(4) البدلية العقابية
والآن ننتقل للمرحلة الثانية في بنائنا للنموذج، وسوف نجلب له كلمة “عقابية” لكي تصف البدلية التي وضعناها في الرؤية. إن إضافة هذه “السمة”، كما يدعوها رامزي، هو لتثبيت نموذج البدلية (ليس حصرياً، ولكن تنظيمياً) داخل نظام القانون الأخلاقي، والضمير المذنب، والعدالة التي تطالب بالقصاص. وهكذا يتشكل النموذج كأداة للمفاهيم تبلغ فكر أن الله قد غفر خطايانا وقبلنا كأشخاص في النعمة ليس بسبب أي صلاح حاولنا تحقيقه، ولكن بسبب أن العقوبة التي كنا نستحقها قد تحولت منا إلى المسيح. إن المعنى الذي تعبر عنه عبارة “البدلية العقابية” هي أن يسوع المسيح ربنا، وهو مدفوع بالمحبة قد قرر أن يفعل أي شيء مطلوب لكي يخلصنا، وقد تحمل وأنهى الحكم الإلهي بالهلاك الذي لم نكن نستطيع بأي طريقة أخرى أن نهرب منه، وبالتالي فقد حصل لنا الغفران، والتبني والمجد. أن نؤكد على البدلية العقابية هو أن نقول أن المؤمنين مديونون للمسيح بالأخص من أجلها، وأنها هي النبع الأصلي لكل فرحهم، سلامهم وعبادتهم في كل من هنا وهناك في الأبدية.
إن الفكرة العامة واضحة بشكل كاف، ولكن لأجل هدفنا الحالي نحتاج لتحليل أكثر تفصيلاً لمعناها، وهنا لابد من إختيار طريقة للعمل، هل علينا أن نرجع للشروحات الموجودة بخصوص البدلية العقابية، أو أن نبني تركيباً جديداً خاص بنا؟ وخوفاً من الوقوع في خطأ التفسير الفقهي الذي يعتمد على الفتوى مما سبق شرحه بواسطة أخرون، سوف أتخذ المسار الأخير لأجل الأسباب الرئيسية التالية.
أولاً، لا يمكن إنكار أن البدلية العقابية كانت في بعض الأحيان، ومازالت حتى الآن، توضع في منطوق بطريق تستحق الصفة المفضلة لها من ناقديها – “فظه”. وكما هو متوقع من ما هو كان لأكثر من أربع قرون النبع الرئيسي للتقوى الإنجيلية – “تقوى عامة” كما يقول الروم الكاثوليك – فقد نمت طرق عرض البدلية العقابية التي تشجع على التكريس رغم أنها لم تكن لاهوتياً شديدة الدقة. والأكثر من ذلك، مالت معظم الشروحات اللاهوتية لها منذ وقت سوسيناس لمسار وحيد التفكير؛ محدد الرغبة بسبب الإنشغال المسبق بالنقاش الدائر، ومأخوذ في مهمة إعلان الحقيقة الحيوية عن الصليب والتي قد تخلى عنها الآخرون أو أنكروها، “شدد المتمسكون بالنظرية العقابية أحيانا على أن فكرة أن المسيح تحمل عقابنا حتى أنهم لم يعد لديهم مكاناً لشيء آخر. ونادراً ما أنكروا نظرياً قيمة النظريات الأخرى، ولكنهم في بعض الأحيان مارسوا الإهمال تجاهها”.[i] وأيضاً، كما رأينا من قبل، إن أكثر ما كان تكوينياً ومؤثراً كنقاش للبدلية العقابية تم في القرن السابع عشر، في وقت كان التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس مغلف بلاهوت طبيعي للقانون، غير منقود وفي الواقع غير مدرك، وهذا ترك علامته على الكثير من العبارات التالية. كل هذا، إن كان هكذا، فمن الصعب أن نجد تفسير للبدلية العقابية يمكن إتخاذه كقياس للتعليم بأمان تام أو يمكن إعتباره يقدم التعليم بشكل تام، وسوف يكون طريقنا أقصر كثيراً جداً بالتحديد إن تجرأت على إجراء تحليلاً خاص بي.
