2. حوارات بعد الشفاء
أ. حوار بين الجيران والأعمى
الجيران وهم شهود عيان لما حدث يعرفون الأعمى تمام المعرفة. بسبب عظمة المعجزة وعدم توقعهم لحدوثها، مروا بثلاث مراحل من الشك، أوجدت ثلاث تساؤلات:
المرحلة الأولى: تشككهم في الشخص نفسه [٨] فأكد لهم الأعمى أنه هو [٩].
المرحلة الثانية: من الذي قام بها؟ وكانت الإجابة: إنسان يقال له يسوع [١١].
المرحلة الثالثة: أين هو؟ وجاءت الإجابة: "لا أعلم" [١٢].
كان الأعمى دقيقًا ومخلصًا للغاية في إجاباته على الأسئلة الثلاثة قدر معرفته في ذلك الحين.
"فالجيران والذين كانوا يرونه قبلًاأنه كان أعمى قالوا:
أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستعطي؟" [8]
دُهش جيرانه فقد وُلد ونشأ في وسطهم، واعتادوا أن يروه أعمى، وغالبًا ما كان يجلس مستعطيًا في بؤس، الآن فجأة صار بصيرًا، وصار بصره كاملًا، يسير هنا وهناك متهللًا. ذاك الذي لم يكن قادرًا على العمل بسبب عماه ونفسيته المحطمة، ولم يكن والداه قادرين على إعالته لذا كان يستعطي وهو جالس في الطريق أغلب يومه. لقد تغيرت حتى لهجته، وكلماته، فعوض كلمات الاستعطاف لكي ينال صدقة، صارت كلمات تحمل تسبيحًا وشكرًا. هذا وقد تمت معجزة شفائه علانية، ولم تكن خفية! مع هذا فقد تشكك البعض في شخصه، وتضاربت الأقوال، لأن شفاء مولود أعمى أمر يصعب قبوله، بل ومستحيل حسب الفكر البشري.
* يا لحنو الله! أينما نزل بحنوه العظيم شفى حتى الشحاذين، وهكذا أبكم اليهود، فإنه لم يأخذه في اعتباره الأشخاص المشهورين أو البارزين أو الحكام، بل الذين يبدو كمن لا يتأهلون لنوال نفس الرعاية. فقد جاء لخلاص الكل[1048].
القديس يوحنا الذهبي الفم
"آخرون قالوا:
هذا هو،
وآخرون إنه يشبهه،
وأما هو فقال: إني أنا هو". [9]
ربما الذين قالوا: "هذا هو" هم الذين عاينوا ما حدث معه، إذ تم كل شيء علانية، أما الآخرون فلم يصدقوا قائلين: "إنه يشبهه"، لأن تفتيح عينيه أعطاه شكلًا مغايرًا تمامًا عما كان عليه. وبقوله "إني أنا هو"، يشهد أنه هو ذاك الذي كان قبلًا يستعطف حنو الناس الآن يتمتع بغنى نعمة الله الفائقة.
* لم يخزَ من عماه الأول، ولا خشي غضب الجمع، ولا استعفى من إظهار ذاته لينادي بمن أحسن إليه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فقالوا له:
كيف انفتحت عيناك؟" [10]
إذ شهد الأعمى أنه هو الذي نال نعمة الشفاء تساءل الجيران عن كيفية شفائه، لكي يتعرفوا على صانع المعجزة، ويبحثوا عنه. وكما يقول المرتل: "عظيمة هي أعمال الرب، مطلوبة لكل المسرورين بها" (مز ١١١: ٢).
"أجاب ذاك وقال:
إنسان يقال له يسوع صنع طينًا وطلى عيني،
وقال لي: اذهب إلى بركة سلوام واغتسل،
فمضيت واغتسلت، فأبصرت". [11]
لقد قدم الحقيقة في بساطة حسب خبرته فقال: "إنسان يُقال له يسوع صنع طينًا..." لم يكن قد سبق فرأى يسوع لكنه سمع عنه، وسمع صوته حين أمره أن يغتسل في بركة سلوام، لقد شعر بأنه وضع شيئًا على عينيه اكتشف بعد شفائه أنه طين، وأن يسوع قد صنعه بنفسه وطلى به عينيه.
* انظروا لقد صار مبشرًا بالنعمة. انظروا إنه يكرز بالإنجيل؛ إذ نال البصيرة صار معترفًا. صار ذاك الأعمى معترفًا، فاضطربت قلوب الأشرار، إذ لم ينالوا في قلوبهم ما ناله هذا في محياه[1049].
القديس أغسطينوس
"فقالوا له:
أين ذاك؟
قال لا أعلم." [12]
جاء سؤالهم الثاني: "أين ذاك؟" هل عن تشكك في شخص صانع المعجزة لأنه كسر الناموس وحرض على الكسر. فمن جانبه صنع طينًا وطلى به العينين، ومن جانب آخر أمر الأعمى أن يسير حتى البركة ويغتسل. وربما تساءل البعض كنوعٍ من حب الاستطلاع ليروا أين ذلك القادر أن يفعل هذا، وربما وُجد من تساءل عن إخلاص ليلتقي به.
أجاب الأعمى: "لا أعلم"، إذ يبدو أن السيد انسحب للحال بعد أن أمره بالذهاب إلى بركة سلوام، ولم ينتظر حتى يرجع ليقدم الشكر. فإن مسرة السيد المسيح هي في العطاء المجاني دون انتظار لكلمة مديح أو شكر. وإن عاتب على عدم الشكر فهو من أجل الآخرين، إذ يريدهم شاكرين فرحين مسبحين كالملائكة.
* لاحظوا تواضع المسيح، فإنه لم يستمر مع من يشفيهم، لأنه لم يطلب أن يحصد مجدًا، ولا أن يجتذب الجماهير، ولا أن يظهر نفسه[1050].
القديس يوحنا الذهبي الفم
St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت
ب. حوار بين الفريسيين والأعمى
"فأتوا إلى الفريسيين بالذي كان قبلًا أعمى". [13]
كنا نتوقع أن ينشغل الجيران بالبحث عن صانع المعجزة ليتعرفوا عليه ويتمتعوا به، لكنهم أمسكوا بالأعمى وأتوا به إلى الفريسيين، وكأنه مشترك في جريمة. قادوه كمتهمٍ أنه قبل كسر السبت حتى ولو كان فيه خلق لعينيه.
كان الموضوع أكبر من أن يعرض على كاهن أو أكثر، فإذ هو يمس الشعب ككل قادوه إلى مجلس السنهدرين صاحب القرار الأخير والقاطع في ذهن الشعب. كان أغلب أعضائه من الفريسيين، وكان أكثرهم يبذلون كل الجهد لمقاومة يسوع. ولعل البعض أتوا به إلى المجلس ليظهروا الحق، ويكشفوا للفريسيين أن ذاك الذي يقاومونه قد خلق عيني للمولود أعمى، فيلتصقوا به عوض مقاومتهم له.
يرى البعض أن كلمة "الفريسيين" هنا تعني هيئة فرعية منبعثة عن مجمع السنهدرين الذي يضم رؤساء الكهنة مع الفريسيين. يضم المجمع هيئتين كل منهما تضم ٢٣ عضوًا، وكان لكل منهما حق المحاكمة في بعض القضايا. كان يوجد في المدن الكبرى هيئة مماثلة.
