ماذا تُريد !!! وما هو مصدر معرفتنا بالله الحي !!!

أن مصدر معرفتنا بالله لا يأتينا إلا من خلال إعلانه الحي عن نفسه، ولا يُمكنُنا أن نعرف الله على الإطلاق بمعزل عن إرادته، ولكننا نعرفه فقط بالطريقة التي يختارها للإعلان عن ذاته، ويتم هذا الإعلان في سياق لاهوتي وتاريخي، يظهر في تاريخ الإنسانية، لأن الله يُعلن نفسه بوجه خاص حقيقي وملموس للإنسان الذي خلقه على صورته، لكي يؤهله للحياة معه في شركة المحبة، لذلك يُظهر الله ذاته ويُعلنها على مر التاريخ الإنساني كله، كخبرة، لكي يُدخل الإنسان في الإيمان الحي، لأن الله حينما يُعلن ذاته لا يُعلنها كشيء مبهم ولا مجرد فكره وكلمات ومعلومات، بل كظهور ورؤية، وهذا واضح في الكتاب المقدس كله منذ التكوين وإلى الإعلان الظاهر والواضح بتجسد الكلمة في ملء الزمان ....
فالله لم يراه أحدٌ قط، ولكن الابن الوحيد الذي في حضنه هو خبَّر، أي أعلن مجد الآب في شخصه، لأن لم يُبصر أحد هيئته، ولم يعرفه في ذاته، بل الكل شاهد وعاين شبه الله في العهد القديم، فتعرف على طبيعته، فهو ظهر كنور ونار، وفي شكل ملاك وإنسان بطريقة ما، تعرف عليها الإنسان بدقة، وفهم أن هذا هو الله الظاهر في هذا الشكل، لكي يكون قريباً من الإنسان، ومع ذلك لم يعرفه كحياة في داخله تسكن، ولكنه تعرف عليه من جهة الرؤيا والإعلان الظاهر في الجسد، كقوة حياة وقيامة لمن يتلامس معه في المسيح يسوع الكلمة المتجسد...
عموماً كل ما أقصده في الكلام، أنه لا يكفي أن نقول أننا نعرف الله، بكوننا قرأنا عنه أو شاهدناه في التاريخ بشهادة الشهود، بل ينبغي أن نقترب منه ونعرفه حسب إعلانه عن ذاته وبشخصه، إله حي يُحيي نفوسنا، فتخرج منا شهادة من رأى وعاين مجده على مستوى الواقع العملي المُعاش...
ولا ينبغي أن نبتعد عن مصدر إعلانه لنا وهو الكتاب المقدس، شرط أن لا ندخل للكتاب المقدس لكي نفهمه ونشرحه ونتأمل فيه ونرد به على المخالفين أو نثبت صحة كلامنا منه، أو نحضر منه عظات وكلمات تعليمية أو غيرها، بل ندخل في سرّ الكتاب المقدس أي في سرّ إعلان الله عن ذاته، لنتحسس موضعنا فيه، لأن كل ما كُتب فقد كُتب لأجلنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور، وذلك لمجدنا وخلاصنا، فالكتاب المقدس لم يُكتب ليكون موضوع بحث علمي وفكر نقدي أو دفاعي، بل كُتب من أجل مجدنا الخاص لندخل في علاقة شركة مع الله الحي بالإيمان، ونرتبط به ارتباط وثيق ليكون هو مركز شخصيتنا، ويصير مصيرنا مرتبط بشخصه هو، فندخل في سرّ الحياة الأبدية، لأنها سرّ يُزرع في داخل النفس، وينمو فيها على قدر انفتاحها على كلمة الله بالقلب والذهن معاً.
ومستحيل يا إخوتي أن ينفتح الكتاب المقدس على هذا المستوى الذي نتكلم عنه، ويحدث رؤية قلبيه لله الحي، ولمسه من جهة كلمة الحياة، لتصير خبرة في حياتنا لتدفعنا لخبرة جديدة لنتقدم في الطريق نحو الله والحياة الأبدية، أن لم يحدث أولاً توبة وتقديس للنفس وانفتاح الذهن بالروح، وهذا كله يأتي كفعل نعمة ممنوح من الله أن طلبناه وأصرينا على طلبه باستمرار ومداومة، لأن التوبة والصلاة بمداومة هي العلامة الأكيدة التي توضح أن هذا الإنسان يحتاج الله فعلاً... فالمرأة التي سعت أن تمس هدب ثوبه شُفيت في الحال، فأن لم تُزاحم وتصل لهدب ثوب المسيح الرب لم تكن تقدر أن تنال هذا الشفاء، والأعمى الذي صرخ وقال يا ابن داود ارحمني، وقال أُريد أن أُبصر ما كان فُتحت عينيه، فالرب ينتظر عودتنا ويصغي لصوتنا النابع من القلب بصراخ من يُريد أن يبرأ، لأن صوت الرب لنا: [ ما ذا تُريد ] !!!