![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
v عندما تخلَّلَتْ كلمات داود (قلب شاول) نزعت عنه العداوة، وتعرَّف عليه كقدِّيس، واستبعد عن نفسه الألم (الغضب) الذي وُجِدَ فيه تحت تأثير الآخرين... كما أنه في الليل لا نتعرَّف حتى على الأصدقاء، وعندما يطلع النهار، نعرفهم متى تَطَلَّعنا إليهم من بعيدٍ، هذا هو أيضًا الطريق الطبيعي بالنسبة للعداوة. مادمنا في خصامٍ مع آخرين، نسمع أصواتهم بطريقة مختلفة، ونَتَطَلَّع إلى وجوههم باشمئزاز، لكن عندما نترك الغيظ، فإن صوتهم الذي كان قبلاً يبدو فيه عداء، ونحسبه معاديًا، يضربنا باللطف والمَسَرَّة، ونظرتنا لهم التي كانت قبلاً فيها عداء وغير مُحَبَّبَة تَحْمِلُ اشتياقًا ونعمة. هذا ما يحدث عند هبوب عاصفة أيضًا، فإن السحاب الكثيف لا يسمح بظهور جَمَالَ السماء. فإنه حتى إن كانت لنا نظرة ثاقبة فائقة، لا نستطيع أن نخترق السحب لنرى البهاء السماوي... لكن عندما يَحِلُّ دفء الشمس إلى لحظات، ويُبَدِّد الغيمة، تَظْهَرُ الشمس وتكشف عن جَمَالِ السماء. هذا أيضًا ما يحدث عند شعورنا بالغيظ، فإن العداوة تعمل كغيمةٍ أمام أعيننا وفي آذاننا، وتجعل الصوت والرؤية بشكلٍ مختلفٍ. أما متى استخدم إحدى القِيَم السليمة، ينزع جانبًا العداوة، ويُبَدِّد غيمة الوصمات، عندئذ تصير الرؤية والسمع صادقيْن. هكذا كانت خبرة شاول، عندما اخترق غيمة العداوة، تعرَّف على صوت داود، قائلاً: "أهذا صوتك يا ابني داود؟" أي نوع من الصوت كان هذا؟ إنه الصوت الذي طرح جليات، واختطف المدينة من الخطر، وأعاد كل شخصٍ كان في خطر العبودية والموت إلى السلام والحرية، وقمع جنون الإنسان، وكسب لحسابه منافع كثيرة عجيبة. في الواقع، هذا هو الصوت الذي طرح المُتَوَحِّش المُرعِب (جليات)؛ فقوة الصلاة قهرته أمام الحَجَرِ. لم يطلق الحَجَرَ فحسب، إنما قال أولاً: "أنت تأتي إليَّ بآلهتك، وأما أنا فآتي إليك باسم رب الجنود هذا الذي أنت تَسِبُّه اليوم"، وبعد ذلك صوَّب الحَجَرَ. وجَّه الصوت الحَجَرَ، فأصاب المُتَوَحِّش، فقتل وقاحة العدو. لماذا تتعجَّب، إن كان صوت الشخص البار يُقمِعُ السخط ويُحَطِّم الأعداء، إن كان يطرد حتى الشياطين؟ يشوع بن نون كمثال مُجَرَّد، قال: "لتقف الشمس والقمر"، ففعلا ذلك (يش 10: 12-13). بنفس الطريقة جعل (موسى) البحر يتوقَّف، وردَّه مرة أخرى (خر 14: 21، 26). هكذا الثلاثة فتية أطفأوا قوة النار، بتسابيحهم وصوتهم (دا 3: 24، 50) LXX. هكذا تشجَّع شاول عند سماعه هذا الصوت، وقال: "أهذا صوتك يا ابني داود؟!" بماذا أجابه داود؟ "أنا عبدك يا سيدي الملك". عندئذ حدثت منافسة ومباراة، من الذي يُقَدِّم كرامة أعظم للآخر. واحد جعل من الآخر قريبًا له (ابنه)، والثاني دعاه سيده. ما يقصده هو مثل هذا: إني مهتم بأمرٍ واحدٍ فقط؛ سعادتك وتَقَدُّمك في الفضيلة. أنت تدعوني ابنك، وأنا أُحِبُّك ومُغرَم بك، إن قبلتني كعبدٍ لك، بشرط أن تنزع عنك استياءك مني. فلا تشك فيَّ من جهة أي شر، ولا تظن إني أتآمر ضدك، وأُحارِب ضدك. بهذا تَمَّمَ الوصية الرسولية التي تأمرنا أن نتفوَّق في تكريم بعضنا البعض (رو 12: 10)، على عكس ما يجري عامة بين البشر الذين هم أشر من الوحوش، والذين لا يحتملون أن يبدأوا هم بمديح إخوتهم، مُعْتَقِدِين أنه من العار والإهانة أن يمدحوا أحدًا. أي شيء يحمل سخرية أكثر من هذه الغباوة؟ أي شيء مُخْجِل أكثر من هذا الغرور وهذا الجهل؟... إن كنتَ تبدأ بالمديح، فالله يَمْدَحك، وهو أعظم من الكل... ليتنا لا ننتظر أن ننال الكرامة أولاً، بل نسرع لنكرِّم القريب، ودائمًا نبادر نحن بالمديح، ولا نظن أن هذه الفضيلة تافهة وقليلة، إن كنا لطفاء ومُحِبِّين في مديحنا للغير. إن أهملنا هذا، نُحَطِّم الكثير من الصداقات ونخلق عداوات كثيرة... ليتنا لا نوجد ناقصين أيها الأحباء الأعزاء، بل نفعل هذا في غيرة. إن أمكن لنكون نحن المُبادِرين بالاهتمام بالذين نلتقي بهم، أيّا كانوا هم، وذلك بمدحهم، والاهتمام بهم في كل شيءٍ. وإن بادر أحد فرد له التكريم بطريقة أعظم. هذا ما يحثنا عليه بولس بقوله: "حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم" (في 2: 3) القديس يوحنا الذهبي الفم |
|