أ ناموس موسى: هناك بعض عناصر في الشريعة كتحريم بعض الأنواع من الأطعمة وبعض أشكال الذبائح ليس لها أهمية أخلاقية في حد ذاتها. ويجب ألا ننسى أن تلك النواهي كانت كنواهي جنة عدن، ذات أهمية دينية فقط بإثارة موضوع الطاعة للرب، ومن ثم فإن الناموس يفترض مسبقًا تطور التعليم الديني والرمزية، ليفسح المجال أمام النمو الروحي للديانة الحقيقية والفضيلة، فلم يكن الناموس طبقًا لكلمة الله خاليًا أبدًا من مثل هذا التفسير. ب الأنبياء: كانت رسالة الأنبياء هي تعليم الناس أمور الدين، ولذلك كان عليهم أن يكونوا ضمائر متجسدة، أو تجسيدًا للديانة الحقيقية، ولذلك تزايد تأكيدهم للمعنى الأخلاقي والقصد الروحي من الطقوس. وتبدو العبادة في زمن إيليا وأليشع أحيانًا كما لو كانت مجرد طقوس قديمة وعبادة قومية. مع أن رسالتيهما اشتملتا على الكثير من الديانة الحقيقة والفضائل العملية، إلا أن الهدف المقصود جاء في قول إشعياء: "إليس هذا صومًا أختاره، حل قيود الشر، فك عقد النير واطلاق المسحوقين أحرارًا وقطع كل نير؟.."(إش 58: 6و7). وهكذا كان إصرار الأنبياء على توكيد المعنى الحقيقي للدين والفضيلة والأخلاق، كالهدف الحقيقي للوصايا والشعائر والطقوس المفروضة على الشعب اليهودي (هوشع 6، مي 6)، حتى استنتج البعض من ذلك أن الأنبياء كانوا ضد الناموس وكل طقوسه. والأصوب أن نقول إن الأنبياء قد علمهم الله طبيعة الدين والفضيلة كالهدف الحقيقي للناموس والطقوس والموعد، حتى أنهم عارضوا فهم الناموس والذبائح كمجرد طقوس بلا روح حقيقية. وما زال هذا الميل للاكتفاء بالشكليات والشعائر الخارجية حتى يومنا هذا يشوه باستمرار كل النواميس والعبادات. نحن نلجأ إلى الطقس لنعبر عن الروح، فنفقد الروح ونحتفظ بالشكل فقط، وبذلك نقضي على الهدف ونسقط في خطايا أشر. ج الرسول بولس: للناموس أحد تأثيرين على الطبيعة البشرية الأثيمة، فهو إما أن يؤدي إلى السطحية والمظهرية، مما يؤدي بدوره إلى خطية أكبر وأشنع في نظر الله، وإما أن يدفع إذا أخذ بجدية إلى اليأس التام من إدراك الإنسان للبر، كما حدث مع بولس، إذ يقول:" كنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي"(غل 1: 14)، ومع ذلك فقد وجد أن الناموس كان السبب في يأسه طالما كان ينهي، ليس عن الأعمال الخاطئة فحسب، بل عن الرغبة الخاطئة أيضًا (رومية 7)، كما اكتشف بولس أن الناموس قد كشف طبيعته الجسدانية الخاطئة، وأنه كان أداة لعمل الموت فيه، ولذلك فقد رأى أن الناموس "دخل لكي تكثر الخطية"(رو5: 20)، وهكذا صار الناموس "مؤدبنا إلى المسيح" (غل3: 24) حتى نموت بالناموس للناموس لنحيا لله (غل 2: 19). فالشرائع كوسيلة للخلاص هي وسيلة ميتة، فهو يعرف الجوهي الحقيقي للناموس ولب الديانة الحقيقية، وهو أن يصبح "تحت ناموس المسيح" (1كو 9: 20و21)، وهكذا يكون الناموس في معناه الحقيقي هو "ناموس روح الحياة في المسيح يسوع"(رو8: 2). د الرب يسوع: يبين الرسول بولس في كتاباته كيف استوعب تمامًا روح تعليم الرب يسوع، فقد أكرم المسيح الناموس:" لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل"(مت5: 17و18). لكن الرب يسوع كان يعلم أن الطريق الوحيد لحفظ الناموس هو حفظه من القلب بالروح، فالرغبة والقصد والسلوك هي كل شىء. فالزنا والقتل والانتقام خطايا بالطبع، إلا أن الشهوة والغضب وروح الانتقاب هي مسببات هذه الأفعال والخطايا، وهي المصدر الحقيقي للخطية الذي يجب علاجه. ومن ثم فإن حفظ الناموس معناه الطهارة والمحبة وروح الصفح. وفي الواقع إذا انتقلنا إلى المبدأ الذي نادى به الرب يسوع:" كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل "(مت5: 48)، فإن الرب يسوع يتخذ نفس الموقف الذي اتخذه وأعلنه فيما بعد الرسول بولس. فكما أن الخطية ليست مسألة أخلاق فحسب، بل هي مسألة موقف خاطئ من نحو الله والإنسان، فهكذا أيضًا الفضيلة والديانة هما في الواقع مسألة موقف روحي سليم من نحو الله والإنسان (مت 22: 35 39، لو18: 22). فكل تعبير أو تقنين للناموس الأدبي، إنما هو محاولة جزئية ناقصة وغير ناجحة لتجسيد الروح الحقيقية للناموس (رو 7: 6، 2كو3: 6). إلا أنه يجب عدم الانتقاص من شأن الناموس، رغم أنها لا يمكن أن تعبر عن، أو تخلق الروح الحقيقية للمواطن الصالح أو المواطن المسيحي.