فَتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه.
تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا" إِلَى قَطِيعَةٍ جِذْرِيَّةٍ مَعَ المِهْنَةِ وَمَعَ أَوْثَقِ الرَّوَابِطِ البَشَرِيَّةِ، لَيْسَ بُغْضًا بِالعَائِلَةِ، بَلْ تَقْدِيمًا لِوَلَاءٍ أَسْمَى.
يُشَدِّدُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى جِذْرِيَّةِ الدَّعْوَةِ، وَعَلَى أَنَّ ذِكْرَ
"الأَبِ" فِي النَّصِّ لَيْسَ عَرَضِيًّا، بَلْ مَقْصُودٌ لِإِبْرَازِ قُوَّةِ الدَّعْوَةِ:
"لَمْ يَقُلِ الإِنْجِيلُ إِنَّهُمَا تَرَكَا السَّفِينَةَ فَقَط، بَلْ أَضَافَ: وَأَبَاهُمَا،
لِيُظْهِرَ أَنَّ شَيْئًا، وَلَا أَحَدًا، وَلَا حَتَّى الأَبُ نَفْسُهُ،
يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى دَعْوَةِ المَسِيح"
(العِظَات على إنجيل متّى).
َالسَّفِينَةُ تَرْمُزُ إِلَى مَصْدَرِ الرِّزْقِ وَالأَمَانِ الزَّمَنِيِّ، وَالأَبُ إِلَى الرَّابِطَةِ
الأُسْرِيَّةِ وَالانْتِمَاءِ التَّقْلِيدِيِّ؛ وَتَرْكُهُمَا يَعْنِي أَنَّ دَعْوَةَ التَّلْمَذَةِ تَطْلُبُ
إِخْلَاصًا كَامِلًا مِنَ القَلْبِ.
يُفَسِّرُ أوغسطينوس "تَرْكَ الأَبِ" لا كقَطِيعَةٍ عَاطِفِيَّةٍ،
بَلْ كَإِعَادَةِ تَرْتِيبٍ لِلْوَلَاءِ، حَيْثُ تُقَدَّمُ طَاعَةُ اللهِ عَلَى أَسْمَى رَابِطَةٍ
بَشَرِيَّةٍ: "لَمْ يَتْرُكُوا أَبَاهُمْ بِغَيْرِ مَحَبَّةٍ، بَلْ تَرَكُوهُ بِمَحَبَّةٍ أَعْظَم؛
لأَنَّ مَنْ يَتْرُكُ الأَبَ الزَّمَنِيَّ لِيَتْبَعَ الآبَ السَّمَاوِيَّ،
لا يَفْقِدُ الأَبُوَّةَ بَلْ يَجِدُهَا فِي مَلْئِهَا"
(عِظَات على الأناجيل).