"وكان سبت حين صنع يسوع الطين وفتح عينيه". [14]
"فسأله الفريسيون أيضًا كيف أبصر.
فقال لهم: وضع طينًا على عيني واغتسلت،
فأنا أبصر". [15]
قدم الفريسيون ذات السؤال الذي وجهه إليه جيرانه، ولم يكن هذا بقصد التعرف على الحقيقة من مصدرها الأصلي، وإنما لعلهم يجدون علة يشتكون بها على شخص يسوع، ويشوهون بها صورته أمام الجمهور الذي التف حوله.
* تأمل كيف لم يضطرب الأعمى، فلم ينكر، ولم يقل أقوالًا مخالفة لأقواله الأولى، إذ أن الفريسيين والناس الآخرين ساقوا الأعمى على أن يكون جاحدًا من شفاه، فأصابهم ما لم يريدوه بخلاف أملهم، وعرفوا أعجوبة السيد المسيح أبلغ معرفة، وقد أصابهم هذا المصاب في كل موضع من آياته.
القديس يوحنا الذهبي الفم
جاءت إجابته على الفريسيين مشابهة لإجابته على جيرانه غير أنه لم يذكر عن السيد المسيح "صنع طينًا"، ربما لأنه لم يره وهو يصنع طينًا، حتى ولو كان بالترياق، فلم يرد أن يذكر في مجمع رسمي شهادة يمكن أن يعترضوا عليها: كيف رأى يسوع يصنع طينًا وهو أعمى؟ ولعله لم يذكر لأن صنع الطين هو عمل، فلم يرد أن يمسك اليهود على يسوع أنه كاسر السبت. ولنفس السبب لم يذكر عبارة: "وقال لي..." حتى لا يُتهم السيد المسيح كمحرضٍ على كسر الناموس بالذهاب إلى بركة سلوام والاغتسال فيها. وفي نفس الوقت في جرأة قال: "اغتسلت" ولم يخشاهم!
"فقال قوم من الفريسيين:
هذا الإنسان ليس من الله،
لأنه لا يحفظ السبت.
آخرون قالوا:
كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات؟
وكان بينهم انشقاق". [16]
خلق عيني الأعمى كان كفيلًا أن يبكم المقاومين، لكن حدث شقاق في المجمع، فبعض الأعضاء الحرفيين في العبادة والمنشغلين بالمجد الباطل حسبوه كاسرًا للسبت، أو كاسرًا للوصية الإلهية، وعوض التمتع بشخص يسوع اضطهدوه كمجرمٍ: "هذا الإنسان ليس من عند الله". والفريق الآخر رأوا في عمله حب فائق وتنفيذ للوصية، وأن الشفاء علامة صادقة على صدق رسالته. غير أن هذا الفريق كان يمثل قلة قليلة لا تستطيع الوقوف أمام الغالبية الثائرة.
في ختام كل تعليم أو معجزة غالبًا ما كان يحدث انشقاق بين الجموع، وكان المقاومون يحتكمون لدى الفريسيين كقضاة وأصحاب سلطة دينية. أما هنا فالانشقاق بين القضاة أنفسهم، وربما هذا أدى إلى تأجيل الحكم في أمر يسوع المسيح.
* يقول يوحنا البشير "وكان بينهم انشقاق" لأن بعضهم منعهم حبهم للرئاسة عن المجاهرة بالسيد المسيح، وبعضهم أسكتهم جبنهم وخوفهم من الكثيرين.
القديس يوحنا الذهبي الفم
لقد تعمد أن يشفي مفلوج بيت حسدا في يوم سبت ويأمره أن يحمل سريره ويمشي (يو ٥: ٨)، وأن يشفي المولود أعمى بصنع الطين وطلاء عينيه،فقد جاء في كتاب الجمارا[1051] أن من يضع دواءً داخل العين في يوم سبت يُحسب ذلك خطية، وأمره أن يذهب إلى بركة سلوام ليغتسل. وكما يقول لايتفوت Lightfoot أن يسوع المسيح كسر السبت من نواحٍ كثيرة.أما كان يمكن أن يحقق الشفاء في غير السبت، وبدون هذه الأعمال؛ فلماذا أصر على الشفاء في السبت؟ لقد فعل ذلك لإبراز مفهوم السبت، إنه راحة في الرب، في ممارسة عمل الرب من حب ورحمة، وليس في حرفية قاتلة بالامتناع عن الأعمال اليومية الضرورية وأعمال المحبة.
* الذين طردوه استمروا عميانًا، إذ أثاروا اعتراضات على الرب أنه كان سبت عندما صنع طينًا من التفل وطلي عيني الأعمى. فعندما شُفي الأعمى بكلمة، فتح اليهود بابًا لإثارة اعتراضات...
لقد كسر الرب السبت (حرفيًا) لكنه لم يكن مذنبًا.
ماذا يعني قولي: "لقد كسر السبت"؟ هو النور الذي جاء فأزال الظلال. فقد فرض الرب الإله السبت. فرضه المسيح نفسه الذي كان مع الآب عندما أُعطي الناموس، لقد فرضه كما في ظلٍ لما يحدث بعد ذلك. "فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور العتيدة" (كو ٢: ١٦، ١٧)..
لماذا تبهجنا الظلال؟ افتحوا أيها اليهود أعينكم، فإن "الشمس" حاضرة.
"نحن نعلم" [٢٤]. ماذا تعلمون أيها العميان القلب؟ "إن هذا الإنسان ليس من الله، لأنه لا يحفظ السبت" [١٦].
السبت أيها التعساء عينه هو الذي وضعه المسيح الذي تقولون عنه أنه ليس من الله. أنتم تحفظون السبت بطريقة جسدانية، إنه ليس لكم تفل المسيح على أعينكم، أنتم لم تأتوا إلى سلوام، ولم تغسلوا وجهكم وتستمرون عميانًا. إنكم عميان عن الصلاح الذي لهذا الأعمى الذي لم يعد بعد أعمى لا بالجسد ولا بالقلب... "لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون" [٣٩][1052]
* بالأحرى لقد حفظ السبت، إذ كان بلا خطية. فإن هذا هو السبت الروحي، أن يكون الشخص بلا خطية.
في الحقيقة يا اخوة هذا ما حثنا عليه الله عندما أمرنا بالسبت: "عملًا ما من الشغل (العبودية) لا تعملوا" (لا ٢٣: ٨). الآن ارجعوا إلى الدروس السابقة واسألوا ماذا يعني بعمل العبودية servile work، وأصغوا إلى الرب: "إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية" (يو ٨: ٣٤)[1053].
القديس أغسطينوس
"قالوا أيضًا للأعمى:
ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتح عينيك؟
فقال:إنه نبي". [17]
لقد ألقوا بالشباك أمام الأعمى لكي ينكر أن يسوع هو المسيا، حتى لا يتعرض للطرد من المجمع وربما للقتل.
بعد استفسارهم عن طريقة شفائه سألوه عمن وهبه الشفاء، وما رأيه الشخصي فيه، وفي تصرفاته. كانوا يضغطون عليه ليجيب ولو بالسلبية كما فعل والداه، فيقول أنه قدم معلوماته عن شفائه، وأنه يترك التقرير في يد القيادات الدينية ليحكموا. لكنه خيَّب آمالهم وكرَّم واهب الشفاء. بحسب قانونهم الجديد حكموا عليه بالطرد ليكون مثلًا يُعتبر منه الآخرون.