ثانياً، لقد ذكرت بالفعل أنني أعتقد أنه من المهم لنظرية البدلية العقابية أن يتم تقييمها على أساس أنها نموذج يقدم لنا معنى الكفارة أكثر من ميكانيكياتها. إن أحد نتائج أعمال اللاهوتيين البروتستنات العقلانيين عبر ثلاثة قرون، بدئاً من السوسينيين إلي الهيجيليين، هو تغذية الإفتراض المنتشر الآن أن مهمة المنطق في “نظريات” اللاهوت هو حل مشاكل “كيف” بداخل إطار مؤسس من الأفكار عن الله والإنسان. وبكلمات أخرى، النظريات اللاهوتية هي مثل نظريات المحققين في الروايات البوليسية؛ فهي إفتراضات تربط الحقائق المحيرة ببعضها البعض بطريقة ما حتى تتبدد كل الحيرة (لأنه جرى عرف الروايات البوليسية أن اللغز لابد أن يحل قبل الصفحة الأخيرة) والآن إذ قد رأينا أن، بسبب أسباب تاريخية محددة، تم تفسير البدلية العقابية كنظرية من هذا النوع، تقول لنا كيف أن الحب الإلهي والعدل الإلهي صارا، وكيف، “تصالحا” (مهما كان هذا يعني)؛ ولكن يبقى شك بخصوص هل هذه الطريقة في فهم الصورة الكاملة هي صحيحة كتابياً؟ هل كان توافق صفات الله هو جزء من المعلومات التي أراد كتاب الوحي أن يعطونا؟ أو هل هو النوع الصحيح من المعلومات؟ لقد وصف جوستاف أولين موضوع “كريستوس فيكتور” (المسيح المنتصر) (وهو لا يدعوها الآن نظرية) أنها فكرة درامية للكفارة عوض عن أنها ذات تركيب عقلاني، وقارن بينها في هذا الجانب وبين النظرة اللاتينية، والتي أحد صورها هو البدلية العقابية؛[ii] ولكن ألا يجب فهم البدلية العقابية كفكرة درامية، تعلن حقيقة الكفارة بشكل دراماتيكي، أي أنها كالإنجيل (الأخبار السارة)، تماماً كفكرة الانتصار الخاصة بآولين؟ أؤمن أنها يجب فهمها كذلك. إنه من المؤكد أن الجانب الأساسي الذي تهتم به البدلية العقابية ليس هو أخلاقيات الله ولا عقلانية طرقه، ولكنها تهتم بغفران خطاياي؛ والعمل الأساسي لمفهوم البدلية العقابية هو أن تربط بين معرفتي بأنني مذنب أمام الله ومعرفتي بأن، من ناحية، ليس هناك تساؤل الآن يمكن سؤاله من جهة هل سأدان من أجل خطيتي أم لا، و، من الناحية الأخرى، أن المسيح المقام الذي دعيت لكي أقبله رباً هو يسوع وحده، الذي ضمن حمايتي من دينونة الله بواسطة تحمله عقوبتي على الصليب. إن تأثير هذا الارتباط ليس بأي شكل هو مجرد “حل” أو إفشاء لسر عمل الله (فهو ليس ذا السر الذي يمكن فك شفرته تماماً)!؛ إن تأثير الارتباط هذا هو ببساطة تحديد هذا العمل بدقة، وهكذا يدفع للإيمان والرجاء والعبادة وردة فعل المحبة تجاه يسوع المسيح. لذا، فعلى الأقل، أفكر، ولذا آمل أن استعراضي للبدلية العقابية يظهر طابعها كنموذج دراماتيكي؛ ولذا أؤمن أنه من الأفضل أن أقدم تعريفي التحليلي الشخصي لها، الذي سوف أهدف لكي يكون وصفياً لكل ما اتفق عليه كل من تمسك بوجهة النظر هذه، وأيضاً إلزامياً لكيفية فهم عبارة (بدليه عقابية) في أي نقاش مستقبلي.
ثالثاً، إن كان الفحص الحالي للبدلية العقابية سيكون له قيمة وهو لابد أن يقدم هذه النظرة في أفضل نور لها، فأعتقد أن الشرح الانتقائي سوف يقربنا من هدفنا أشد اقتراب. إن النقد المعاصر المعتاد للشروحات الأقدم بخصوص موضوعنا هو أن، فوق كونهم أقل من أن يكونوا كاملين أخلاقياً (نقداً سوسيانياً)، هم أيضاً أقل من أن يكونوا شخصيين بالتمام. لذا، فعلى سبيل المثال، سي. دبليو. لامب رفض البدلية العقابية لانها تفترض أن “الله ينزل القصاص العقابي” و”هذا القصاص ليس شخصياً؛ لأنه يرى التعديات في صورة مطلقة … ويجب علينا ألا ننسب العدل القصاصي المطلق لله … أب الجنس البشري لا يتعامل مع أولاده على أساس الردع أو القصاص … إن إعدام مجرماً هو إعتراف بالهزيمة على مستوى الحب … لقد حان الوقت للتخلص من آثار نظرية الكفارة التي حركتها مفاهيم العقاب التي لم تجد شيئاَ صادماً في فكرة أن الله لابد أن يصلب الخطاة أو أن يستبدلهم بشخص آخر مكانهم. إنه الوقت، أيضاً، لإخراس فم المجدف الذي يصف رفض فكرة قصاص الله “بالشاعرية”".[iii] تظهر لغة لامب العنيفة قوة إقتناعه بأن القصاص ينتمي لنوع من العلاقات، غير شخصي وغير محب، وأن البدلية العقابية تهين الصليب بأن تضعه في هذا الجانب.
