدسة ، ليست هنا بل هناك » ... فى العلاقة التى تربطه بسيده ، وقد سار كثيرون فى إثر بولس فى ذلك ، فكلفن لم يرفع عينيه إلى جبال الألب أو عظمة سويسرا أو جنيف حوله ، إذ كان كل نهاره وليله عاكفاً على خدمته وكتابه « النظم المسيحية » الذى خلفه للأجيال ، ... وبسكال ، وقد شغلته النفس الخالدة للإنسان سار على نفس الدرب ، دون أن يشغله شئ . والقديس برنارد الذى سار يوماً بأكمله على بحيرة جنيف وهو يضع قلنسوة الرهبان على رأسه ، ثم سأل آخر الأمر ، أين هى البحيرة المشهورة التى يقولون عنها ، ... إن الحياة السرية مع المسيح استغرقت حياة بولس ، وحياة هؤلاء العظام حتى شغلتهم عن التأمل فى جمال الطبيعة الفاتنة التى تحيط بهم .. ولن نعرف بولس على الإطلاق ، قبل أن نلتفت إلى حياته السرية مع المسيح ، أو إلى النبع الدافق الصافى الرقراق الذى كان يرويه بماء الحياة !! .. ولا شبهة فى أن كل مؤمن لابد له من هذه الحياة السرية مع الفادى الكريم ، وعلى قدر عمق الشركة التى له بفاديه ، على قدر ما يمكن أن يخرج إلى العالم جباراً قوياً عملاقاً ، .. وقد أشار السيد مرات متعددة إلى هذه العلاقة ، عندما قال : « أنا هو ... الحياة ... أنا هو خبز الحياة .... أنا هو الراعى .... أنا هو الباب .... أنا هو الكرمة وانتم الأغصان » ( يو 11 : 25 ، 6 : 35 ، 10 : 11 ، 10 : 9 ، 15 : 5 ) قال أحد مشاهير البيورتان : إنه لا يظهر فى الحقيقة أمام اللّه إلا رجلان هما آدم ويسوع المسيح ، والجنس البشرى متعلق كله بأهداب الرجلين ، ... وقد رأى بولس نفسه متعلقاً بيسوع المسيح ، فالمسيح هو رأس الكنيسة ، والمؤمنون أعضاء جسده ، .. والمسيح هو الحياة ، الذى قال عنه بولس : « لأن لى الحياة هى المسيح » ( فى 1 : 21 ) .. والمؤمن فى المسيح ، والمسيح فيه ، ولطالما أردت كثيراً أن أعرف كيف يمكن أن يكون المسيح فىَّ وأنا فيه ، ورفعت عينى إلى الهواء الذى يحيط بى على الدوام والذى يدخل صدرى ، وعرفت كيف أنى داخل الهواء ، والهواء داخلى ، ... إذا جاز التشبيه بالنسبة للمسيح ... بل رأيت نفسى أشبه بالإسفنجة فى البحر يملؤها الماء من الداخل ، وهى مغمورة فى الماء فى نفس الوقت !! .. وعلى قدر ما تتشبع بالماء يمكن أن أتشبع بالمسيح فىَّ وأنا فيه !! .. ولقد كان بولس أكثر تشبعاً بالماء ، أو انتفاعاً بالهواء أو أعمق ارتباطاً بسيده ، فهو يسير معه فى مسيرة الحياة على الأرض ، وهو يحلق بأجنحة قل أن تكون لمسيحى ، وهو هناك فى أعلى قمم الحياة الروحية « يجلس فى السماويات مع المسيح » .. لقد كانت له الشركة الدائمة العميقة المتصلة ، وقبله قال إيليا : « حى هو رب الجنود الذى أنا واقف أمامه » ( 2 مل 18 : 15 ) لأن عينيه لم تتحولا قط عن اللّه ، لكن بولس عاش حياته فى مشاعر المرنم القديم : « من خلف ومن قدام حاصرتنى وجعلت على يدك . عجيبة هذه المعرفة فوقى ارتفعت لا أستطيعها . أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب . إن صعدت إلى السموات فأنت هناك . وإن فرشت فى الهاوية فها أنت . إن أخذت جناحى الصبح وسكنت فى أقاصى البحر فهناك أيضاً تهدينى يدك وتمسكنى يمينك » ( مز 139: 5 - 10 ) ومن ثم كان لبولس فى كل هذه : « حياة الإيمان فى المسيح » . . وإذا كان كل مؤمن لابد أن يكون له إيمان بالسيد ، وإذا كان إيماننا بالمسيح هو الذى يحلق بنا فى الأعالى ، فلربما كان بولس النسر الذى حلق فى سماء الإيمان إلى ارتفاع لم يبلغه مؤمن آخر ، ... وليس معنى ذلك أنه لم يكن من طينتنا أو بطبيعة تختلف عن طبيعتنا ، لقد كان إنساناً تحت الآلام مثلنا ، ... عندما دخل كورنثوس كان فى ضعف ووخوف ورعدة ، أى أنه كان يرتعد من الصعوبات والمخاوف التى تجابهه فى الخدمة ، وفى أسيا وصل إلى اليأس من الحياة نفسها : « فإننا لا نريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة ضيقتنا التى أصابتنا