"إن كان الله قد تمجد فيه،
فإن الله سيمجده في ذاته،
ويمجده سريعًا". [32]
لقد تمجد السيد المسيح سريعًا عندما أُلقي القبض عليه، إذ سقط الجمع أمامه بكلمة من فمه، ولم يقدروا أن يقبضوا عليه إلاَّ بتسليم نفسه لهم (يو 18: 6). مجَّده الآب في آلامه وصلبه حيث شهدت الطبيعة نفسها أنه ابن الله، وآمن قائد المائة، كما آمن اللص الذي تلامس مع محبة المصلوب.
لكن ما هو أعظم فهو تمجيد ابن الإنسان بموته عن البشرية. وبتمجيده أعلن حب الآب الذي بذل ابنه الوحيد عن العالم، فتمجد الله في ابنه. وإذ تمجد الآب بموت الابن أعلن عن مجد ابنه بالقيامة من الأموات، فتمجد في ذاته كصاحب سلطان، وأن هذا المجد يتحقق سريعًا بقيامته حتى يظهر كمال مجده حين نراه وجهًا لوجه، خاصة في يوم الرب العظيم القادم أيضًا سريعًا.
ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع، فلم يقدر موسى أن يدخلها بسبب السحاب الذي غطاها (خر 40: 34-35). أيضًا عندما خرج الكهنة من الهيكل لم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة، إذ ملأ مجد الرب البيت (1مل 8: 10-11). وأيضًا عندما نزل موسى من الجبل ومعه لوحا الشريعة في يديه لم يدرك أن جلده كان يلمع بالمجد، فلم يقدر هرون وكل بني إسرائيل أن يقتربوا إليه (خر 34: 29-30). وفي التجلي انعكس مجد الرب يسوع على ثيابه التي صارت بيضاء كالنور (لو 9: 29-31).
في العهد القديم ظهر مجد الرب خلال السحابة أو بهاء وجه موسى، وفي العهد الجديد أثناء خدمة السيد المسيح ظهر مجده في تجليه، إذ انكشف بهاء وجهه، فكان مشرقًا كالشمس، وانعكس هذا المجد على ثيابه. أما وقد عُلق على الصليب، فقد ظهر مجد الآب والابن بالتعرف عليهما. لذا يرى العلامة أوريجينوسأن المجدهنا هو "المعرفة" التي لا يعرفها سوى الآب والابن ومن يريد الابن أن يعلنها له (مت 11: 27)، المعرفة التي لا يعلنها لحم ودم بل الآب السماوي (مت 16: 17).
في هذه العبارة قدم لنا السيد أربع حقائق هامة:
1. يتمجد ابن الإنسان بالصليب كغالبٍ لقوات الظلمة، ومحققٍ الخطة الإلهية من جهة الإنسان.
2. يتمجد الآب بالصليب، معلنًا حبه الإلهي نحو البشرية.
3. يمجد الآب ابنه بالقيامة وصعود الابن، حاملًا كنيسته فيه إلى السماء.
4. قد حان الوقت لتحقيق المجد سريعًا بلا تباطؤ.
* ماذا يعني: "الله سيمجده في ذاته"؟ إنه سيمجده بذاته وليس بوسيلة أخرى. "ويمجده سريعًا، أي في صلبه، لأن "حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين، من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (مت 27: 51-52) فهذا هو معنى "فإن الله سيمجده في ذاته". ما يقوله هو أنه ليس بعد زمن طويل، ولا ينتظر إلى وقت القيامة، ولا سيظهره باهرًا، وإنما سريعًا على الصليب نفسه يظهر بهاؤه.
القديس يوحنا الذهبي الفم