أبولّلونيا، صرخ إليوس..
جاءت أبولّلونيا مسرعة.. دخلت إلى الحجرة ووجدت أخيها مُمسكًا بالبرديّة..
نظر إليوس إلى وجهها نظرة حادّة، نابتة عن وجهٍ احتقن بحمرة الغضب، وصاح قائلاً: ما هذا؟
- إنّها برديّة أعطتني إياها صديقةٌ لي..
- أتعرفين ما الذي فيها؟
- بالطبع..
- إنه نصٌّ للمسيحيّين..
- أعرف
- وهل قرأته
- مرارًا
- لماذا؟
نظرت أبولّلونيا مباشرةً في عينيه وأجابته بنبرة هادئة:
- لأنّني مسيحيّة.
نزلت الكلمات على إليوس كالصاعقة. اكفهرّ وجهه، وتحجّر الكلام في حلقه، وتسمّر في مكانه وكأنّها قد ألقت عليه بتعويذة سحريّة ليصير كومةً من حجارة.
بعد لحظات استجمع فيها قواه ونهض من سبات صدمته وأفاق من ترنُّح خمر كلماتها، قال لها: متى حدث هذا؟
- منذ عِدّة أسابيع
- وهل تركت عبادة سيرابيس إلهنا؟
- إنّ الإله ليس قطعة من الحجر نصنعها ونرعاها -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى- ولكنّه خالقٌ كائنٌ قبل الأزمنة الأزليّة يرعانا ويحمينا ويقودنا إلى ملكوته الأبدي.. إلهنا قد تجسّد حُبًّا بالخليقة التي لمسها الموت والفساد فتغرّبت عن خالقها الحقيقي وتعامت عن حضوره في الكون فخلّقت آلهتها وتعبّدت لها وهي ليست سوى قطعًا حجريّة صامتة صمت الموت..
كانت كلماتها تحمل من الجرأة ما لم يعهده، فهوى بكفّه على وجهها وكأنّه استجمع قوى سيرابيس وغضبه ليكيل لها تلك الصفعة..
سقطت على الأرض وهي تنظر إليه بأعين يمتزج فيها القوّة والتحدّي بالحنو والرقّة، وقالت له:
إنّ الإيمان حريّة، والحريّة عطيّة الآلهة، فإن كانت الآلهة تهبنا تلك الحريّة، فلماذا ترفض أن أمارس حريّتي في اختيار عقيدتي؟؟
- إنها حريّة جوفاء، ستلتهم حضارتنا وثقافتنا وتراثنا، مثل تلك الحريّة لن نسمح بها أبدًا.. أبدًا..
- وهل تخافون من المسيحيين البسطاء المُضطَّهَدين العُزَّل الذين لم يحملوا سلاحًا يومًا لمواجهة حملاتكم المحمومة عليهم وإغارتكم على بيوتهم وأنتم تعملون النهب والسلب وتُصدِّرون لهم المهانة والسباب..
- إنّهم حُثالة المدينة..