فى أسيا أننا تثقلنا جداً فوق الطاقة حتى يأسنا من الحياة أيضاً . لكن كان لنا فى أنفسنا حكم الموت لكى لا نكون متكلين على أنفسنا بل على اللّه الذى يقيم الأموات. الذى نجانا من موت مثل هذا وينجى الذى لنا رجاء فيه أنه سينجى أيضاً فيما بعد » ( 2 كو 1 : 8 - 10 ) ... هل سمعت عن ذلك الجندى الذى قرر الأطباء أن مرضه ميئوس منه ، وأنه لابد أن يموت وإذ أدرك الجندى هذه الحقيقة قال لنفسه : إذا كان ليس من الموت بد ، فلماذا لا أقاتل لأموت فى المعركة شجاعاً باسلا بدلا من موت يأتى بطيئا معذباً مؤلماً،... وتحول الجندى كما تقول القصة إلى أسطورة فى المعركة ، فعندما يتراجع الجميع يتقدم هو ، وعندما يفشل الكل يصمد بصورة غير مألوفة عند البشر ، ... وكانت النتيجة أنه قلب ميزان المعركة وانتزع النصر من بين براثن الهزيمة،.. وتعجب القائد لأمر الجندى ، وعز عليه أن يموت مثل هذا البطل فى عذاب المرض ، فأرسله إلى كبار الأطباء الذين نجحوا فى انقاذه من الموت ، .. لكن الجندى وقد تيقن من الحياة ، عاد إلى طبيعة البشر فى الخوف من الموت ، وانتهت أسطورة البطولة الخارقة التى كانت عنده ، وأصبح واحداً من الجنود العاديين ، ... على أن بولس لم يكن مثل هذا الجندى ، بل عاش فى المعركة فى ألوانها المختلفة بين الهزيمة والنصر وبين الفشل والنجاح ، بإيمان ربما لم يتح بلوغه لغيره من المؤمنين ، وعندما اقترب من النهاية كان هو القائل : « لأننى عالم بمن آمنت » ( 2 تى 1 : 12 ) وفى معاركه العظيمة اخترق كافة الحواجز ، وفاز فى السباق ، وهو يقول : « أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى » .. ( فى 4 : 13 ) وهذا الإيمان العظيم ، قاده إلى « حياة الصلاة فى المسيح » ... ولا يتسع الوقت أمامنا لنرى بولس مصلياً ، لكنه يقول : « بسبب هذا أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح الذى منه تسمى كل عشيرة فى السموات وعلى الأرض » ( أف 3 : 14 ، 15 ).. « صلوا بلا انقطاع » ( 1 تس 5 : 17 ) ... كان السير توماس براون رجلا من رجال الصلاة العظام على الأرض ، وقد قال فى مذكراته : « لقد صليت فى كل الأماكن الهادئة التى أتيح لى أن أوجد فيها ، فى أى بيت أو برية أو شارع ، وليس هناك شارع واحد فى المدينة التى أعيش فيها ، ومررت فيه دون أن يشهد صلاتى ، فلم أنس إلهى ومخلصى فيه ، وليست هناك قرية أو مدينة ذهبت إليها ولم أفعل كذلك ، ولم أر كنيسة أو أمر بجوارها ماشياً أو راكباً إلا ورفعت صلاة من أجلها . إنى أصلى يومياً وعلى وجه الخصوص لمرضاى الذين أعودهم ، وكل مريض يقع تحت عنايتى ، ... ومادخلت بيتاً قط لأحد هؤلاء المرضى إلا وطلبت عند مدخله السلام والرحمة لهذا البيت ، وما سمعت عظة إلا وطلبت أن تكون مباركة ، وصليت لواعظها ، وما رأيت وجوهاً جميلة إلا وشكرت اللّه الخالق لهذا الجمال ، وصليت لأجل جمال نفوسهم أيضاً لكى يغنيهم اللّه بالنعمة الداخلية التى تتجاوب مع الجمال الخارجى ، وعند النظر إلى الساقطين كنت أصلى أن يرسل اللّه إليهم نعمته ليعطوا جمال الحياة المقامة مع اللّه » .. اضرب عدد صلوات السير توماس براون فى عشرات أضعافها ، تقترب من روح بولس رجل الصلاة العظيم أمام اللّه !! كان بولس - فى الأصل كما تحدثنا عند عرض قصة غمالائيل - يختلف عن أستاذه ومعلمه فى الحياة الملتهبة ، التى تحولت كالوحش الضارى إلى اضطهاد المؤمنين ، الأمر الذى عاش طوال حياته يأسف عليه ، إلا أن هذه الغيرة تحولت ناراً متقدة لا تهدأ فى خدمة سيده وفادية . عندما تحدث أمام الملك أغريباس ظنه فستوس ، من طريقة حديثه وحركاته ، مجنوناً ، قائلا له : « أنت تهذى يا بولس . الكتب الكثيرة تحولك إلى الهديان » ( أع 36 : 24 ) .. كان فستوس عاجزاً عن أن يدرك النار العظيمة التى كانت تتقد فى أعماقه ، وأوقدها يسوع المسيح ، ولم يستطع سيف الجلاد نفسه ، إلا أن يشهد