وكما أنه لابد من الاعتراف في الجوهر الإلهي الفرد بقوة عاقلة كذلك لابد من الاعتراف فيه بقوة محبة، كما قال الإنجيل : "الله نور" و "الله محبة". فالطبيعة الإلهية الواحدة هي ذاتها قوة عاقلة وقوة محبة. والقوة العاقلة فيها تنتج فكرها أو "ابنها"، والقوة المحبة في الآب والابن تنتج، عن طريق التبادل، ثمراً حبياً هو الروح القدس الذي يعرفه النصاري "محبة الآب والابن المتبادلة". وحياة الحي القيوم هي حياة قوة ذاته العاقلة وحياة قوة ذاته المحبة : فابن الله هو فكر الله الجوهري، وروح الله أو روح القدس هو حب الله الجوهري. ولكي يقرب لنا المسيح فهم هذه الحياة الإلهية وكيفية تفاعلها في داخلها عبر لنا بكلام بشري عن ذات الله وعن ثمرة عقله الجوهرية وثمرة حبه الجوهرية، إذ لا عرض في ذات الله، إنها "الآب والابن والروح القدس" وأن "الثلاثة" هي الإله الواحد، لا إله إلا هو.
وهكذا فالروح اسم وحقيقة للمحبة المتبادلة في ذات الله، والابن اسم وحقيقة لثمرة القوة العاقلة في جوهر الله، والآب اسم وحقيقة لمصدر هاتين الثمرتين في الذات الإلهية الواحدة. وهكذا فالآب والابن والروح جوهر واحد، طبيعة واحدة، ذات إلهية واحدة، هو الله لا إله إلا هو. ومن ثم فإذا بشر الإنجيل بالتثليث ضمن الطبيعة الإلهية الواحدة فهو لا يجعل مع الله إلهاً آخر، ولا يجعل الله "ثالث ثلاثة"، ولا يجعل الله "ثلاثة" آلهة، بل هو تثليث علاقات أقنومية قائمة في الذات الإلهية الواحدة، هو تثليث في التوحيد الخالص.