إِنَّ مُبادَرَةَ الإِرْسالِيَّةِ تَنْبَعُ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ، فَهُوَ "رَبُّ الحَصادِ" (متّى 9: 38)، وَهُوَ الَّذي يَدْعو وَيُرْسِلُ العَمَلَةَ إِلى حَقْلِهِ. وَالمَسيحُ هُوَ الَّذي أَطْلَقَ هٰذِهِ المُبادَرَةَ، لأَنَّ أَحْشاءَهُ تَحَرَّكَتْ شَفَقَةً عَلى الجُموعِ "لأَنَّهُمْ كانوا مُنْهَكِينَ وَمُنْطَرِحينَ كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها" (متّى 9: 36).
فَالدَّعْوَةُ الرَّسوليَّةُ لَيْسَتْ نَتيجَةَ اسْتِحْقاقٍ بَشَرِيٍّ أَو تَفَوُّقٍ شَخْصِيٍّ، بَلْ عَطِيَّةٌ مَجّانِيَّةٌ مِنَ اللهِ. فَالرَّسولُ لَمْ يَخْتَرْ نَفْسَهُ، بَلْ اخْتارَهُ المَسيحُ وَدَعاهُ إِلى خِدْمَتِهِ. لِذٰلِكَ قالَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ: "أَخَذْتُم مَجّانًا فَمَجّانًا أَعْطوا" (متّى 10: 8).
وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسْطينوسُ قائِلًا: "إِنْ كُنّا قَدْ نِلْنا كُلَّ شَيْءٍ مِنَ اللهِ عَطِيَّةً، فَكَيفَ نَفْتَخِرُ كَأَنَّنا لَمْ نَأْخُذْهُ؟ مَجّانًا نِلْنا، وَمَجّانًا يَنْبَغي أَنْ نُعْطي" (pl 38, 605).