ويقدّم لنا القديس بولس نفس المقاربة ما بين الفقر والغنى حينما يقول: “كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِماً فَرِحُونَ. كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ. كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (2كو 6: 10). هنا يضع لنا فقرًا في مقابل الغنَى، عدم ملكية وفي نفس الوقت امتلاك كلّ شيْ πάντα κατέχοντες!!! (امتلاك الكلّ)..
ويبدو من الكلمات أنه كيف يكون فقيرًا ويغني كثيرين إن كان يتحدّث عن فقر مادي وغنى مادي في نفس الوقت؟؟؟ هل حُرم القديس بولس من البركة، وفي نفس الوقت أُعطي القدرة لكي يهبها لآخرين؟!! فلو كان الأمر هكذا تكون هناك إمكانيّة لنوال البركة وأنت فقير تمامًا كبولس، الأمر الذي يجتث دعاوى ضرورة ارتباط البركة بالغنى. ولكن الكلمات لها مفهوم آخر غير تلك الرؤى السطحيّة التلفيقيّة لخدمة أغراض دعائيّة ماديّة لا تؤهِّل لملكوت ابن الله.
ولو كانت الكلمات هنا عن غنى مادي وملكية مادّية فإن كلمة نملك كلّ شيء تبدو محيّرة للغاية!! فهل نحن مدعوون كمسيحيين لنملك كلّ شيء مادي في العالم، أين ومتى تحقّق ذلك مع أي مسيحي في أي عصرٍ؟!!
الكلمات تقول لنا إن المسيح جاء ليدعو من يراهم الناس بلا إمكانيات ليهبهم إمكانيات فائقة حتى يكون المجد النهائي مقدّمًا لله. ألم يحارب مع جدعون بثلاثمائة رجل فقط وانتصر جدعون فكان المجد ليهوه العليّ؛ فَقَالَ الرَّبُّ لِجِدْعُونَ: «بِالثَّلاَثِ مِئَةِ الرَّجُلِ الَّذِينَ وَلَغُوا أُخَلِّصُكُمْ وَأَدْفَعُ الْمِدْيَانِيِّينَ لِيَدِكَ. وَأَمَّا سَائِرُ الشَّعْبِ فَلْيَذْهَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَكَانِهِ» (قض 7: 7)