كان هذا الأعمى مثل المرأة السامرية (يو ٤: ١٩)، كلاهما ظنا أنه نبي قبل أن يتعرفا على حقيقة شخصه أنه المسيا "قدوس القديسين" واهب البرّ الأبدي.لقد بدأ النور يشرق في قلبه، في بصيرته الداخلية كما أشرق في عينيه الجسديتين.بقوله: "إنه نبي" خشي الفريسيون من إدراك ما ورد في سفر دانيال أن القادم بعد قرابة ثلاثة قرون والشعب في ظلمة بلا نبي من قبل الله خاتم الرؤى والنبوات، المسيا الأبدي الذي تنتظره كل الأجيال. "سبعون أسبوعًا قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة، لتكميل المعصية، وتتميم الخطايا، ولكفارة الإثم، وليؤتي بالبرّ الأبدي، ولختم الرؤيا والنبوة، لمسح قدوس القديسين" (دا ٩: ٢٤).
* لاحظوا حكمة الرجل الفقير فقد تحدث بأكثر حكمة من جميعهم. قال أولًا: "إنه نبي" [١٧]. إنه لم يخشَ حكم اليهود والمعارضين الذين هم ضد السيد، القائلين: "هذا الإنسان ليس من الله، لأنه لا يحفظ السبت"[١٦]. لقد أجابهم: "إنه نبي"[1054].
القديس يوحنا الذهبي الفم
St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت
ج. حوار بين الفريسيين ووالدي الأعمى
"فلم يصدق اليهود عنه أنه كان أعمى فأبصر،
حتى دعوا أبوي الذي أبصر". [18]
يقصد بكلمة "اليهود" هنا السلطات الدينية، خاصة الفريسيين وأعضاء مجمع السنهدرين. إنهم لم يصدقوا أنه وُلد أعمى، فاستدعوا والديه للتأكد أنه ابنهما، وأنه وُلد أعمى، لعلهم يجدون علة بها يقللون من شأن المعجزة أمام الشعب.
* لاحظوا بكم من الطرق حاولوا أن يطمسوا المعجزة بالظلمة ويزيلوها. ولكن هذه هي طبيعة الحق، بذات الوسائل التي يُهاجم بها من البشر، يصير الحق أقوى، ويشرق بذات الوسائل التي تُستخدم لطمسه[1055].
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فسألوهما قائلين:
أهذا ابنكما الذي تقولان أنه وُلد أعمى،
فكيف يبصر الآن؟" [19]
إذ لم يحتمل هؤلاء القادة نور الحق قدموا سؤالًا للوالدين في أسلوب يحمل عجرفةً وتهديدًا، فلم يكتفوا بالشر، وإنما بثوا الرعب وسط الشعب لكي يشاركوهم جحودهم للمسيا ورفضهم للحق الإلهي.
* لم يقولوا: "الذي كان في وقت من الأوقات أعمى"، لكنهم قالوا: "الذي تقولان أنه ولد أعمى"، فقاربوا أن يقولوا: الذي جعلتماه أنتما أعمى.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أجابهم أبواه وقالا:
نعلم أن هذا ابننا،
وأنه وُلد أعمى". [20]
لم يخجل والداه من الاعتراف بأنه ابنهما الذي بسبب الفقر مع العمى كان يستعطي، وإذ لم يكونا شاهدي عيان لشفائه تهربا من الإجابة عن كيفية إبصاره خشية طردهما من المجمع.
"وأما كيف يبصر الآنفلا نعلم،
أومن فتح عينيه فلا نعلم.
هو كامل السن اسألوه،
فهو يتكلم عن نفسه". [21]
حقًا لم يكونا شاهدي عيان، لكنهما حتمًا قد عرفا وتأكدا من ابنهما نفسه، أن يسوع هو الذي شفاه. استخدما الحكمة البشرية ففقدا نعمة الشهادة للسيد المسيح، وحُرما من تقديم ذبيحة شكر وشهادة حق لصانع الخيرات. خشيا البشر فنصبا شركًا لنفسيهما ولابنهما، وكما يقول الحكيم: "خشية الإنسان تصنع شركًا، والمتكل على الرب يُرفع" (أم ٢٩: ٢٥).
"قال أبواه هذا، لأنهما كانا يخافان من اليهود،
لأن اليهود كانوا قد تعاهدوا
أنه إن اعترف أحد بأنه المسيح يخرج من المجمع". [22]
الطرد من المجمع يعني عزله عن جماعة المتعبدين ويسمى ذلك nidui، وهو أقل أنواع الحرومات عند اليهود. أما الأناثيما cheram, anathema فأُستخدم ضد المسيحيين بعد القيامة.
كانت عقوبة الاعتراف بيسوع أنه المسيح هي الطرد من المجمع، إذ يُحسب كمن قد ارتد عن الإيمان اليهودي، فعزل نفسه عن الجماعة، ويُحسب متمردًا وخائنًا للقيادة الدينية. بطرده يدرك الشخص أنه غير أهلٍ لكرامة الانتساب إلى شعب الله، وعجزه عن التمتع بامتيازات إسرائيل.
لهذا الطرد نتائجه الخطيرة: الحرمان من العبادة العامة مع الشعب، والتطلع إليه ككاسرٍ للشريعة، فيُحرم من ممارسة العمل التجاري، كما يفقد حريته، وتُصادر ممتلكاته.
* لم يعد الطرد من المجمع بالأمر الشرير. هم يُطردون والمسيح يستقبلهم[1056].
القديس أغسطينوس
"لذلك قال أبواه:
إنه كامل السن اسألوه". [23]
* إذ سألوهما ثلاثة أسئلة: هل هو ابنهما؟ وهل ولد أعمى؟ وكيف أبصر؟ اعترفا بإجابة سؤالين فقط، وما ذكرا إجابة للسؤال الثالث، وفعلهما هذا صار من أجل الحق، حتى لا يعترف آخر إلا من نال الشفاء نفسه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت
د. حوار ثان بين الفريسيين والأعمى
"فدعوا ثانية الإنسان الذي كان أعمى، وقالوا له:
اعطِ مجدًا لله،
نحن نعلم إن هذا الإنسان خاطئ". [24]
استدعوا الأعمى للمرة الثانية وتعاملوا معه بوقارٍ شديدٍ وتكريمٍ ليكسبوه في صفهم، قالوا له: "أعط مجدًا لله"، أي لتقسم باسم الله أن تنطق بالحق. ثم حاولوا أن يملوا عليه لينطق بما يريدونه وهو أنه متظاهر كنبي وأنه معتد على الناموس، فإنه بهذا يسرهم، فينال منهم كرامة.ويرى البعض أن هذا إجراء ديني قانوني مؤداه أنه مزمع أن يصدر حكم خطير ضده، إي قطعه من شعب الله أو الحكم عليه بالموت. وكأنهم يشهدون الله عليه قبل قطعه أو موته.
لعلهم بقولهم هذا عنوا هذا: "إنه رجل خاطئ وشرير، فأعطِ مجدًا لله بالأكثر، لأنه استخدم هذا الرجل أداة ليعمل به".
