الفصل الثامن
جبل التجريح
“وآخرون تجربوا فى هزء وجلد …
طافوا معتازين مكروبين مذلين “(عب 36:11)
سارت خوافة بعد هذا وهى سعيدة جدا ..
ألم يعدها رئيس الرعاة بالصعود للمرتفعات قريبا ؟!!
بعد قليل اخذ الطريق يصعد نحو الجبال المتشعبة، وفى صباح احد الايام وصلوا لقمة جبل صغير، وكانت القمة عبارة عن مساحة واسعة من الارض المستوية، وفى الناحية الاخرى بداية لسلسلة اخرى من الجبال اعلى بكثير من ذلك الذين يقفون على قمته فى تلك اللحظة.
ادركت خوافة انها تنظر الى حدود المرتفعات.
سقطت على ركبتيها واحنت رأسها وشكرت، وفى تلك اللحظة نسيت كل الشقاء والتعب والالم الذى تعرضت له. بعدها قامت خوافة من ركوعها . واخذوا فى عبور هذه المنطقة بسرعة لانه رغم ارتفاعها الا انها كانت مستوية حتى وجدوا انفسهم عند سفح الجبال العالية.
صعقت خوافة من رؤية شدة ارتفاع الجبال وتوقعت ان ترى طريق ممهد للصعود عليها ولكنها لم تجد.
نظرت خوافة بذهول !! وكلما نظرت زاد شعورها بالخوف، حتى بدأت ترتعش. كانت الجبال تحيط بهم من كل ناحية، حتى بدا ان الطريق الوحيد الممهد هو طريق الرجوع !!
لكن الام امسكت بيد خوافة واشارت الى غزال وآيل ظهرا من مكان ما بين الصخور بجانبهم وبدءا الصعود !! ووقف الثلاثة ينظرن !!
كان الطريق شديد التعرج،
وفى بعض الاحيان ضيق جدا ،
وفى اماكن متقطع، وغير متصل ببعضه،
فكان الغزال والايل يقفزان برشاقة ليستكملوا مسيرتهما حتى وصلوا الى القمة، واختفيا عن الانظار.
“ها هو الطريق لقد اوضحه لنا الغزال والايل،
لن نعود للوراء "
هكذا قالت اشجان مشجعة.
خوافة : لا … لا … هذا مستحيل انه طريق للايل وليس للبشر،
لا اقدر على الصعود هكذا فسوف اسقط واتحطم.
وبدأت ترتجف وتبكى بطريقة هستيرية واكملت:
مستحيل !! مستحيل .. لن اذهب للمرتفعات بعد كل هذا "
حاولت رفيقتاها ان تقولا لها شيئا ولكنها وضعت يديها فوق اذنيها حتى لا تسمع، واخذت تبكى من جديد.
" ها ها ها واخيرا التقينا مرة اخرى يا خوافة
!! كيف حالك الان ؟ سعيدة؟!!
التفتت خوافة ناحية الصوت ونظرت بفزع ..
لقد كان "جبان" !! واكمل : لقد توقعت هذا منذ البداية ..
هل ظننت انه يمكن ان تهربى منى الى الابد !!
انك من عائلة الخوف وسوف اخذك لمكانك لتكونى فى امان .
خوافة: لن اذهب معك .
جبان : اذن اختارى اما ان تصعدى على هذا الجبل،
ثم تقهرى فتنكسر عظامك او ترجعى معى.
خوافة .. تعرفين انه كاذب .. نادى على رئيس الرعاة حالا .
هكذا قالت رفيقتاها .. تمسكت خوافة بهما وقالت:
انا خائفة منه ، لانه سيقول لى انه يجب على ان اذهب فى هذا الطريق الصعب الخطر، لذا لا اقدر على مواجهته ..
آه ماذا افعل ؟!! ماذا افعل ؟!!
ربتت اشجان على كتفها قائلة : لابد يا خوافة ..
لابد ان تنادى عليه الان وبسرعة .
خوافة : سيطلب منى ان اصعد ارادتى ذبيحة ،
وانا لا اقدر ان افعل ذلك ، لا اقدر هذه المرة … آه .
ضحك "جبان" بانتصار وتقدم ناحيتها، ولكن رفيقتيهما احاطتا بها، ووضعتا نفسيهما بينه وبين ضحيته .
حينئذ نظرت اشجان الى الام التى فهمت الاشارة،
ثم هزت رأسها بالايجاب، واخرجت سكين صغير ولكنه حاد جدا من منطقتها ووخزت خوافة التى صرخت من الالم،
وفعلت ما كان لابد لها ان تفعل منذ جاءت لسفح الجبل، لقد صرخت " لماذا كثر الذين يحزنونى كثيرون قاموا على،
بصوتى الى الرب صرخت فاستجاب لى من جبل قدسه " (مز 3)
"لماذا يا خوافة ؟؟" جاءها صوت رئيس الرعاة :
تشددى انا هو لا تخافى .
كان صوته مملوء بالحب والقوة حتى ان خوافة شعرت بأن الحياة تدب فى كيانها مرة اخرى.