بشجاعتها الباسلة التى لا تتراجع حتى الموت !! . وأى ثبات أو صبر يفوق الوصف ونحن نسمع الرجل يقول : « بل فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام اللّه فى صبر كثير فى شدائد فى ضرورات فى ضيقات فى ضربات فى سجون فى اضطرابات فى أتعاب فى أسهار فى أصوام فى طهارة فى علم فى أناة فى لطف فى الروح القدس فى محبة بلا رياء فى كلام الحق فى قوة اللّه بسلاح البر لليمين ولليسار ، بمجد وهو ان بصيت ردئ وصيت حسن . كمضلين ونحن صادقون ، كمجهولين ونحن معروفون . كمائتين وها نحن نحيا . كمؤدبين ونحن غير مقتولين . كحزانى ونحن دائماً فرحون كفقراء ونحن نغنى كثيرين . كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ » ( 2 كو 6 : 4 - 10 ) . يقول توماس بوسطن فى إحدى كتاباته البليغة : « يولد الإنسان صارخاً ، ويعيش مشتكياً ، ويموت تعساً ، وهو يقول : باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح .. لخلاصك انتظرت يارب»... ومع أن بولس عاش فرحاً بإلهه ، وحتى فى السجن كان يصلى ويسبح اللّه مع سيلا ، ... لكن بولس مع ذلك كان واحداً من أعظم المحزونين فى الأرض ، ... وكان حزنه عميقاً لا ينقطع ، أليس هو القائل : « أقول الصدق فى المسيح . لا أكذب وضميرى شاهد لى بالروح القدس . إن لى حزناً عظيماً ووجعاً فى قلبى لا ينقطع فإنى كنت أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح لأجل إخوتى أنسبائى حسب الجسد » ( رو 9 : 1 - 3 ) ... قال الفيلسوف بسكال : إن عظمة الإنسان تقاس فى العادة بعظمة بؤسه . وكان من المستحيل أن يرى بولس الجحيم وهو يبتلع كل يوم النفوس التى تتهاوى إليه وبينهم الكثيرون من أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه دون أن يدمى قلبه ويتقطع ، وقد أعطاه السيد حباً عجيباً للنفوس التى مات المسيح لأجلها !! ... على أنه لا يمكن أن نذكرحياة بولس فى المسيح دون أن نذكر شوكته فى الجسد ، وقد أدرك بولس أن هذه الشوكة أعطيت له ضماناً للحياة التى اختارها له اللّه فى قصده الأزلى ، ... ولا يتسع المجال للحديث عن الأفكار المختلفة ، والشروحات المتعددة عن هذه الشوكة . ومن الغريب أن الآباء ورجال العصور الوسطى صوروها كتجارب جسمية أو نفسية ، ... وكان الذهبى الفم يرى الشوكة فى هيمينايس واسكندر النحاس اللذين عذبا نفسه وأظهرا له شروراً كثيرة ، ... وكان يراها كلفن فى الصراع الداخلى المستمر فى الإنسان الباطن ، ... وموشين يصورها فى الندم على حياته الأولى، ... لكن الاتجاه الحديث يصورها كمرض من أمراض الجسد ، فمثلا لا يتفود يظنها الصرع ، ودين فرار الرمد ، وبروفسور رامسى حمى من الحميات التى كانت منتشرة فى أسيا الصغرى ولعلها الملاريا ، ... وأياً كان التصور عن هذه الشوكة ، وعجز بولس عن فهم الحكمة منها فى بداية الأمر ، إذ كان يعتقد أنها معطل له عن الخدمة ، .. وقد صلى ثلاث مرات ، أو لعلها ثلاثة فصول ، أو لعله ركز عليها ثلاث فترات معينة ، ولم يجبه اللّه بالصورة التى تمناها ، بل قواه على احتمالها .. قال أحدهم لقد صليت أن يرفع اللّه الحمل عن كاهلى ، .. ولكن اللّه أعطانى كتفاً أستطيع به أن أحمل هذا الحمل !! .. وقد ظهرت قوة اللّه فى ضعف بولس وأعانته أن ينتصر تماماً على الشوكة ، ويعيش بها مرتفعاً فوق الضعف ، وفى الوقت نفسه تخزه كلما جرب بأن يرتفع!! .. لقد ذكرنا فى مطلع الحديث أن بولس كان يؤمن بالاختيار المطلق، ونعرف الآن أن الشوكة كانت واحدة من الوسائل المتعددة التى استخدمها اللّه لتحقيق غرضه فى حياة بولس . |
![]() |
رقم المشاركة : ( 2 ) | ||||
..::| العضوية الذهبية |::..
![]() |
![]() شكرا على موضوعك الجميل
|
||||
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 3 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() شكرا على المرور
|
||||
![]() |
![]() |
|