أرادوا أن يتشبهوا بيشوع عندما حكم على عاخان بالرجم إذ سأله أولًا: "أعطِ مجدًا للرب" (يش ٧: ١٦)، وطلب منه ألا يخفي شيئًا عنه، بل يعترف بما فعله حيث صار "حرام في وسط إسرائيل".
سبق أن أعلن السيد المسيح مجاهرة: "من منكم يبكتني على خطية؟" في حضوره لم يجسر أحد أن يتهمه، لكن من ورائه كانوا يقولون: "نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ" [٢٤].
* لم يقولوا للأعمى قولًا في ظاهره يخلو من الخجل بأن ينكر أن السيد المسيح أبرأه، بل أرادوا أن يخترعوا هذا الجحود بشكلٍ ورعٍ، لأنهم قالوا له: "أعطِ مجدا لله" وفي قولهم هذا وقاحة ظاهرة.
إذ يقولون للأعمى عن السيد المسيح: "نحن نعلم إن هذا الإنسان خاطئ"أخاطبهم: كيف لم توبخوا السيد المسيح عندما قال: "من منكم يبكتني على خطية؟" (يو 8: 46)؟! من أين عرفتم أنه خاطئ؟
القديس يوحنا الذهبي الفم
* ماذا يعني "أعط مجدًا لله"؟ اجحد ما قد نلته. فإن مثل هذا التصرف لا يمجد الله بل هو تجديف عليه[1057].
القديس أغسطينوس
"فأجاب ذاك وقال:
أخاطئ هو لست أعلم،
إنما أعلم شيئًا واحدًا،
إني كنت أعمى والآن أبصر". [25]
لم يشغل هذا الفقير أن يسر القيادات الدينية ولا أن ينال منهم كرامة، إنما في بساطة نطق بالحق، فصار شاهدًا حقيقيًا لشخص السيد المسيح.
كأنه يقول لهم أن شخصية من شفاني ليست موضوع حوار وجدال، فأنا في غنى عن هذا الجدال. عمله لا يحتاج إلى حوارٍ، ما أعرفه أنني كنت أعمى والآن أبصر. هذه هي خبرتي معه. أو كأنه يقول لهم إن كنتم تدَّعون أنه خاطئ، فهذا ما لا علم لي به، إنما ما أعرفه هو ثقتي فيه التي ترفض تمامًا ما تقولونه عنه. والخبرة العملية هي أعظم وأقوى من الحوار النظري. هذه هي خبرة المؤمنين الحية، وكما يقول الرسول بولس: "لأنكم كنتم قبلًا ظلمة، وأما الآن فنور في الرب" (أف ٥: ٨).
أرادوا تحويل عمل المسيح إلى حوارات تناقشها الجماهير فتنشغل بالحوار لا بالشركة الحية مع المسيح، أما المولود أعمى ففضل خبرة الحياة الجديدة المستنيرة عن الانشغال بمناقشات غبية.
* هل بالحق لم يكن الأعمى مرتعبًا؟ لم يكن هذا هكذا. فكيف ذاك الذي قال: "إنه نبي"[١٧]، يقول الآن: "أخاطئ هذا لست أعلم"[٢٥]؟
قال هذا ليس لأنه هكذا كان فكرة، ولا ليقنع نفسه بهذا، وإنما رغبة في تبرئة السيد من اتهاماتهم خلال شهادة الحقائق وليس بإعلانه هو عنه، حتى يجعل دفاعه قويًا عندما يشهد العمل الصالح نفسه ضدهم. لذلك بعد حديث طويل قال الأعمى: "لو لم يكن بارًا لم يقدر أن يفعل مثل هذه المعجزة" [راجع ٣٣]، ثاروا وقالوا له: "في الخطايا وُلدت أنت بجملتك وأنت تعلمنا؟" [٣٤]. فلو أنه قال هذا من البداية أي شيء كانوا لا يقولونه؟ أو أي شيء كانوا لا يفعلونه؟
"أخاطئ هو لست أعلم" [٢٥]؛ كأنه يقول: "لست أقول شيئًا في صالح هذا الشخص، لا أقدم تصريحًا عنه حاليًا، لكن هذا بالتأكيد أعرفه وأؤكده أنه لو كان خاطئًا لما فعل مثل هذه الأمور".
هكذا حفظ نفسه بعيدًا عن الشكوك، فلا تفسد شهادته، ولا يتكلم عن تحيز، بل يقدم شهادات خلال الواقع[1058].
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فقالوا له أيضًا:
ماذا صنع بك؟
كيف فتح عينيك؟" [26]
عادوا لاستجوابه بطريقة أخرى لعلهم يجدون في إجابته ما يناقض ما سبق فقاله، فيجدون علة على السيد المسيح. أرادوا أن يسألوه عن كيفية تفتيح عينيه لعله استخدم طريقة شيطانية. أما الشاب فضاقت نفسه من أسلوبهم غير اللائق، فلم يجب عليهم، بل رد السؤال بسؤال إن كانوا يريدون أن يتتلمذوا له، حاسبًا نفسه أنه تلميذ يسوع.
"أجابهم: قد قلت لكم ولم تسمعوا،
لماذا تريدون أن تسمعوا أيضًا؟
ألعلكم أنتم تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟" [27]
جاءت إجابته تحمل روح الصراحة والشجاعة والشهادة الحية للسيد المسيح، كما جاء سؤاله لهم فاصلًا أن يختاروا أحد أمرين: التلمذة للسيد المسيح كما يتتلمذ هو على يديه، أو وقف الحوار معه. فإنه ليس من مجالٍ للحوار.
* ماذا كانت إجابته؟ إذ غلبهم وأسقطهم لم يعد يتحدث في خضوعٍ لهم. إذ كان الأمر يحتاج إلى سؤال وحوار تحدث معهم بحذرٍ حتى يأتي بالبرهان. وإذ غلب ونال نصرة فائقة تشجع ووطأ عليهم[1059].
* ألا ترون كيف يتحدث شحاذ بجرأة أمام الكتبة والفريسيين؟ هكذا الحق قوي والباطل ضعيف. إذ يتمسك أناس عاديون بالحق يصيرون ممجدين، أما الباطل وإن استخدمه أقوياء يصيرون ضعفاء.
وما قاله هو هذا: "إنكم لم تلتفتوا إلى كلماتي، لهذا لا أعود أتكلم وأجيبكم بعد، إذ تسألونني بلا هدف، ولا ترغبون أن تسمعوا لتتعلموا، وإنما لكي تسيئوا إلى كلماتي[1060].
* بقوله: "ألعلكم أنتم تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟" رتب نفسه في صف تلاميذ السيد المسيح، لأن قوله هذا واضح أنه صار تلميذًا للسيد المسيح. عندئذ سخر بهم وضايقهم جدًا. فإذ كان يعلم هذا يضرب بهم بشدة. قاله لهم، لكي يوبخهم بقسوة شديدة. هذا عمل نفس شجاعة تحلق في الأعالي، وتحتقر جنونهم، وتشير إلى عظمة هذه الكرامة (للتلمذة له)، إذ كان واثقًا جدًا، وأظهر لهم أنهم يشتمون من هو مستحق للإعجاب، لكنه لا يبالي بشتيمتهم إليه بل ما يقدمونه توبيخًا هو كرامة له[1061].
