عرض مشاركة واحدة
قديم 29 - 01 - 2013, 09:10 AM   رقم المشاركة : ( 37 )
the lion of christianity Male
سراج مضئ | الفرح المسيحى


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 1024
تـاريخ التسجيـل : Jan 2013
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : U.S.A
المشاركـــــــات : 753

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

the lion of christianity غير متواجد حالياً

افتراضي رد: كتاب مريم العذراء للمطران كيرلس سليم بسترس



2- مريم العذراء أمّ وشفيعة في الكنيسة

أ) شفاعة مريم العذراء

إنّ ذكر مريم في صلاة الكنيسة يهدف إذن الى التأمّل في ما صنعه الله تجاهها وفي تجاوبها مع عمل الله، للاقتداء بها والاشتراك معها في قصد الله الخلاصي. وفي هذا الإطار أيضًا يجب فهم دورها كأمّ لنا وشفيعة. ويؤكّد المجمع أنّ شفاعتها لا تُنقص شيئًا من وساطة المسيح. يقول:

إنّه واحد وسيطنا، كما يقول الرسول: "إذ ليس سوى إله واحد، وليس أيضًا إلاّ وسيط واحد بين الله والناس، المسيح يسوع، الإنسان هو أيضًا، الذي بذل نفسه فدية عن الجميع" (1 تي 2: 5- 6). وأمّا الدور الوالدي الذي تقوم به مريم تجاه الناس فلا يُضير شيئًا ولا يُنقص البتة من وساطة المسيح الواحدة هذه، بل يظهر، على خلاف ذلك، فعاليّتها.

"فإنّ كلّ تأثير خلاصي من العذراء الطوباوية في الناس يصدر عن تدبير مجّاني محضٍ من الله: إنّه لا يصدر عن ضرورة موضوعّية، بل ينبع من فيض استحقاقات المسيح، ويستند الى وساطته التي بها يتعلّق في كل شيء، ومنها يستمدّ كل فعاليّته. ومن ثمّ فاتّحاد المؤمنين رأسًا بالمسيح لا يجد منه أيّ حائل، بل يجد منه، على خلاف ذلك، عونًا وسندًا" (رقم 60).

ثمّ يضيف المجمع:

"ومنذ الرضى الذي أظهرته بإيمانها في يوم البشارة، والذي احتفظت به على ثباته بحذاء الصليب، تستمرّ أمومتها هذه، بلا انقطاع، في تدبير الخلاص، الى أن يكتمل نهائيًّا جميع المختارين. فإنّها بعد انتقالها الى السماء لم تنقطع مهمّتها في عمل الخلاص: إنّها بشفاعتها المتّصلة لا تني تستمدّ لنا النّعم التي تضمن خلاصنا الأبدي، وحبّها الأمومي يجعلها عينًا ساهرة على إخوة ابنها الذين لم ينته شوطهم بعده، أو تساورهم الأخطار والمحن الى أن يبلغوا الوطن السعيد. من أجل ذلك تدعى العذراء الطوباويّة في الكنيسة بألقاب مختلفة. فهي: المحامية والنصيرة والظهيرة والوسيطة، على أنّ هذا كلّه يُفهَم بوجه لا ينجم عنه أيّ انحراف أو زيادة بالنسبة الى كرامة الوسيط الواحد وفعاليّته، يسوع المسيح.

"فإنه ما من خليقة البتة يمكن جعلها على مستوى الكلمة المتجسّد والفادي. ولكن، كما أنّ كهنوت المسيح يشترك فيه، على وجوه مختلفة، الخدّام المكرّسون والشعب المؤمن، وكما أنّ جودة الله الواحدة تفيض بوجوه مختلفة على المخلوقات، كذلك وساطة الفادي الواحدة لا تنفي، بل تبعث في المخلوقات، على خلاف ذلك، تعاونًا مختلفًا مرتبطًا بالمصدر الواحد. وهذا الدور النسبي الذي تقوم به مريم تعترف بها الكنيسة بدود ما تردّد، ولا تني تَخْبُره وتوصي به قلب المؤمنين لكي يساعدهم هذا السند والعون الأمومي على التمسّك بالوسيط والمخلّص تمسّكًا أوثق" (رقم 62).

