الفصل الحادي عشر: ضريبة الحب
تدحرج المِزلاج الصَدِئ الذي يُوصِد بوابة السجن على الفتيات، وجاءهم صوتٌ أجش يُلقي عليهم بالقصاص ويُنبئهم بموعد الجلدات.
تجرّعت الفتيات المسيحيّات الحُكم بقلوبٍ هادئةٍ وكأنّه كأسُ سمٍّ قد ارتسمت عليه علامة الصليب فانتُزِعَ منه الأذَى. بينما سَمِعَت سارة بالقصاص فبدأت تبكي وتنتحب وكأنّها تستعطفُ الأقدار لتتركها وترفع عن كاهِلها لعنات الماضي. فما كان من ماريا إلاّ أنْ توجّهت نحوها واحتضنتها بقوّةٍ وهي تقول: لا تخافي فنحن معك.
بدت على وجه سارة نظرة حائرة ولكنّها استسلمت لحضنها الدافِئ بالحبّ الذي حُرِمَت منه منذ زمنٍ بعيد..
اقتاد الجنود الفتيات إلى الملعب حيث الحشود مُجتمعة. فقد كان اليوم ذكرى ميلاد الإمبراطور وكانت تجري الاحتفالات في المدينة. بدأت الألعاب في الملعب بإعلان ذكرى مولد الإمبراطور الأعظم، وسط تهليل وتصفيق المجتمعين. دخلت فرق العدو والمصارعة للنزال وحصد المكافآت. لم تكن تلك الألعاب لتستهوي الجموع الذين أرادوا إثارة الدماء، فقد درجت العادة على أنْ يُعَاقب بعض المُجرمين وسط الألعاب لإضفاء الإثارة. نَزَلَ أحد المُدانين (كان قد قام بقتل ثلاثة من الجنود الرومان) وهو يحمل خنجرًا في يده بينما حاصره عشرة جنودٍ عليه نزالهم، وقد باءت مُحاولاته بالفشلِ فكانت ضرباته العفويّة تُقابَل بطعناتٍ من سيوفهم، وكانت الدماء تسيل منه بغزارةٍ وهو لا يقوى على الوقوف على قدميه، حتّى ضربه أحدهم بسيفه ضربةً أودت بحياته وسط صيحات وهتاف الجموع. لم تكُن الجموع ترتاع أمام موت هؤلاء المُدانين، فموتهم ليس سوى سفكٍ لدماءٍ رخيصةٍ تجري في عروق العامّة والدهماء كما قال المؤرِّخ تاسيتس من قبل.
أخرجوا جسده بينما دخلت الفتيات ليُلاقين القصاص على مرأى ومشهد من الجموع. قرأ جندي ذو صوتٌ جهوري أسباب العقاب.