القديس يوحنا الذهبي الفم
* ماذا يعني قوله: "ألعلكم أنتم تريدون أن تصيروا له تلاميذ؟" فمن جهتي أنا قد صرت فعلًا هكذا، أتريدون أنتم أيضًا؟ إنني الآن أرى، أرى بدون ارتياب[1062].
القديس أغسطينوس
"فشتموه وقالوا:
أنت تلميذ ذاك،
وأما نحن فإننا تلاميذ موسى". [28]
إذ لم يستطيعوا مقاومة الحق لجأوا إلى لغة الشتيمة. وهذا ما يتوقعه كل من يلتصق بالحق. يقول السيد المسيح: "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم، وقالوا عنكم كل كلمة شريرة، من أجلي كاذبين" (مت ٥: ١١). حملوا قلبًا مملوء بالكراهية ضد الحق الإلهي، قتالًا، فخرجت كلماتهم كطعن السيف (أم ١٢: ١٨؛ مز ٥٥: ٢١).
في استخفاف قالوا له: "أنت تلميذ ذاك". إذ لم يكن بعد قد رآه، ولا سمع لعظاته، لكنهم حسبوه تلميذه لأنه يشهد له، أما هو فكان يعتز بأن يكون تلميذه.
كانوا يفتخرون بعلاقتهم بموسى النبي كمعلمٍ لهم، فلا يحتاجون إلى معلمٍ آخر، ولا يطلبون ذلك. سبق أن افتخروا أمام السيد المسيح أنهم أبناء إبراهيم، والآن يعتزون بأنهم تلاميذ موسى، مع أنهم كانوا بأعمالهم وفكرهم غرباء عن إبراهيم وعن موسى. لو كانوا بحق أبناء إبراهيم لرأوا معه يومه وتهللوا (يو ٨: ٥٦). ولو كانوا بالحق تلاميذ موسى لالتصقوا بالسيد المسيح الذي تنبأ عنه موسى، عوض مقاومتهم له.
"نحن نعلم أن موسى كلمه الله،
وأما هذا فما نعلم من أين هو". [29]
كأنهم يقولون: إننا متأكدون بأن خدمة موسى إلهية، لكن ليس لدينا أي دليل على أن هذا الشخص مدعو للخدمة، فكيف نترك موسى ونتبع شخصًا مجهولًا، غريبًا عن الخدمة الإلهية؟ قدموا ما يبرر اعتزازهم بموسى كمعلم لهمٍ، أن الله كلَّمه، ولم يدركوا أن يسوع هو كلمة الله نفسه المتأنس. موسى كان العبد الأمين المؤتمن على بيت سيده، أما يسوع فهو الابن الوحيد الجنس صاحب البيت (عب ٣: ٥، ٦) الذي يخدمه موسى.
في سخرية قالوا: "وأما هذا فما نعلم من أين هو" [٥٩]. حقًا لم يعلموا وما كان يمكنهم أن يعرفوا من أين هو ما لم يفحصوا أسفار العهد القديم بنية صادقة، ويطلبون من الله أن يكشف لهم عن شخصه. لو فحصوا لأدركوا أنهم في الزمن الذي يأتي فيه المسيا المنتظر، لكنهم كآبائهم في عصر إرميا النبي الذين "لم يقولوا أين هو الرب" (إر ٢: ٦).
* لم يقولوا نحن سمعنا أن موسى كلمه الله" إنما قالوا "نحن نعلم" [٢٩]. أيها اليهود، هل أنتم متأكدون مما سمعتموه، إذ تعلمون هذا، بينما تحسبون ما ترونه أقل ثقة مما تسمعونه؟ واحد لم ترونه بل سمعتم عنه، والآخر لم تسمعوه وإنما رأيتموه[1063].
القديس يوحنا الذهبي الفم
* أهكذا تتبعون العبد وتعطون القفا للرب؟ فإنكم بهذا لستم تتبعون العبد، لأنه هو نفسه يقود إلى الرب[1064].
القديس أغسطينوس
"أجاب الرجل وقال لهم:
إن في هذا عجبًا،
أنكم لستم تعلمون من أين هو، وقد فتح عيني". [30]
دُهش الأعمى لإحساسهم بأن يسوع غريب عن الخدمة الإلهية، وقد فعل ما لم يفعله موسى النبي، تفتيح عيني إنسان مولود أعمى. لقد عرفت المدينة كلها بالمعجزة، لأنه كان يستعطي وكثيرون من كل نواحي المدينة رأوه وتيقنوا أنه أعمى طول الماضي، وها هو يقف ويسير شاهدًا بعمل السيد المسيح الفائق.
إن كان الأعمى قد وجد عجبًا في يسوع لأنه فتح عينيه بل وخلقهما برعايته وسلطانه الفائق، والآن يجد عجبًا في هؤلاء القادة العميان أنهم يجلسون على كرسي القضاء ولا يرون الحق الواضح، مع أنه قدم الحقائق التالية:
* فتح يسوع عينيه، هذه حقيقة عملية لا يمكن إنكارها.
* الله لا يسمع للخطاة (مز ٦٦: ١٨)، بينما هم يقولون أنهم يعلمون بأن هذا الإنسان خاطئ.
* الله يسمع للأتقياء الذين يعملون إرادته.
* لم نسمع في تاريخ العالم أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى، لم يقم حتى موسى بمثل هذا العمل.
* إن كان يسوع ليس من عند الله كأنه بلا قوة.
هكذا نصبوا الفخ فوقعوا هم فيه.
"ونعلم أن الله لا يسمع للخطاة،
ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع". [31]
جاءت كلمة خطاة هنا في اليونانية hamartooloon لتعني الوثنيين غير المؤمنين يقابلها كلمة theosebees لتعني المتعبد لله. الله لا يسمع لمن يطلب بفمه أن يخلص بينما بقلبه وسلوكه مصمم على الالتصاق بالشر والتلذذ به.
* هنا أظهر ليس فقط أنه بلا خطية، وإنما أعلن أنه موضع سرور الله جدًا، ويعمل إرادته. فإذ دعوا أنفسهم "عابدي (متقي) الله" أضاف "ويعمل مشيئته". كأنه يقول: "إنه لا يكفي أن يعرف الناس الله بل يلزمهم أن يعملوا مشيئته"[1065].
القديس يوحنا الذهبي الفم
* بعيني الإيمان ترون هذا الأعمى إنه أعمى أيضًا (بالقلب) إذ تسمعونه يخطئ. سأخبركم فيمَ أخطأ هذا الأعمى.
أولًا إنه ظن في المسيح أنه نبي، ولم يعرف أنه ابن الله. لذا نسمعه يجيب من خلال خطأه، إذ قال: "نحن نعلم أن الله لا يسمع للخطاة" [٣١].
إن كان الله لا يسمع للخطاة، فأي رجاء لنا؟
إن كان الله لا يسمع للخطاة، فلماذا نصلي، ونعترف بسجل خطيتنا بالقرع على الصدر؟
أيضًا أين ذلك العشار الذي صعد مع الفريسي إلى الهيكل (لو ١٨: ١٠)، وبينما كان الفريسي منتفخًا مستعرضًا استحقاقاته الذاتية، وقف بعيدًا وبعينين متطلعتان نحو الأرض وقارعًا صدره معترفًا بخطاياه، نزل هذا الإنسان المعترف بخطاياه من الهيكل مبررًا أكثر من الفريسي؟
إذن بالتأكيد يسمع الله للخطاة. لكن الذي نطق بهذه الكلمات لم يكن بعد قد غسل وجه قلبه في سلوام.