ترتكز إذن شفاعة مريم العذراء على كونها أمّ المسيح الفادي، وعلى كونها اشتركت مع ابنها في عمله الخلاصي، وبذلك صارت أمًّا للمؤمنين الذين هم أعضاء جسد المسيح. ويشير المجمع إلى قول القدّيس أوغوسطينوس: مريم هي "أمّ أعضاء المسيح... لاشتراكها بمحبّتها في ميلاد المؤمنين في الكنيسة الذين هم أعضاء هذا الرأس" (رقم 53). جوابًا على الذين يتردّدون في الاعتراف باشتراك مريم العذراء في الفداء، يجدر التنبّه الى التعبير الذي يستخدمه القدّيس أوغسطينوس والذي يورده المجمع: إنّ مريم "اشتركت بمحبّتها في ميلاد المؤمنين في الكنيسة". وهذا يعني أنّ اشتراكها ليس على مستوى العمل الخلاصي الذي قام به المسيح بموته وقيامته. فالمسيح هو إله وإنسان، ولذلك هو مخلّصنا الأوحد. والعذراء لا يمكن أن تدعى "شريكة ابنها الإلهي في الفداء" بالمعنى الكامل، بل يمكن القول فقط إنّها أسهمت مع ابنها بمحبّتها وطاعة إيمانها، كما يقول بولس الرسول عن الرسل: "فإنّنا، نحن، عاملون مع الله" (1 كو 3: 9)، و"معاونو الله" (2 كو 6: 1).

وترتكز أيضًا شفاعة مريم علي كونها اشتركت مع ابنها في المجد السماوي، بانتقالها بالجسد والنفس الى السماء. إنّ شفاعة القدّيسين يذكرها الكتاب المقدّس. في العهد القديم في سفر المكّابيين الثاني، إذ قصّ يهوذا المكّابي على رفاقه "نوعًا من رؤيا تجلّت له في حلم جدير بأن يصدّق، فشرح لهم صدورهم أجمعين. وهذه هي الرؤيا. قال: رأيت أونيّا، عظيم الكهنة السابق، رجل الخير والصلاح، المتواضع المنظر الحليم الأخلاق، صاحب الأقوال الطريفة، المواظب منذ صباه على جميع أعمال الفضيلة، باسطًا يديه يصلّي من أجل جماعة اليهود بأسرها. ثمّ تراءى كذلك رجل كريم المشيب، أغرّ البهاء، عليه جلال عجيب سام. فتكلّم أونيّا وقال: هذا محبّ الإخوة، المكثر من الصلوات لأجل الشعب والمدينة المقدّسة، إرميا نبيّ الله" (2 مك 15: 12- 14). أونيّا الكاهن يواصل بعد موته دور الشفيع الذي أدّاه مدّة حياته، وكذلك إرميا الذي تألّم كثيرًا في سبيل شعبه هو أيضًا شفيع له في السماء. هذا الدور المنسوب الى أونيّا وإرميا هو الشهادة الأولى لصلاة الأبرار الأموات لأجل الأحياء. والسفر عينه يذكر أيضًا صلاة الأحياء لأجل الأموات (2 مك 12: 39- 46).

وتتّخذ شفاعة القدّيسين في العهد الجديد بعدًا جديدًا بقيامة السيّد المسيح التي بها انتصر على الموت. فالذين يقدّمون حياتهم شهادة للمسيح، إمّا بالاستشهاد وإمّا بحياة البرّ والقداسة، "يحيون ويملكون مع المسيح... ويكونون كهنة لله وللمسيح ويملكون معه"، كما جاء في سفر الرؤيا (20: 4- 6)، ومعه يتشفّعون لأجل الأحياء. فإذا كان القدّيسون في السماء يتشّفعون مع المسيح لأجل الأحياء، فكم بالحريّ مريم العذراء، التي انتقلت الى السماء بجسدها ونفسها، تتشفّع أيضًا مع ابنها لأجل خلاص العالم. فبمَا أنّها حيّة في المجد السماوي، لم تترك العالم كما ترتّل لها الكنيسة البيزنطيّة في طروباريّة عيد رقادها وقنداقه:

"في ولادتك حفظت البتولية، وفي رقادك ما تركت العالم، يا والدة الإله. فإنّك انتقلت الى الحياة بما أنّك أمّ الحياة، وبشفاعتك تنقذين من الموت نفوسنا".

"إنّ والدة الإله التي لا تكفّ عن الشفاعة، والرجاء الوطيد في النجدات، لم يضبطها قبر ولا موت، بل بما أنّها أمّ الحياة، نقلها الى الحياة من سكن في حشاها الدائم البتولية"

ويقول القديس تيودورس الأستوذي:

"إنّ والدة الإله قد أغمضت جفني جسدها، ولكنّها ترفع الآن ألحاظ نفسها كنيّرين مشعّين عظيمين لا يستطيعان أن ينطفئا. لأنّها تسهر علينا وتتشفّع لدى الله في حماية العالم".

