رابعاً: تطبيق المزمور:
o كيف عاش الرب يسوع هذا المزمور؟
نستطيع القول أن المزمور ينطبق على حياة الرب يسوع، ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن المتحدث في هذا المزمور هو السيد المسيح، إذ يقول: مكتوب أن الرب قال للرب "أنت ربي"... هنا يشير إلى الأقانيم من ذات الجوهر... فأننا لا نفهم وجود جوهرين مختلفين عن بعضهما البعض بل أقانيم، كلها من ذات الطبيعة.
- "احفظني يا رب فإني عليك توكلت": استهل داود صلاته بتوسل أن يحفظه الله ويهتم به، وهذه الصلاة تناسب داود النبي والسيد المسيح؛ فإن كان داود قد غلب جليات الجبار، ولم يكن له من يحفظه إلا الله ؛ قدم المسيح، أثناء تجسده صلوات وتوسلات بصراخ عظيم ودموع، إلى ذاك القادر أن يخلصه من الموت (عبرانيين 5: 7). وقد جاء في سفر إشعياء "هكذا قال الرب: في وقت القبول استجبتك وفي يوم الخلاص أعنتك، فأحفظك وأجعلك عهداً للشعب" (إشعياء49: 8).
- يسوع المسيح هو آدم الثاني: كعبد مطيع وكنائب وممثل لنا، أصلح طبيعتنا التي فسدت بعصيان آدم الأول، ومن خلال طاعته دخل إلى براثن الموت، وهو القدوس الذي لم يعرف الخطيئة، لهذا لم يرَ فساداً في موته. إذ لم يتجسد السيد ولا مات ليعلن عطفه نحو الآب فهذا موجود وثابت منذ الأزل، إنما نحو الخطاة، كاشفاً حب الآب وابنه لهم، وكل ما قدمه الرب من خير، إنما لأجل الخاطئ ، إذ يقول: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 13:6).
- لم يخضع المسيح للناموس البشري: موت يسوع وآلامه لم يكونا خضوعاً للناموس البشري، فهو لم يتألم ولا مات بسبب الخطيئة، بل بإرادته الحرة؛ لذا مات بالجسد ولم يمت بالروح، فقد اسلمها مباشرة في يد الآب، وبهذا لم تُترك نفسه في الجحيم ولم يرَ جسده فساداً، ويقولالقديس أثناسيوس الرسولي: "بدا كأن الجسد قابل للفساد، لكنه لم يبق هكذا بطبيعته، فإنه إذ لبسه الكلمة بقى بلا فساد. فقد جاء في جسدنا وتشبه بحالنا". وإذ يتنبأ داود بهذا يتحدث عن قيامة المسيح، ويؤكد العلامة اوريجانس هذا المعنى بقوله: "تعرّت نفس المسيح من جسدها، ونزلت إلى الجحيم لتتحدّث إلى النفوس المعرّاة من الجسد، وليردّ إلى الربطّ تلك المستعدّات. وليحتفظ يسوع في موته بحريّة التصرّف بنفسه فالمخلّص، وإن مات، فهو لم يمت كاللصين اللذين بينهما صُلب. فالموت لم يتغلّب عليه ولم يحتفظ به. وإن كان أخذ صورة العبد، وصار شبيهاً به، حتى جعل نفسه تحت سلطة المستبدّ، فلكي يجرّد الشيطان من قوّته وسلطانه، وينتزع منه الأسرى الذين يحتفظ بهم. بهذا الشكل تلاشى المسيح بإرادته وصار طائعاً حتى الموت على الصليب".
- قيامة المسيح:"لأنك لا تترك نفسي في الجحيم، ولا تدع صفيَّك يرى فساداً": يرى آباء الكنيسة أن هذه الآية تحقيق لما تم في حياة ربنا يسوع وحده ولا أحد سواه، فقد رقد في القبر لثلاثة أيام ولم يمسه الفساد، وصار لجميع الذين يؤمنون به رجاء لقيامة أكيدة (1 كورنثوس 15: 1-4؛ 20-23).
-انتصار السيد المسيح على الشيطان: حين ظن إبليس أنه قادر أن يطغى على ابن الإنسان بوعده أن يعطيه كل ممالك العالم إن سجد له (مت 4: 8-9 )؛ رفض ابن الإنسان ذلك لأنه ما جاء ليملك على الأرض، بل على القلوب، مفضلاً أن يكون الآب نصيبه وميراثه وكأسه... إذ قال "لتكن إرادتك لا إرادتي"، مع أنه واحد معه في ذات الإرادة الإلهية، لكنه رفض أن يتسلم كأس المجد من يد العدو، مفضلاً كأس الصليب، ككأس الطاعة والحب للبشرية ، مطيعاً حتى الموت.
-"أبارك الرب الذي أفهمني: "تهلل يسوع بالروح وقال: أحمدك أيها الآب، رب السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال" (لوقا 10: 21).يتهلل لسان يسوع ويفرح قلبه ويتمتع بالمجد الداخلي، ها هو يعلن "طريق الحياة" طريق المجد الأبدي خلال الصعود، حيث نرى وجه الله فنمتلئ فرحاً، ونعيش مع المسيح عن يمينه أبدياً. لقد صعد الرب وجلس عن يمين الآب، فاتحاً طريق السماء والمجد لكنيسته لترتفع معه كملكة وتراه وتجلس عن يمينه.. بهذا تتحول أحزان الكنيسة الزمنية إلى علة مجد أبدي!.
- الحكمة أثمن ما يقدمه الله للإنسان، ويسوع كلمة الله المتجسد هو "الحكمة"، فلا عجب أن يتهلل بالروح مسبحاً الآب لتمتع البسطاء بالفهم الروحي السماوي الخافي عمَّن ظنوا أنفسهم حكماء.
- " يمين": تشير إلى القوة، لهذا قيل في صعود المسيح أنه جلس على يمين الآب، أي يحمل قوة الآب، بكونه واحداً معه، ولا يعني هذا أن للآب يمين ويسار بطريقة مادية مكانية. فالجلوس عن اليمين إذن لا يعني أن الآب عن اليساره؛ لكن كل ما هو يمين في الآب وثمين فهو للابن القائل: "كل ما للآب هو لي" (يوحنا 16: 15)؛ من ثم إذ يجلس الابن عن اليمين يُرى الآب أيضاً عن اليمين، فإنه إذ صار إنساناً يقول: "رأيت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني كي لا أتزعزع". هذا أيضاً يكشف أن الابن في الآب، والآب في الابن، لأن الآب عن اليمين والابن أيضاً عن اليمين. وبينما يجلس الابن عن يمين الآب إذا بالآب في الابن.