أيها المدبر الحكيم، وضابط الكل الذي يقود الأكوان برأفته، ويسوس القلوب المكسورة بلطف لاهوته الفائق، يا من تنظر إلى ضعفنا البشري المتقلب بعين الرحمة والأبوة الحانية، وتجعل من ضيقاتنا معبراً سرياً لمعاينة مجدك. نسألك أن تخضع إرادتنا البشرية المتمردة لمشيئتك الصالحة الكاملة، وتنزع من عقولنا شهوة السيطرة والقلق الخانق على الغد، هاباً إيانا أن نسلم ذواتنا بالكلية لقيادتك الإلهية العجيبة، سائرين في دروب الحياة بعيون شاخصة نحو سمائك، متكلين لا على قوتنا الواهية، بل على ذراعك الرفيعة التي تسند الساقطين وتجدد رجاء اليائسين في كل أوان. يا من صممت كينونتنا بحكمة أزلية، وتعلم مواضع زللنا قبل أن تنطق بها شفاهنا، لا تتركنا لأهوائنا الذاتية، فإن عقولنا القاصرة تبحث دائماً عن الأمان في دروب فانية، وتظن الصلاح فيما تشتهيه النفس الترابية المتقلبة، فأتِ أنت يا رب، واملك على دفة سفينتنا، وكن السكّان والربان في بحر هذا الزمان الهائج المتلاطم. وعندما تشتد العواصف وتظلم السبل، ارفع قلوبنا فوق مستوى الرؤية البشرية الضيقة لنبصر يدك العلية، وامنحنا نعمة التسليم المطلق، تلك التي تجعل النفس تستريح في وسط أتون التجارب، عالمة أنك هناك معها، مفرغاً كؤوسنا من الأنا المتضخمة، ومن كبرياء الفكر الذي يظن أنه قادر على رسم مسارات الغد المجهول. علمنا كيف نقول "لتكن مشيئتك" لا بخوف المستسلم الذليل، بل بحب الابن الشاعر بالأمان والذي يثق في حكمة أبيه وصلاحه المطلق، وأنر عتمة حيرتنا عندما تتشابك الطرق، واجعل صوت إرادتك صوتاً داخلياً هادئاً يوجه كل نبضة فينا، لنُسقط من حساباتنا كل مجد شخصي، وكل رغبة لا تتفق مع قداستك وخطتك الخلاصية لأجلنا، خاذاً مشيئتنا ومصيراً إياها متحدة بمشيئتك، كقطرة ماء تذوب في محيط جودك الإلهي اللانهائي ولا تفارقه أبداً. واجعل من انكسار خططنا الأرضية انتصاراً لروحك فينا، ومن فشل طموحاتنا الأرضية نجاحاً لملكوتك السامي، فكل ما يصدر عنك هو خير مطلق، حتى وإن التحف بثوب الألم أو بدا لعقولنا القاصرة حِرماناً وضيقاً، فنحن نضع ذواتنا، ماضينا، وحاضرنا، وأيامنا المقبلة بين يديك المثقوبتين، واثقين برعايتك التي لا تغفو، ولتكن إرادتك هي صخرتنا، وحصننا، ونشيدنا الدائم، الذي نترنم به وسط تقلبات هذا الوجود الفاني، حتى نصل بأمان إلى ميناء أبديتك المضيء، ونعاين وجهك بغير حجاب، خاضعين وممجدين لك إلى أبد الآبدين