الفصل السادس: المحنة
لم تكن سمعة النساء في روما أو المدن ذات السيادة الرومانيّة حسنة، فلقد كتب الشاعر جوفنال عن نساء روما قائلاً إنّهن أنانيّات، سليطات، مُخرِّفات، مسرفات، كثيرات الشجار، متعجرفات، مغرورات، مُحبّات للنزاع، زانيات، لا يكدن يتزوّجن حتّى يُطلّقن، ويستبدلن الكلاب المدلّلة بالأطفال. ولم تكن نساء الإسكندريّة سوى صورة من نساء روما ولكن في ثوبٍ شرقي مُتهلّلن. كان القانون الروماني لا يسمح بالزنى إلاّ أنّه أجاز تسجيل النساء كعاهرات في سجلاّت الدولة حتّى يتسنّى لهن ممارسة هذا النشاط الأثيم دونما مُساءَلة أو مُلاحقة قضائيّة. يمكنك أنْ تجدهن في أماكن ارتياد أشراف المدينة؛ عند مداخل المعابد، تحت الأروقة ذات العُمَد، في حلبات المصارعة، في دور التمثيل، في المتنزّهات والحدائق، في الحمّامات العّامّة، في الكثير من الأماكن. إلاّ أنّ أماكن الفقراء والمساكين لم تطأها أرجلهن.
وبالرغم من ثراء مدينة الإسكندريّة كأهم ميناء على البحر وكأكبر مركز علمي في العالم القديم إلاّ أنّ شوارعها الفسيحة كانت تغصّ بالمتسوّلين والمرضَى والمنكوبين ومن أثقلتهم الضرائب فراحوا يتلمّسون قوت يومهم. فالمدينة التي صارت موئلاً للعلوم والفنون والآداب.. ومَحَجّة الترف والمتعة.. وبلدة القصور المنيفة والحدائق الغنّاء.. كانت تعجّ أيضًا بالبؤس والشقاء. كان يتوافد عليها السُّكّان من مختلف أصقاع البلاد أملاً في لقمة العيش وتحسُّن الأحوال، فلا يجدون سوى الأرصفة لهم مسكنًا..