القدّيسة أناهيد الشهيدة احتملَت العذابات في سبيل إيمانها
القدّيسة أناهيد
تحتفل الكنيسة الكلدانيّة بتذكار القدّيسة أناهيد سنويًّا في 18 يونيو/حزيران، مستذكرةً استشهادها في التاريخ عينه أواسط القرن الخامس الميلاديّ.
ويذكر الأب ألبير أبونا في كتابه «سِيَر الشهداء والقدّيسين-الجزء الثاني» قصّتها مرتبطةً باستشهاد والدها القدّيس آذورهرمزد والقدّيس بثيون. كان آذورهرمزد رئيسًا في بلاد بلشفر من منطقة بهرشابور الفارسيّة، حين جرَّبَ روحٌ شرّير وحيدته أناهيد بقساوة، وعجز «يهودٌ ومانويّون ومجوسٌ وسَحَرةٌ كثيرون» عن مساعدتها. فأشار على الحاكمِ جُلساؤه بالاستعانة ببثيونَ ليُبرئَها من سَقمها «فإذا وَضَع يدَه عليها، تشفى حالًا»، فأرسَلَها إليه.
في صومعته، ركعَ بثيون وصلّى ليطرد الروح الشرّير، قائلًا: «باسم ربّنا يسوع المسيح، لا يُسمَح لكَ من بعد أن تمكُثَ فيها. بل سُدّ فاكَ واخرج منها». ولمّا قامَ من صلاته، وضع يدَه عليها، فغادرَها الشيطان حالًا. وعادَ أبوها وأرسلها ثانيةً حين أصابها البَرَص بعد مدّة، فأبرَأها بثيونُ، وقال لها: «إذا أرَدْتِ أن تُشفَي من جميع أمراضكِ فاعترفي بالمسيح، وهو يكون حافظكِ من كلّ سوء». وإذ رأت الربَّ في رؤيا يَدعوها ويضع على رأسها إكليلًا، بادرت إلى اقتبال المعموديّة «مبتهجةً تسبّح الله»، ثمّ أعقَبَها والدها.
وإذ انتشر خبر إيمانِهما في البلاد، اجتمعَ المجوس وحاولوا أن يَردّوا أباها، فلم يُصغِ، فعقدوا مَجمعًا لمحاكمته، دافع في خلاله باستبسالٍ عن إيمانه المسيحيّ، واحتملَ الآلام والعذابات حتّى نالَ إكليل الاستشهاد. فحمَلَه جمع المؤمنين ودفنوه صوب صومعة القدّيس بثيون.
الشكر لله على نعمة المسيحيّة
كانت أناهيد قد هربت قبل استشهاد والدها، وجاءت وبَنَت كوخًا عند ضريحه و«عَكَفَت على حياة القداسة». وحين دَهَمَ الجنود كوخها، وَجدوها «راكعةً تصلّي وتناجي الله وتشكره على النعمة الكبيرة التي عملها لها، وهي أن تكون مسيحيّةً وأن تنبُذَ عبادة الأوثان». وحين مثلَت أمام «مَجمَع العظماء»، دعوها إلى الارتداد عن «ضلال أبيها الهالك»، عارضين عليها أموالًا وزواجًا ومجدًا دنيويًّا. لكنّ أناهيد «لاذت بالاحتشام والشجاعة، ولم تتزعزع... وأجابت: قد خُطِبتُ مرّةً واحدة للمسيح الخَتَن، ولا يسعدني أن أكون لرجلٍ آخَر».
وإزاء الإغراء والوعيد والتهديد والتعذيب الذي بلغ أقصى درجات القسوة، ثَبتَت أناهيدُ في إيمانِها، رغم أنّهم «قاموا بتعريتها وهي مربوطةٌ بشدّة، وانهالَ عليها رجلان جَلدًا بلا رحمة، حتّى انتزع لحمها عن عظامها... وربطوا ثديَيها بخيطَين وسحبَها رجلان حتّى سقطا على الأرض... وجَرَت دماؤها ساقيةً على الأرض...».
و«حين أخذوا الشهيدة إلى موضع الاستشهاد، كانت مبتهجةً تسبّح الله، إذ استحقّت أن تسيرَ في سبيل أبيها». وفي اليوم السابع، حضر جمعٌ من إكليروس ومؤمنين، حاملين «الإنجيل مع السُرُج والمصابيح، والبخور، ومياه معطّرة على أقمشة نظيفة للدفن»، فوجدوها تصلّي وتتضرّع حتّى قالت: «لكَ أيّها الآب الحقّ، ولابنكَ الوحيد، والروح القدس، المجد والشكر والتعظيم، الآن وفي كلّ آن وإلى أبد الدهور»، وحين أجابوا: آمين، أسلمت روحها وماتت. فحملوها بإكرامٍ، ووضعوها في قبر أبيها، «وختموا الصلاة وعادوا».