إظهار الحقيقة:
ولكن لم يستمر نجم بطرس هذا متألِّقاً بعد ذلك مدة طويلة، فإن الوالي اكتشف خديعته، وقَلَبَ على رأسه الكيد الذي كاد به على هؤلاء المظلومين، ولذلك قبض عليه وقيَّده، وألقاه في سجن مُظلم، وأفرج عن الآباء جميعهم وصرَّح لهم بالذهاب كل واحد إلى مركز خدمته.
واستمر بطرس مسجوناً حتى عُزل الوالي وجاء مَن تعيَّن بعده، فأفرج عن كل المسجونين، وكان من ضمن المُفرَج عنهم بطرس، فقصد أن يكيد لخصومه مرة أخرى، فذهب إلى الخليفة واعترف بالإسلام، فأعطاه اسم "أبو الخير"، وسلَّمه أمراً إلى الوالي بمصر (أي القاهرة القديمة أو الفسطاط) ليُمكِّنه من التنكيل بخصومه، ولكنه لم يصل حتى سبقته الأنباء بموت الخليفة، فأُحبط مسعاه، وكظم غيظه في صدره. وبعد مدة مضى إلى بلدته التي وُلد فيها، فلما رآه أهله وأقاربه صار عندهم مبغوضاً ووبَّخوه على أفعاله. ثم مضى إلى الأساقفة الذين أبلاهم بالعذاب. وأخيراً مات.
يقول كاتب سيرة البابا مينا في كتاب "تاريخ البطاركة" هذا التعليق عن رسالة البابا مينا إلى الأساقفة:
[هكذا في كل زمان لا يدع الشيطان عروسة المسيح، الكنيسة الجامعة، بغير مقاومة لها، ويُقيم اضطراباً وسجساً لكي يغلبها بمناصبته لها. أما عريسها المسيح الحقُّ فهو يُحطِّم قوة الشيطان بالقول الذي قاله بطرس الرسول: إن أبواب الجحيم لن تقوى عليها].
نياحة البابا مينا الأول:
ثم أراد الرب أن يُنيِّح البابا أنبا مينا، وينقله إلى أورشليم العليا من هذا العالم، فتنيَّح في آخر يوم من شهر طوبة سنة 767م، بعد أن أمضى مدة ثماني سنوات و10 شهور و20يوماً.
ملاحظة عن سيرة البابا مينا (لمحة من أخلاق بابوات الإسكندرية):
يُلاحَظ أن كاتب سيرته اقتصر على ذِكر هذه القصة المؤسفة عن بطرس الراهب، ولم يذكر أية أخبار عن خدمة البابا مينا سوى أنه كان مهتماً بقطيع المسيح وتدبير الكرسي الإنجيلي بالنعمة التي معه، وأنه كان - مع هذا كله - حزيناً على ذلك المسكين البائس الخاطئ الذي أسلم نفسه للموت بالخطيئة، وصلَّى إلى الله قائلاً: "أنت الله الرحوم الذي قلتَ إني لا أحب موت الخاطئ مثلما يرجع ويتوب. وأنت يا رب تحفظ نفس هذا الآخر لئلا يموت في الخطية، بل خلِّصه لكي يندم ويبكي على خطئه حتى تحيا نفسه".
وفي هذا الوصف وهذه الصلاة التي كان يُصليها البابا مينا بحرقة من أجل الراهب بطرس، الذي أتى هذه الأعمال، وتسبَّب في المتاعب الجمة داخل السجن وخارجه للبابا مينا وأساقفته؛ أعظم درس لنا وللأجيال عن أخلاق وروحانية بابوات الإسكندرية، وكيفية تعاملهم مع مخاصميهم وحتى مع الذين يكيدون لهم عند الرؤساء: بالاحتمال، والصلاة من أجلهم؛ سلوكٌ جدير منا بالتأمُّل والتعجُّب.
يتبع