وأما ما قدمه جيمس دينني عن المقارنة بين العلاقات الشخصية التي يميزها الأدبيات الأخلاقية، وبين العلاقات القانونية التي تميل لأن تكون غير شخصية، خارجية وإعتباطية، أخرج في مرة منه ثورة غضب إن أخذت بمعزل عن باقي ما قدمه يمكن رؤيتها موازية لثورة غضب لامب. لقد كتب “لم تدهشني أمور كثيرة أكثر من أن أُتَهَم بتعليم “شرعي” أو “قانوني” أو قضائي” للكفارة … لا يوجد شيء أتمنى القضاء عليه من كل قلبي أكثر من هذا المفهوم المعبر عنه في تلك الكلمات. إن القول بأن علاقات الله مع الإنسان هي شرعية هو القول بأن ما ينظمها هو تشريع – وأن الخطية هي تعدي لهذا القانون – وأن الخاطئ هو المجرم – وأن الله يفصل القضية عليه بواسطة تفسير التشريع في تطبيقه عليه. فالجميع يعرف أن هذا تزييف للحقيقة.”[iv] إنه من الملحوظ أن دينني، بطل فكرة البدلية، لم يدعو بدلية المسيح “عقابية”؛ فمن موقفه، لابد أن يكون هذا التجنب متعمداً. ولكن دينني قد أكد هذه الحقائق الأربع: أولاً أن “العلاقات بين الله والإنسان .. شخصية، ولكن .. محددة بواسطة قانون (أدبي أو أخلاقي)”؛ ثانياً، “أنه هناك في طبيعة الأمور رد فعل تجاه الخطية وهو مهلك في تمام عمله، ورد الفعل هذا هو العقوبة الإلهية للخطية، وأن طبيعتها المهلكة النهائية هي ما قصده الكتاب المقدس لما قال أجرة الخطية موت”؛ وثالثاً، أن “ردود الفعل المحتومة للترتيب الإلهي ضد الشر .. هو الخطية نفسها التي ترجع مرة أخرى بصورة أخرى وتجد الخاطئ. وهي لا شيء إن لم تكن قصاصية”؛ ورابعاً، “أنه بينما المعاناه والآلام لم يكونا عقابيين بمعنى قادمين على يسوع بواسطة ضمير شرير، أو يجعلونه شخصياً هدفاً للغضب الإلهي، لقد كانوا عقابيين في معنى أنه في ساعات الظلمة تلك كان عليه أن يستوعب تماماً رد الفعل الإلهي الكامل ضد خطية هذا الجنس … وأنه بدون أن يقوم بهذا لم يكن يمكنه أن يكون الفادي لهذا الجنس من الخطية”[v]. إنه يبدو لي أن هذه التأكيدات تشير مباشرة لطريق لصياغة نموذج البدلية العقابية وهو نموذج أدبي أخلاقي وشخصي بشكل كاف لتجنب كل قيود لامب، وهو أيضاً يشمل كل ما يعنيه هذا المفهوم لكل من تبنوه. لكن الصياغة نفسها لابد أن تكون من صنعي.
والآن سوف أبدأ في محاولة تحليلية للبدلية العقابية كنموذج للكفارة، تحت خمسة عناوين: البدلية والقصاص؛ البدلية والتضامن؛ البدلية والسر؛ البدلية والخلاص؛ والبدلية الحب الإلهي. ويجب على الأخرين الذي يتبنون هذا النموذج أن يحكموا إن كنت حللته بدقة أم لا. [i]Leon Morris, The Cross in the New Testament, Paternoster Press, Exeter (1965) 401
[ii] Christus Victor, 175. etc
[iii] G. W. H. Lampe, ‘The Atonement: Law and Love’, in Soundings, ed. A. R. Vidler, Cambridge Uni versity Press (1962) 187ff.
[iv] Denney, op. cit., 271f.; from The Atonement and the Modern Mind. آخر عبارات دينني مبالغ فيها؛ كما قال جي. إس. ويل، “لم تفكر المسيحية في المسيح كمنتصر فقط وكذبيح، ولكن أيضاً “كخاطئ” (حل محل المهزوم، وصار منتصر، وحل محل المحكوم عليه بالموت وصار الذبيح لكن المقام، وحل محل الخاطئ، وصار هو برنا” وكل النماذج الثلاث (يدعوها ويل رموز) لها تبرير كتابي؛Cambridge University Press (1960) 70)
[v] Denney, The Christian Doctrine of Reconciliation, Hodder and Stoughton, London (1917) 187, 214, 208, 273. On pp. 262f. وفي أماكن أخرى يرفض دينني كل الإشارات التي تتحدث عن المساواه الكمية بين آلام المسيح الفعلية وبين الآلام التي سيعانيها الخطاة تحت الدينونة النهائية معتبرها مبهمة غير قابلة للفهم؛ لذا فإستيعاب تمام رد فعل الله ضد خطية الجنس البشري، مهما كانت تعني، فهي لا تعني المساواه الكمية.