لقد عبر السرّ أمام عينيه، لكن لم يتأثر القلب ببركة النعمة.
متى غسل هذا الأعمى وجه قلبه؟ عندما جاء إليه الرب نفسه بعد أن طرده اليهود. إذ وجده وقال له: "أتؤمن بابن الله؟" أما هو فقال: "من هو يا سيد لأؤمن به؟" لقد رآه فعلًا بعينيه فهل رآه بقلبه؟ لا، لم يكن بعد قد رآه بقلبه. انتظروا فإنه سيراه...
أجابه يسوع: "الذي يتكلم معك هو هو" [٣٧]. هل شك؟ لا، فقد غسل وجهه.
لقد تكلم مع "سلوام" التي تفسيرها "المُرسل". من هو المُرسل إلاَّ المسيح...؟ هو نفسه سلوام. اقترب إليه الرجل الأعمى بقلبه، لقد سمع وآمن وسجد، غسل وجهه فرأى[1066]
القديس أغسطينوس
* في الخروج أيضًا الكهنة الذين يقتربون إلى الرب الإله يلزمهم أن يتقدسوا لئلا يتركهم الرب (خر ١٩: ٢٢). وأيضًا الذين يقتربون إلى مذبح القدوس للخدمة لا يجلبوا معهم خطية لئلا يموتوا (خر ٢٨: ٤٣)[1067].
الشهيد كبريانوس
* إذ نضع هذه الأمور أمام أعيننا فبكل حرص وتقوى نهتم بذلك في سيامة الأساقفة، فيلزمنا أن لا نختار أحدًا إلا الكهنة الذين بلا عيب والمستقيمين الذين يقدمون ذبائح الرب بقداسة واستحقاق أمام الله. هؤلاء قادرون أن تُسمع صلواتهم هذه التي يقدمونها من أجل سلامة شعب الرب[1068].
الشهيد كبريانوس
"منذ الدهر لم يسمع أن أحدًا فتح عيني مولود أعمى". [32]
منذ بدء الأزمنة، قبل عصر الآباء والأنبياء لم يُسمع قط أن أحدًا ما -حتى موسى- قد فتح عيني مولود أعمى.
"لولم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا" [33].
قدم الأعمى نتيجة صادقة، وهي أنه لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا، لأنه ينبوع كل صلاح. ليس من صلاح يمكن أن يتحقق بدونه.
"أجابوا وقالوا له:
في الخطايا وُلدت أنت بجملتك،
وأنت تعلمنا.
فأخرجوه خارجًا". [34]
كأنهم يقولون له: "ها أنت قد نلت جزاءً عادلًا، فجئت إلى العالم مشوهًا، بلا عينين، بسبب خطاياك السابقة، ولا تستحق أن تشارك المؤمنين عبادتهم لله، فكيف تمارس دور المعلم للقادة؟ ثم أصدروا أمرًا بحرمانه من الشركة في العبادة لله. إذ لم يكن لديهم القدرة على الرد عليه، استخدموا سلطانهم بحرمانه وطرده.
احتقروه وأهانوه قائلين: إنك لست مثل كل إنسان مولود بالخطية، وإنما "أنت بجملتك ولدت في الخطايا". أنت فاسد تمامًا، تحمل الفساد في نفسك كما في جسدك، وها هي علامات الفساد قد انطبعت عليك بتشويه جسدك وحرمانك من البصر، هوذا الطبيعة نفسها قد وسمته بالفساد. ولعلهم حسبوا فقره الشديد واستعطائه علامة من علامات الغضب الإلهي عليه بسبب خطاياه.
استخفوا بكلماته وهم في دهشةٍ: كيف يقف هذا الغبي الأمِّي الذي يجهل حتى نور الشمس إذ لم يره من قبل والذي يجلس يستجدي أن يحتل مركز المعلم بالنسبة لقادة الفكر والعلم؟
في كبريائهم رفضوا التعلم خاصة ممن هم أقل منهم رتبةً أو علمًا. مع أن الإنسان الصالح لن يأنف من أن يتعلم كل يوم حتى آخر نسمة من نسمات حياته. يستطيع أن يتعلم حتى من الأطفال الصغار. رفض التعليم هو الغباوة عينها والجهالة!
إذ اقترب جدًا من ضمائرهم لم يحتملوه بل طردوه، ولعلهم طلبوا من الخدم أو الحرس أن يخرجوه ولو بالقوة.
إذ عجز القادة المتعلمون عن الحوار في تشامخ أصدروا الحكم بطرده خارجًا. أخرجوه خارج لكنهم لم يعزلوه عن الشركة مع المسيح. ظنوه غير أهلٍ للعضوية الكنسية اليهودية، ولم يدركوا أنه يتأهل للعضوية في جسد المسيح.
لم يدركوا أنهم بهذا ترتد عليهم الإهانة، فإنه إن كان حسب فكرهم قد وُلد بجملته في الخطايا لأنه وُلد أعمى، فها هو قد بريء من العمى، فيكون من شفاه قادر على نزع الخطايا وإزالتها؛ وهذا من عمل الله.
* سُجلت هذه الأمور لكي نقتدي بها.
الرجل الأعمى، الشحاذ، الذي لم يكن بعد قد رأى السيد وقد أظهر جرأة باستقامة قبل أن يشجعه المسيح، ووقف في وجه كل القتلة الممسوسين من الشيطان، الثائرين، الذين أرادوا بكل وسيلة أن يدينوا المسيح. فإنه لم يخضع لهم ولا أعطاهم القفا بل بجرأةٍ أبكم أفواههم، مفضلًا بالأحرى أن يُطرد خارجًا عن أن يخون الحق.
كم بالأكثر يليق بنا نحن الذين نعيش زمانًا طويلًا في الإيمان ورأينا ربوات المعجزات تتم بالإيمان، وتقبلنا بركات أعظم مما نالها هو، إذ انفتحت أعيننا الداخلية، وتعرفنا على إسرارٍ لا توصف، ودعينا إلى كرامة عظيمة كهذه، أقول كم يلزمنا أن نظهر جرأة في الحديث مع الذين يتهمون المسيحيين، ونبكم أفواههم دون أن نخنع في ضعف.
يمكننا أن نفعل ذلك إن كانت لنا جرأة، وكنا مهتمين بالكتب المقدسة ونسمعها بغير إهمالٍ[1069].
القديس يوحنا الذهبي الفم
* ماذا يعني "بجملتك" هنا؟ حتى إلى عمى العينين.
لكن ذاك الذي فتح عينيه قد خلصه أيضًا بجملته، إنه سيمنحه القيامة عن يمينه ذاك الذي أنار ملامحه[1070].
* عندما طردوه استقبله الرب، فإنه قدر ما طرد صار مسيحيًا[1071].
القديس أغسطينوس
St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت
ه. حوار بين المسيح والأعمى
"فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجًا،
فوجده وقال له:
أتؤمن بابن الله؟" [35]
واضح أن السيد المسيح كان كمن يبحث عنه ليجده. وجده حين طرده الفريسيون، وحرموه من حقه كعضوٍ في شعب الله. وربما خشي والداه من إيوائه لئلا يكون مصيرهم كمصيره. وجده إله المطرودين والمرذولين وأب الأيتام وقاضي الأرامل، والمهتم بمن ليس لهم من يسأل عنه.