والكنيسة البيزنطيّة، مع إيمانها بأنّ المسيح هو المخلّص الأوحد، توجّه الى العذراء الدعاء التالي: "يا والدة الإله الفائقة القداسة خلصينا". فمريم تخلّص بشفاعتها وصلواتها لأنّها والدة الإله الفائقة القداسة، ولأنّها أمّنا جميعًا، ولأنّها انتقلت الى الحياة حيث تقف كملكة الى يمين ابنها، حسب ما جاء في المزمور 44 الذي ترى فيه الليترجيّا وصفًا لمريم العذراء: "قامت الملكة عن يمينك". فشفاعتها تستمدّها من وجودها الى جانب ابنها الإلهي لذلك يتمسّك التقليد في الأيقونة أن لا تُرسم العذراء وحدها، بل دومًا حاملة ابنها الذي هو المخلّص والفادي الأوحد، ولا شفاعة لأيّ من الناس بمعزل عنه.



ب) تكريم مريم العذراء في الكنيسة


إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني، في الوثيقة عينها، يحثّ المؤمنين على تكريم مريم العذراء تكريمًا خاصًّا، موضحًا طبيعة هذا التكريم وأساسه، والاختلاف الجوهري أن هذا التكريم وعبادة الله، فيقول:

"إنّ مريم قد رُفعت بنعمة الله، وإنّما دون ابنها، فوق جميع الملائكة وجميع البشر بكونها والدة الإله الكلّية القداسة الحاضرة في أسرار المسيح. لذلك تكرّمها الكنيسة بحقّ بشعائر خاصّة. والواقع أنّ العذراء الطوباويّة، منذ أبعد الأزمنة، قد أكرمت بلقب "والدة الإله". والمؤمنون يلجأون الى حمايتها مبتهلين إليها في كلّ مخاطرهم وحاجاتهم. وقد ازداد تكريم شعب الله لمريم ازديادًا عجيبًا، خصوصًا منذ مجمع أفسس، بأنواع الإجلال والمحبّة والتوسّل اليها والاقتداء بها، محقّقًا بذلك كلماتها النبويّة: "جميع الأجيال تطوّبني، لأنّ القدير صنع فيّ عظائم" (لو 1: 48). وهذا الإكرام، على النحو الذي وُجد عليه دائمًا في الكنيسة، يتّصف بطابع فريد على الإطلاق. غير أنّه يختلف اختلافًا جوهريًّا عن العبادة التي يُعبَد بها الكلمة المتجسّد مع الآب والروح القدس، وهو خليق جدًّا بأن يُعزَّز: إذ إنّ مختلف صيغ التقوى نحو والدة الإله التي تظلّ في حدود التعليم الأرثوذكسي السليم، وتوافق عليها الكنيسة مراعية ظروف الزمان والمكان وأمزجة الشعوب المؤمنة وعبقريّاتهم، تجعل أنّ الابن الذي لأجله وُجد كلّ شيء (كو 1: 15- 16)، والذي ارتضى الآب الأزلي أن يحلّ فيه الملء كلّه (كو 1: 19) يُعرَف ويُحَبّ ويُمجَّد ويطاع في وصاياه من خلال الإكرام لأمّه (رقم 66).

"فهذا المعتقد الكاثوليكي يعلّمه المجمع المقدّس بوجه صريح، ويُهيب، في الوقت نفسه، بأبناء الكنيسة لأن يسهموا بسخاء في الإكرام، ولا سيّمَا الليترجي، للعذراء الطوباويّة، وأن يبالوا مبالاة بالغة بالممارسات والشعائر التقويّة المتعلّقة بها والتي أوصت بها السلطة المعلّمة في غضون الزمن، ويوصي بالحفاظ بتديّن على جميع ما أُقِرَّ، في ما سلف من الزمن، بشأن تكريم صور المسيح، والعذراء الطوباويّة، والقدّيسين، ويحرّض بإلحاح علماء اللاهوت والمبشرّين بكلمة الله أن يمتنعوا بحرص، إذا ما تكلّموا على كرامة أمّ الله الفريدة، من كل غلوّ يخالف الحقيقة، وكل تزمّت لا مبرّر له. وإنّ لهم، من إكبابهم على الكتاب المقدّس ومؤلفّات الآباء والمعلّمين، ودراسة الليترجيّات بقيادة السلطة الكنسية المعلّمة، ما يجعلهم يستجلون، بوجه سويّ، مهمّة العذراء الطوباويّة وامتيازاتها الموجّهة على الدوام شطر المسيح معين الحقيقة الكاملة والقداسة والتقوى. وليحترسوا بحرص شديد من كلّ كلمة وكلّ فعل من شأنهما تضليل إخوتنا المنفصلين أو أيّ شخص آخر، بالنسبة الى تعليم الكنيسة الصحيح. وليذكر المؤمنون أنّ الورع الحقيقي لا يقوم البتّة على حركة من العاطفة عقيمة عابرة، ولا على السذاجة الباطلة، بل ينبثق من الإيمان الحقّ الذي يحملنا على الاعتراف بكرامة أمّ الله السامية، ويحفزُنا الى محبّة هذه الأمّ محبّة بنويّة والاقتدار بفضائلها" (رقم 67).


  رد مع اقتباس