رئيس الرعاة : خوافة .. اخبرينى ماذا بك ؟ لماذا انت خائفة هكذا ؟!!
خوافة : وعدتنى بأنك ستجعل رجلى كالآيل وليس لجبانة تعرج مثلى .
رئيس الرعاة : ولكن يا خوافة بماذا وعدتك عندما كنت لا تزالين فى وادى المذلة ؟
خوافة : وعدتنى بأنك ستجعل رجلى كالآيل وتقيمنى على المرتفعات .
رئيس الرعاة : الطريقة الوحيدة ليكون لك ارجل الايل ، ان تذهبى فى طريقهم .
ارتعشت خوافة وقالت ببطء : لا اظن .. لا اريد .. لا اري ارجل الايل اذا كان لابد لى من الصعود على هذا الجبل .
ولدهشتها ابتسم رئيس الرعاة، وقال : بل تريدين .. انا اعلم ما فى قلبك اكثر منك .. انك تشتهين ان تكون لك ارجل الايل وانا اعدك بها .. ماذا قلت لك اخر مرة ؟
خوافة : قلت لى (انتظرى وانظرى ما انا فاعله) ولكنى لم اتخيل شئ هكذا .. اننى لست آيل ان هذا صعب جدا
رئيس الرعاة : وانا احب ان اصنع اشياء صعبة. ان اشتياقى هو ان احول الضعف الى قوة والخوف الى ايمان والنقص الى كمال .. !! ان هذا عملى الخاص !! وسوف احول خوافة الى … !! لننتظر ونرى ماذا ستكون !! خوافة هل تؤمنين بأننى سوف اغيرك ؟
"نعم"
"هل تدعينى اغيرك ؟"
"نعم"
"هل تظنى انه من الممكن ان اتخلى عنك ؟"
"بالقطع لا .. ارجوك تممم ارادتك فى .. لا شئ سوى هذا يهم "
وككل المرات السابقة انحنت، وركعت وقدمت ذاتها ذبيحة واخذت الحجرة المتبقية ووضعتها فى كيسها ثم وقفت على رجليها منتظرة انت تسمع ارشادات رئيس الرعاة .
"والان يا خوافة انت على سفح المرتفعات ومرحلة جديدة من رحلتك ستبدأ .. هذا الجبل اسمه "جبل التجريح" ويوجد جبال اصعب منه ، مثل جبل الكراهية ، وجبل الاضطهاد ، وجبل الانتقام ، ولا سبيل للوصول للمرتفعات الا اذا عبرت فوق واحد منهم، وانا اخترت لك هذا .. !! لقد تعلمت حتى الان درس الطاعة وهو اول درس فى المحبة والان يجب عليك ان تتعلمى الدرس الثانى اثناء صعودك على جبل التجريح لانه لن يؤذيك اى شئ اذا وعيته"
بعد ذلك وضع رئيس الرعاة يده فوق خوافة، وباركها، ثم نادى على رفيقتيها لانهما كانتا دائما تتركان رئيس الرعاة وخوافة اثناء حديثهما .
اخذ رئيس الرعاة حبلا ثم ربط به اشجان ثم خوافة واخيرا الام .
وهكذا كانت خوافة محاطة بمعونة رفيقتيها الشديدتين وحتى ان سقطت فسوف تستطيعان ان تجذباها الى اعلى .
اخرج رئيس الرعاة من جعبته زجاجة صغيرة بها دواء منعش ومقوى واوصاها ان تشرب منه لتشعر بالقوة .
كان اسم الدواء هو "روح النعمة والتعزية" وحالما شربت خوافة نقطتين او ثلاثة شعرت بحيوية جعلتها مستعدة للصعود دون تردد …
ودعهم رئيس الرعاة قائلاً : لن تقدرن على الوصول للقمة قبل انتهاء اليوم، لانه وقت الغروب الان، ولكن فى منتصف الطريق توجد مغارة وسط الصخور تستطعن ان تسترحن فيها. ولكن ان لم تصعدن الان فسوف يدرككن الاعداء واحذركن بأنك سوف تقابلوهم عند القمة .
عندما بدأت خوافة طريق الصعود اكتشفت ولدهشتها الشديدة ان الطريق ليس بالصعوبة التى كان يبدو بها، صحيح كان ضيق وشديد الوعورة، ولكن احساسها بأنها مربوطة بقوة اشجان والام اعطاها احساس بالامان. كما حفظها من الدوار والسقوط "روح النعمة والتعزية" وشعرت ايضا بأن رئيس الرعاة قريب منها جدا رغم انها لم تكن تراه. وعندما نظرت الى اسفل وجدت اعداءها الخمسة يتتبعونها بنظراتهم الحاقدة وهى تصعد الى اعلى !!
حتى "الشفقة على النفس" الذى كان يبدو اقل خطورة منهم اخذ حجارة ليرشقها بها ولكنها كانت بعيدة عن الذى كان يبدو اقل خطورة منهم اخذ حجارة ليرشقها بها ولكنها كانت بعيدة عن مجال الرمى. وتذكرت تحذير رئيس الرعاة بأنها سوف تقابل اعداءها مرة اخرى عند وصولها للقمة .