قوله: "أتؤمن بابن الله؟" يعادل القول: "أتؤمن بالمسيا"، لأن هاتين السمتين لا تنفصلان (يو ١: ٣٤، ٤٩؛١٠: ٣٦؛ مت ١٦: ١٦؛ مر ١: ١).
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح وقد رأى في الأعمى حبه للحق وشجاعته وهبه الشوق إليه قبل أن يعلن ذاته له[1072]. هكذا كل من يطلب الحق في جدية ولا يخشى الباطل يجتذبه الحق إليه بالحب ثم يعلن ذاته له.
* الذين يعانون من الأمور المرعبة والشتائم بسبب الحق والاعتراف بالمسيح هؤلاء يكرمون على وجه الخصوص...
لقد أخرجه اليهود خارج الهيكل، ورب الهيكل وجده.
لقد عُزل من الصحبة المهلكة، والتقى بينبوع الخلاص.
أهانه الذين أهانوا المسيح، فكرمه رب الملائكة.
هكذا هي مكافآت الحق.
ونحن أيضًا إن تركنا ممتلكاتنا في هذا العالم نجد ثقة في العالم العتيد.
إن صرنا هنا في ضيق نجد راحة في السماء، وإن شُتمنا من أجل الله نُكرم هنا وهناك[1073].
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أجاب ذاك وقال:
من هو يا سيد لأومن به". [36]
واضح أنه لم يره من قبل، وإن كان قد سبق فسمع صوته عندما أمره بالذهاب إلى بركة سلوام ليغتسل. لقد أكتشف أنه هو الذي شفاه فآمن به.
لم نسمع عن حوارٍ تم بين السيد المسيح والأعمى قبل شفائه، كما حدث مع مفلوج بيت حسدا. يبرر البعض ذلك بأن الأعمى لم يكن بعد قد رأى المسيح، وربما بسبب فقره الشديد وانشغاله بالاستعطاء لم يتحدث معه أحد عن السيد المسيح وأعماله الفائقة. لهذا لم يقل له السيد: "أتريد أن تبرأ؟" كما قال للمفلوج. حينما حُرم الأعمى من الصداقات البشرية وعانى من الشعور بالنقص كما بالشعور بالعزلة، جاءه السيد المسيح يشبع احتياجاته، ويملأ أعماقه بالحب الإلهي.
يؤكد البعض عدم إيمان الأعمى ليس عن عمدٍ، وإنما عن عدم وجود فرصة للسماع عنه والالتقاء به. لهذا بعدما شفاه السيد، وبعد حوارات كثيرة تمت حوله وبعد طرده خارجًا وجده يسوع وسأله: "أتؤمن بابن الله؟" [٣٥]، وجاءت إجابته تكشف عن شوقه للإيمان: "من هو يا سيد لأومن به؟" [٣٦].
* قال الأعمى للسيد المسيح: "من هو يا سيد لأومن به"، لأنه لم يكن بعد قد عرفه على الرغم من أنه قد استمد منه الشفاء، لأنه كان ضريرًا قبل أن يجيء إلى المحسن إليه. ولم يقل الأعمى للسيد المسيح في الحال "أؤمن"، لكنه خاطبه على سبيل السؤال، فقال له: "من هو يا سيد لأؤمن به؟" هذا قول نفس تائقة مبتغية إياه جدًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فقال له يسوع:
قد رأيته،
والذي يتكلم معك هو هو". [37]
لا يحتاج أن يذهب الإنسان بعيدًا ليلتقي معه، فإنه قريب جدًا. وكما يقول الرسول بولس: "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء، أي ليحدر المسيح، أو من يهبط إلى الهاوية، أي ليصعد المسيح من الأموات، لكن ماذا يقول: الكلمة قريبة منك" (رو ١٠: ٦-٨)
فتح السيد المسيح عينيه لكي ينظر إليه الأعمى ويراه. إن كان تفتيح العينين قد أبهجا هذا الأعمى، فإن رؤيته لابن الله أعظم جدًا من تمتعه بالعينين الجسديتين. رؤيته لابن الله أبهجت قلبه أكثر من كل أنوار العالم. وها نحن بالإيمان نتمتع بالبصيرة الداخلية، فننعم برؤية السيد المسيح، وندرك سرّه كابن الله الوحيد الجنس.حقًا يستطيع أن يترنم مع المرتل قائلًا: "بنورك يا رب نعاين النور" (مز ٣٦: ٩).
"فقالأومن يا سيد وسجد له". [38]
بقوله "أؤمن" عني "أؤمن أنك المسيا"، مقدمًا دليلًا على صدق إيمانه، أنه سقط وسجد أمامه. لم يره من قبل، ووجد مقاومة شديدة ضده من السلطات الدينية، لكنه إذ اختبر بنفسه تفتيح عينيه آمن بلاهوته وسجد له، ممجدًا إياه كمخلصٍ له. لقد انفتحت بصيرته الداخلية، وتعرف على أسرارٍ إلهية لم يكن ممكنا لأعضاء مجمع السنهدرين أن يدركوها ويؤمنوا بها.
آمن الأعمى واعترف بالسيد المسيح، ولم يكن محتاجًا إلى حوارٍ، إذ تمتع بعمله الإلهي العجيب وبالبصيرة الروحية. ًآمن بقلبه واعترف بلسانه أمام الرب والناس، حتى أمام المقاومين. هكذا صارت القصبة المرضوضة شجرة مغروسة على مجاري الروح مملوءة ثمرًا.
"سجد له"، إذ لم يقدم له تكريمًا كما لإنسان ليعبر عن شكره له، لكنه قدم له سجودًا لائقًا بالعبادة لله. هكذا عبَّر عن إيمانه بالشهادة العلنية دون خوف، والعبادة لله بروح التواضع. لم يروِ لنا الإنجيلي يوحنا لنا شيئًا عن هذا الأعمى بعد هذا السجود، إنما ما هو واضح من قول السيد أنه صار مبصرًا، يتبع النور ويحيا فيه.
سجد الأعمى أمام السيد المسيح، غالبًا في حضرة الفريسيين؛ عندئذ قدم السيد المسيح أمامهم تعليقًا عما تثمره خدمته الإلهية في هذا العالم. ويظن البعض أن هذا الحديث جاء في لقاء آخر مع الفريسيين ليس بعد سجود الأعمى مباشرة.
جاء إلى العالم كمخلصٍ وليس كديانٍ، لكن إذ يرفض الأشرار غير المؤمنين عمله يسقطون تحت الدينونة. خدمته الإلهية أقامت من البشرية فريقين: فريق يعترف بعماه فيؤمن ويقبل النور، وآخر يظن أنه مبصر فيرفض الإيمان ويبقى في ظلمته، وتصير أعمال المسيح دينونة عليهم. هكذا ينقسم العالم إلى مؤمنين وغير مؤمنين، وهذا هو الخط الواضح في أكثر أحاديث السيد المسيح في هذا السفر. صارت أعمال المسيح الخلاصية أو إنجيله حياة لحياة، ويحمل رائحة موت لموت. أشرق على الأمم نور عظيم يهبها حياة وأطلقها من الأسر (إش ٦١: ١)، وأصيب إسرائيل في كبريائه بالعمى فألقي بنفسه في دائرة الموت.
