"فلما خرج قال يسوع:
الآن تمجد ابن الإنسان،
وتمجد الله فيه". [31]
حتى هذه اللحظات لم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يدركوا ما يدور حولهم، ولا أن يفهموا كلمات السيد المسيح عن صلبه وموته وقيامته، إنما حلّ بهم نوع من الاضطراب من جهة أحداث تبدو مجهولة بالنسبة لهم.
وسط هذا الاضطراب يعلن الإنجيلي أنه بخروج يهوذا لتتميم الخيانة تمجد ابن الإنسان، وتمجد الآب أيضًا، كيف؟
أولًا: إذ خرج العنصر الفاسد من وسط الكنيسة المجاهدة تمجد السيد المسيح واهب البرّ لشعبه. ما كان للفساد أن يبقى على الدوام وسط الكنيسة، إذ يحكم على نفسه باعتزال كنيسة المسيح الحقيقية.
ثانيًا: بخروج يهوذا سنحت الفرصة للتلاميذ الأطهار أن يسمعوا الأحاديث الوداعية الطويلة لمخلصهم، والتي قدمها لهم لمساندتهم، ليس فقط خلال أحداث الصلب، بل لتهب تعزيات إلهية للكنيسة المقدسة عبر كل الأجيال إلى حين مجيئه على السحاب. بخروج الفاسد المصمم على فساده، سنحت الفرصة ليروا السيد المسيح رئيس الكهنة الأعظم السماوي وهو يحدث الآب عن أسرار المجد الإلهي، وعن مساندة الكنيسة حتى تتمتع بشركة المجد.
ثالثًا: تمجد ابن الإنسان، لأن الآب اختاره مخلصًا للعالم، والآن يتحقق مجده بالأكثر إذ بدأ الموكب يتحرك للقبض عليه، وتسليمه للمحاكمة، والموت على الصليب. هذا هو مجد محبته الإلهية الفائقة.
يؤكد السيد لتلاميذه أن الأحداث القادمة مفرحة للغاية، إذ لا يمكن فصل دور الآب عن دور الابن في تحقيق خلاص العالم. إنها محبة الآب هي التي قدمت لنا الصليب (يو 3: 16؛ رو 5: 8). إنه الآب الذي في المسيح هو الذي صالح العالم معه (2 كو 5: 19). إنه الآب الذي باركنا في المسيح، إذ اختارنا قبل تأسيس العالم (أف 1: 3-4).
* بهذا القول أنهض السيد المسيح أفكار تلاميذه بعد سقوطها، وحقق لهم ليس فقط ألا يكتئبوا، بل أن يفرحوا.
* تكُتب هذه الأمور حتى لا نحمل حقدًا على من يضروننا، بل ننتهرهم ونبكي عليهم. فإن البكاء يليق لا على المتألمين بل على المخطئين. فالإنسان الجشع، والذي يتهم آخر باطلًا، والذي يمارس شرًا، هؤلاء يسببون لأنفسهم ضررًا أعظم، ويسببون لنا خيرًا أفضل، إن كنا لا ننتقم لأنفسنا. كمثال لذلك لو أن إنسانًا سلبك، فهل تشكر الله على ما أصابك وتمجده؟ بشكرك تقتني ربوات المكافآت، بينما يجمع هو لنفسه نارًا لا يُنطق بها.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* هذا هو السبب الذي لأجله يقول: "الآن تمجد ابن الإنسان" [31]، وذلك في وقت بدء تحقيق التدبير (الآلام) حيث يموت يسوع، وذلك عندما خرج يهوذا بعد اللقمة يتمم عمله ضد يسوع. وإذ لم يكن ممكنًا ليسوع أن يتمجد إن كان الآب لا يتمجد فيه، قيل: "تمجد الله فيه".
* تحقق المجد نتيجة لموت "ابن الإنسان" عن البشر، الذي لا يخص الكلمة الابن الوحيد الذي بطبيعته لا يموت، ولا للحكمة والحق، ولا إلى أي لقب آخر يخص سمات يسوع اللاهوتية، بل يخص الإنسان، الذي هو أيضًا "ابن الإنسان" المولود من نسل داود حسب الجسد (رو 1: 3).
العلامة أوريجينوس