الفصل الحادى عشر
وادى الخسارة
“لكن ما كان لى ربحاً ، فهذا قد حسبته من اجل المسيح خسارة " (فى 7:3)
بعد مدة قليلة، ولصدمتهن الشديدة، وجدن الطريق ينحدر الى اسفل الى سفح الجبل .. تماما كما حدث فى بداية الرحلة عندما انحدر الى ارض مصر.
توقف الثلاثة، ونظرن بعضهن الى بعض، ثم الى الوادى، ووجدن انه فى الناحية الاخرى جبالا اعلى من جبل التجريح.
فى تلك اللحظة اختبرت خوافة اشد وافظع الم عرفته طوال الرحلة .. لقد كن على وشك الوصول للمرتفعات، ولكن الان يجب عليها ان تنزل وكأنها تبدأ رحلتها من جديد .. !!
وكأن كل تجاربها ضاعت هباء وتعبها ذهب ادراج الريح.
تجمد قلب خوافة داخلها ..
وفكرت كيف تستطيع ان تتبع من يطلب منها كل هذه التضحيات ؟!!
وللحظة سوداء فكرت ان تكف عن اتباع رئيس الرعاة !!
لم يكن هناك داع لهذا !!
لقد سارت فى هذا الطريق لانها ارادته، ولكنه لم يكن الطريق الذى تحب ان تسلكه .. ربما كان اقرباؤها على حق ..
يجب ان تنهى الامها واشجانها فى الحال، وتكف عن اتباع رئيس الرعاة ثم تختار طريقها بنفسها وبدونه ..
هنا صرخت وكأنها رأت الجحيم بعينه ونادت ..
"ارحمنى لانى ضعيفة، اشفنى لان عظامى قد اضطربت، ونفسى قد انزعجت جدا ونج نفسى" (مز 2:6-4)
وفى اللحظة التالية كانت خوافة تمسك بقدمى راعيها وتبكى وتقول:
افعل اى شئ .. لا تعطنى اى شئ وعدتنى به فقط لا تدعنى اتركك .
رفعها رئيس الرعاة من على الارض حيث كانت تمسك بقدميه ومسح دموعها بيده وقال لها بصوته الحنون القوى :
لا تخافى .. حتى ذاتك لا تستطيع ان تأخذك منى .. !
دعوتك باسمك انت لى (أش 1:43)
هوذا على كفى نقشتك (أش 16:49)
ألم تتعلمى الدرس حتى الان .. !
هذا التأجيل ليس للموت، بل ليتمجد اسم الله.
ما انا فعله الان لست تفهمينه، لكنك ستفهمينه فيما بعد (يو 7:13) .
خرافى تسمع صوتى وتتبعنى ..
انها ارادتى ان تنزلى الى هذا الوادى الان ، ولك وعد جديد منى وهو:
اذناك تسمعن كلمة خلفك قائلة "هذه هى الطريق، اسلكى فيها حينما تميلين الى اليمين ، وحينما تميلين الى اليسار (أش 21:30)"
والان يا خوافة، هل تتخلين عن كل ما احرزته حتى الان، فى هذه الرحلة، وتقبلى النزول لوادى الخسارة، فقط لان فى هذا ارادتى؟
كانت لا تزال مستندة على ذراع رئيس الرعاة عندما قالت من كل قلبها كلمات قالتها سيدة اخرى من قبل:
لانه حيثما ذهبت اذهب، وحيثما بت ابيت، شعبك شعبى والهك الهى، حيثما مت اموت وهناك اندفن، هكذا يفعل بى الرب وهكذا يزيد، انما الموت يفصل بينى وبينك.
(را 16:17)
وهكذا بنى مذبحا اخر على قمة وادى الخسارة ، وزاد عدد الحجارة فى كيس خوافة واحدة. وفى طريق النزول، بدأت اشجان والام نشيدا جميلا قائلتين :
اين ذهب حبيبك ايتها الجميلة بين النساء، اين توجه حبيبك فنطلبه معك؟
ورددت خوافة : حبيبى نزل الى جنته ، الى خمائل الطيب ليرعى الجنات ، ويجمع السوسن، انا لحبيبى وحبيبى لى الراعى بين السوسن .
اخيرا اجابهن رئيس الرعاة :
انت جميلة يا حبيبتى كترصة حسنة كأورشليم مرهبة كجيش بألوية.
حولى عنى عينيك فإنهما قد غلبتاتى نش 4:6-5
ورغم شدة انحراف الطريق فإنه بدا سهلا لان خوافة ارادت ان تنفذ ارادة رئيس الرعاة بكل طاقتها لتفرحه، لقد ادركت ان فى قلبها اشتياق ليس للاشياء التى يعطيها اياها رئيس الرعاة ولكن اشتياق وحب لشخصه هو فقط وليس سواه .
لا شئ يهم سوى حبه. حتى فى الالام والاحزان والخسارة.
لان الوجود فى حبه والعدم فى غيابه .
وهكذا وصلن الى الوادى بسرعة، ووجدته خوافة مكانا جميلا جدا وكأنه حديقة كبيرة بديعة مملوءة سلاما وهدوءاً ، يبعث فى النفس امانا وطمأنينة .
واثناء سيرهن فيها كن ينشدن :
تعال يا حبيبى لنخرج الى الحقل، ولنبت فى القرى لنبكرن الى الكروم .
لننظر هل ازهر الكرم ؟ هل تفتح القعال ؟ هل نور الرمان ؟ هناك اعطيك حبى.
اللفاح يفوح رائحة. وعند ابوابنا كل النفائس من جديدة وقديمة ذخرتها لك يا حبيبى نش 11:7-13
اما اكثر شئ كان يفرح خوافة ، فهو وجود رئيس الرعاة بجانبها معظم الوقت،
وذات يوم قال لها :
انا سعيد بأنك تستمتعين بوجودك هنا.
ان المذبح الذى بنيته ساعدك كثيرا فى تقبل وجودك فى وادى الخسارة.
قال هذا ونظر اليها نظرة كانت خليط من الرأفة والاصرار .. !!
فقالت خوافة فى نفسها : ترى ماذا سيفعل بى بعد كل هذا .. ؟!!
انه لن يترك فى نفسى اى ضعف او نقص .. هل سأحتمل ما سيفعله بى ؟!!
تفكرت فى هذا لانها كانت لاتزال ... خوافة .