"ثم صب ماء في مغسلٍ،
وابتدأ يغسلأرجل التلاميذ،
ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها". [5]
انتظر السيد حتى اتكأ الجميع حول المائدة، وكانت العادة في تلك الأيام ألا يجلس الآكلون على كراسي حول المائدة، ربما يمكن للعبد أن يجلس على كرسي حين يأكل، أما الشخص الحرّ فيتكئ على ذراعه (الكوع) الأيسر ورأسه متجهة نحو المائدة والقدمين من الجانب الآخر.
كانت العادة أن يقوم أحد العبيد بغسل الأقدام، وإذ لم يوجد بينهم عبد ربما توقع الكل أن أقلهم سنًا أو مركزًا يقوم بهذا العمل، لكن السيد قام بنفسه بهذا الدور. وهو بهذا يرفع من كرامة العبيد، إذ هم يمارسون هذا العمل قسرًا بحكم وضعهم الاجتماعي، أما السيد فقام به بكامل حريته بمسرة، خلال تواضعه وحبه. هكذا لا يعود يأنف العبد من ممارسة أي عمل، يمارسه من أجل الرب، لا خوفًا من الناس. وكما يوصيهم القديس بولس: "أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوفٍ ورعدةٍ في بساطة قلوبكم كما للمسيح، لا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح، عاملين مشيئة الله من القلب، خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحدٍ للخير فذلك يناله من الرب، عبدًا كان أم حرًا" (أف 6: 5-8).
يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح لم يغسل قدمي يهوذا، إذ ليس له نصيب معه بسبب إصراره على شره. بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد بدأ بغسل قدمي يهوذا أولًا ليقدم له كل عمل محبة حتى اللحظات الأخيرة قبل قيامه بالخيانة، لعله يراجع نفسه ويتراجع عن شره.
* يبدو لي أنه غسل قدمي الخائن أولًا بقوله: "وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" [5].
* انظر كيف أظهر السيد المسيح طريق التواضع، ليس بغسل أقدامهم فقط، لكنه أوضحه بطبيعة أخرى إذ نهض بعد اتكاءهم كلهم. ثم لم يغسل أرجلهم على بسيط الحال، لكنه غسلها بعد خلع ثيابه. ولم يقف عند هذا الحد، لكنه اتزر بإزار، ولم يكتفِ بهذا لكنه ملأ المغسل بنفسه، ولم يأمر آخر أن يملأه. مارس أعمال الغسل بنفسه كلها ليرينا أن نمارس أعمالنا لا في شكليات بل بكل نشاطنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* لم يأخذ إبراهيم بنفسه ماءً، ولا قام بنفسه بغسل أقدامهم كغرباء جاءوا إليه، بل قال: "ليؤخذ ماء ويغسلوا أرجلكم" (راجع تك 18: 4). كما لم يحضر يوسف ماءً ليغسل أقدام إخوته الإحدى عشر، إنما الرجل الذي على بيت يوسف أحضر إليهم شمعون وجاء بماء ليغسل أقدامهم (تك 43: 23-24). أما ذاك الذي قال: "جئت ليس كمن يتكئ على مائدة بل كمن يخدم" (راجع لو 22: 27). وبحق يقول: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29)، هو بنفسه صب ماءً في مغسل. فإنه قد عرف أنه لا يستطيع أحد أن يغسل أرجل التلاميذ مثله بطريقة بها يكون لهم نصيب معه[8].
* الماء في رأيي هو الكلمة الذي يغسل أقدام التلاميذ عندما جاءوا إلى المغسل وجلس يسوع أمامهم.
العلامة أوريجينوس