* الآن في النهاية بوجهه الذي اغتسل وضميره الذي تطهر عرفه ليس فقط ابن الإنسان كما اعتقد قبل ذلك، بل ابن الله الذي أخذ جسدنا. "فقال: أومن يا رب"...[1074]
القديس أغسطينوس
St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت
و. حوار بين المسيح والفريسيين
"فقال يسوع:
لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم،
حتى يبصر الذين لا يبصرون،
ويعمى الذين يبصرون". [39]
إنها لحظات عجيبة شدت أنظار الواقفين، سواء التلاميذ أو الجموع أو بعض الفريسيين، فقد سجد الأعمى عند قدمي ربنا يسوع يعلن إيمانه به أنه ابن الله. أقول أنه مشهد سحب أنظار السمائيين وهم يرون إيمان هذا الإنسان الصادق مع نفسه ومع مقاومة أعلى درجات القيادة الدينية للحق. إنه منظر يفرح قلب السيد المسيح، ليس لاحتياجه إلى من يشهد له، ولكن لأنه يود أن يتمتع الكل بالنور السماوي.
لقد سبق فأعلن السيد أنه ما جاء إلى العالم ليدينه بل ليخلصه (يو ٣: ١٧). لكنه إذ يشرق بنوره على الجالسين في الظلمة بنوره يصير المستنيرون علة دينونة للذين أحبوا الظلمة أكثر من النور (يو ٣: ١٩). إنهم يدينون أنفسهم بأنفسهم، لأنهم حتى يتعثرون ويسقطون في الحفرة، إذ هم "عميان قادة عميان" (مت ١٥: ١٤).
نال الأمم الذين جلسوا في الظلمة زمانًا نور المعرفة والبصيرة الحقيقية. أما اليهود الذين تظاهروا أنهم أبناء النور وأصحاب المعرفة الروحية، وأساءوا استخدام طول أناة الله ورحمته، ففقدوا خلاصهم الذي رذلوه، وأصابهم عمى روحي. استطاع الأعمى الأمي أن يتعرف على أسرار إلهية، بينما الفريسيون أصحاب المعرفة جهلوا هذه الأسرار. لم يقرأ الأعمى الكتاب المقدس، ربما سمع في بساطة وإخلاص بعض العبارات الكتابية والقصص الخاصة بتاريخ الخلاص. أما هم ففحصوا الكتب وحفظوا عبارات عن ظهر قلب وتمسكوا ببعض التفاسير، لكن عملهم هذا لم يكن عن إخلاص في معرفة الحق، لذا لم يتأهلوا لإدراك الأمور الواضحة عن المسيا.
سرّ عماهم أنهم يظنون في أنفسهم أنهم مبصرون: يعرفون موسى وأنهم تلاميذ له، يعرفون السبت ويحفظون شريعته، كما يعرفون أن الأعمى قد وَلد بجملته في الخطية.
* تحذير خطير! يبصر الذين لا يبصرون [٣٩]،
حسنًا! إنه عمل المسيح، إعلان قوة الشفاء!
ولكن ماهذا الذي تضيفه يا رب؟ "يعمى الذين يبصرون" [٣٩]؟ إنهم اليهود. هل يرون؟ حسب كلماتهم إنهم يبصرون؟ وبحسب الحق لا يبصرون.
ماذا إذن "يبصرون"؛ إنهم يظنون أنهم يبصرون، يعتقدون هذا. إذ ظنوا أنهم يصونون الناموس ضد المسيح... هؤلاء الذين لا يعترفون بعماهم تقسوا بالأكثر... بالحقيقة قد تم القول "يعمى الذين يبصرون"، فإن المدافعين عن الناموس، الأساتذة في الناموس، معلمي الناموس، فاهمي الناموس، صلبوا واضع الناموس.
يا للعمى الذي حصل جزئيا لإسرائيل (رو ١١: ٢٥). ماذا يعني "يبصر الذين لا يبصرون"؟ "إلى أن يدخل ملء الأمم" (رو ١١: ٢٥). كل العالم قد سقط في العمى، لكن جاء لكي "يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون"...
يا للعمى الخطير؟ لقد قتلوا النور، لكن النور المصلوب أنار العميان[1075]
* الآن إنه اليوم الذي يميز بين النور والظلمة![1076]
* لقد تسلمتم الناموس، وأنتم تريدون أن تحفظوه، لكنكم عاجزون عن ذلك؛ لقد سقطتم من الكبرياء فتروا ضعفكم. اشتاقوا إلى المسيح. اعترفوا له، آمنوا به. لقد أضيف الروح إلى الحرف فتخلصون. فإنك إن نزعت الروح عن الحرف "الحرف يقتل". وإن قتل، فأين الرجاء؟ "أما الروح فيحيي" (٢ كو ٣: ٦)[1077].
القديس أغسطينوس
يقارن القديس أغسطينوس بين الحرف والروح، فيرى في الحرف عصا اليشع التي سلمها لتلميذه جيحزي حين كان ابن الأرملة ميتًا، لكن لم يقم الميت إلاَّ بحضور اليشع نفسه. هكذا مع نفع الناموس الذي تسلمناه من الله نحن في حاجة إلى حضور الله نفسه، فنتمتع بقوة القيامة[1078].
"فسمع هذا الذين كانوا معه من الفريسيين وقالوا له:
ألعلنا نحن أيضًا عميان؟" [40]
أدرك الفريسيون أنه يتحدث عن العمى الروحي، فسألوه إن كان يقصدهم بهذا.وقد صدر سؤالهم عن نفوس متكبرة لا تقدر أن تتمتع بغنى نعمة الله.
ما يشغل ذهن الفريسيين هو كرامتهم أمام الناس، والظهور كأصحاب معرفة، يحتلون كراسي التعليم. حسبوا اتهامهم بالعمى بسبب عدم رغبتهم في التعلم هو أشبه بضربة قاتلة. بقولهم: "ألعلنا نحن أيضًا عميان؟" يكشفون عما في أعماقهم، فهم يحسبون الشعب ككل عميانًا أما من يضمهم يسوع مع الشعب الأعمى فهذا ما لم يكن يخطر على بالهم. حسبوا هذا إهانة منه، وخطأ منه لا يغتفر، إذ لم يعتادوا أن يسمعوا كلمة نقد من أحدٍ قط.
* قول الفريسيين للسيد المسيح "ألعلنا نحن أيضًا عميان؟"على نحو ما قالوا في غير هذا الموضع: "إننا ذرية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط؛ إننا لم نولد في زنى" (يو 8: 33، 41) هكذا قالوا الآن.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"قال لهم يسوع:
لوكنتم عميانًا لما كانت لكم خطية،
ولكن الآن تقولونإننا نبصر، فخطيتكم باقية". [41]
لو أنهم اعترفوا بجهلهم لما سقطوا تحت الحكم، لكن أفواههم تشهد عليهم، فقد ادعوا أنهم مبصرون، قادرون على إدراك الحق وتمييزه عن الباطل. ادعوا أنهم مبصرون، يرون الحق الإلهي ويفهمون الشريعة والنبوات، لذا أغلقوا على أنفسهم، وصارت خطيتهم باقية.