ووجدت خوافة اثناء صعودها ان المناطق التى كانت تبدو خطيرة من اسف ممهدة وسهلة الى حد لم تتوقعه .. واصلن الصعود حتى وصلن الى المغارة التى قال عنها رئيس الرعاة، فدخلن فيها ليبتن ليلتهن .
استيقظت خوافة فجر اليوم التالى واخذت تنظر حولها وتفكر: كما هو موحش هذا المكان، لا يوجد فيه اى كائن حى، ولو حتى شجرة .. هذه الصخور شكلها قاسى .. تبدو كما لو كانت تنتظر فريسة لتمزقها .
وفيما هى تفكر هكذا لفتت نظرها حمراء تنمو على جذع رفيع جدا وتشق طريقها بصعوبة بين الصخور الصلبة ، حتى انه لم يكن لها سوى ورقتين .
خوافة : ما اسمك ايتها ال الجميلة ؟
ال : اسمى "سماح" فتذكرت خوافة كلمات رئيس الرعاة : عند صعودك يجب ان تتعلمى الدرس الثانى فى المحبة .
خوافة : ولكن لماذا اسمك سماح ؟
ال : لاننى ابعدت عن صديقاتى ، وطردت من بيتى، وسجنت فى هذه الصخور، وتركت لاعانى من نتيجة افعال الاخرين، ولكننى تحملت، ولم اجزع، ولم اتوقف عن المحبة، فهى التى ساعدتنى ان اشق طريقى وسط الصخور، حتى اتمكن من رؤية وجه الشمس
(ملا 20:4) فلا يوجد شئ حولى يستطيع ان يحول انتباهى عنها … انها تشرق على فتفرحنى وتعوضنى عن كل ما خسرته، لا يوجد فى العالم كله تفرح بحالها وظروفها مثلى لانى دائما اردد : " من لى فى السماء ومعك لست اريد شيئا على الارض"
نظرت خوافة الى ال الحمراء بغيرة، وعرفت ما لابد ان تفعله، فسجدت وقالت : يا سيدى .. هوذا انا عبدتك سماح.
وعندما قالت هذا سقطت حجرة من جانب ال فوضعتها خوافة فى كيسها مع الاخريات.
رجعت خوافة الى حيث كانت اشجان والام فى انتظارها ليستكملن رحلتهن وبعد مسيرة قصيرة اتين الى منزلق خطير مما ادى سقوط خوافة للمرة الاولى، فجرحت جرحا عميقا ولحسن حظها انها كانت مربوطة جيدا برفيقتيها والا لسقطت الى سفح الجبل وربما اودى ذلك بحياتها .
عندما تصورت خوافة ما كان ممكنا حدوثه لها، ملأ الفزع قلبها وشعرت بدوار فجلست واخذت تستغيث : انى سأسقط .. انى خائفة .. اغيثونى .
قبضت اشجان بشدة على الحبل الذى يربطهما حتى لا تسقط خوافة
وجاءتها الام قائلة : اشربى من روح التعزية الذى اعطاه لك رئيس الرعاة
خوافة : لا اعرف اين وضعت الزجاجة .. اننى حتى غير قادرة عن البحث عنها .
قالت هذا وارتمت فى احضان الان التى اخذت تبحث عن الزجاجة فى جعبة خوافة حتى وجدتها، ثم اسالت بعض القطرات على شفتى خوافة، فبدأت تتقوى وتستعد للوقوف، ولكن لان ركبتيها كانتا قد جرحتا فقد سرن ببطء شديد، وخوافة تتأوه وتشتكى وتتذمر، وبدا انهن لن يصلن للقمة قبل حلول الظلام …
فقالت لها الام : خوافة … ماذا كنت تفعلين هذا الصباح عندما تجولت وحدك خارج المغارة؟
احمر لون خوافة خجلا واجابت : كنت اتأمل جميلة !!
الام : وما اسم ال يا خوافة ؟
خوافة بصوت هادئ خجول : اسمها سماح
وسكتت لانها ادركت انها لم تمارس ثانى درس فى المحبة
ثم قالت بعد قليل : هل يمكن ان اضع بعض من الدواء على ركبتى ؟!
اجابت اشجان والام : جربى .
وعندما وضعتا بعض من الدواء على ركبتيها توقف النزيف وقل الالم .. ولذلك مشين بسرعة اكبر حتى تمكن من الوصول للقمة وقت الغروب، فجلسن ليسترحن فوق العشب الاخضر ، وتحت ظلال اشجار الارز ، هنا سمعن صوتا جميلا ينشد : "كلك جميل يا حبيبتى، ليس فيك عيب هلمى معى من لبنان .. يا عروس معى من لبنان "
انظرى من رأس امانة .. من رأس شنير وحرمون من خدور الاسود .. من جبال النمور . ومن بين الاشجار ظهر رئيس الرعاة اتيا نحوهن . (نش 8:3)