كان من بين الحاضرين بلينوس الفيلسوف وإليوس الشغوف بالمعرفة، وأبولّلونيا الفتاة المجاهرة بالإيمان، وروحامه التائبة، وسارة الكسيرة القلب، وميلانيه وإيلارية وماريا بطلات المحبّة، وآخرون وأُخريات قد جاءوا ليقتاتوا بخبز السماء إذ لم تعد الأرض تُشْبِعُ جوعهم بحنطتها وزيتها..
دَخَلَ المُعلِّم يُجلّله وقارٌ لم يستلهمه من غنى الملبس أو حشد الخدم. كانت عيناه تشهد أنّه لم يهجع سوى سويعات قليلة في اللّيل إلاّ أنّهما كانتا ثاقبتان وكأنّهما تخترقان أفكار الجلوس. كانت هيبته فيضٌ يسري من جمّ تواضعه وغزير علمه وقوّة منطقه وعنفوان الحقّ المُعْلِن عنه. وقف أمامهم كما وقف المسيح أمام الجموعِ على الجبل، أَرْسلَ كلماته المغموسة في صحائف التقوى والبرّ، فملّحت قلوب المستمعين بملح النعمة الإلهيّة. وَقَفَ قبالتهم كما لقائدٍ مهيبٍ جلّلته بطولاتٌ في معاركِ الماضي القريب.. وقف للإعلان عن المعركة الأسمَى في الوجود والصراع الأقصَى في الحياة والنزال الأضنَى في أعماق الإنسان؛ صراع النور والظلمة.. الحقّ والبُطل.. البرّ في المسيح والفناء في أساطير الحجارة المُؤلَّهة. حملت نبراته فيضًا سماويًّا من المنِّ كان يُغذّي به أرواحهم الجائعة. فجّرَت كلماته ينابيع المياه الساكنة داخل قلوبهم لتروي نفوسهم الظمأى إلى الخلود والديمومة. نبّتت كلماته في وجدانِهم نبتاتَ من نورٍ أَرْسَلَت لقاحها إلى أرجاء النفس الفسيحة. كلماتُه كانت تتباسط مع البُسطاء تارةً وتُحلّق مع الفلاسفة تارةً أخرى، إلاّ أنّه في كلتا الحالتين كان لِسنٌ، بليغ العبارة، رشيق اللَّفظ، قوي المنطق والحُجّة، مالكًا البيان والتبيان، ذَلِقَ اللّسان، مُعلنًا أسرار الروح..