وجهة نظر أليفاز التيماني الذي كان كل همه الدفاع عن طهارة وقداسة وبرّ الله، فَقَارنَ بين الله وأسمى خلائقه، وإن كانت أسمى الخلائق في نظر أليفاز هم الملائكة لحكمتهم ومعرفتهم، فإن هذه الحكمة وتلك المعرفة بجوار الحكمة والمعرفة اللانهائية تعد نوعًا من الحماقة، وقداستهم وكمالهم بجوار قداسة وطهارة الله وعصمته كلا شيء، بدليل أنه سقط منهم طائفة ليست بقليلة، فيحق لأليفاز أن ينسب لأولئك الملائكة الذين سقطوا الحماقة. كما أن الله لم يأتمن أحد من الملائكة على خلاص جنسنا لأن هذا ليس في استطاعة أحد منهم، لأن الفادي يجب أن يكون غير محدود بينما الملاك محدود، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وهذا ما تُردده الكنيسة في صلوات القداس الإلهي: "لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبي ائتمنتهم على خلاصنا. بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست" (صلاة الصلح للقداس الإغريغوري). وأيضًا قول أليفاز أن الله لا يأتمن قديسيه وملائكته، يمكن أن تؤخذ بمعنى أن الله كامل في ذاته متكامل في صفاته، فهو لم يكن في حاجة إليهم، وهو يجري مشيئته بدون الحاجة إليهم، وعندما يكلف أحد منهم بمهمة فأنه يمنحه القوة اللازمة لتنفيذ هذه المهمة.
وقد أراد أليفاز أن يصل إلى نتيجة وهي إن كان الله لا يأتمن عبيده من الملائكة والأنبياء القديسين، وإن كان ينسب لملائكته حماقة فمن هو أيوب حتى يتبرَّر أمامه..؟! وبمعنى آخر هل يمكن للإنسان أن يكون بارًا بلا عيب أمام الله أو طاهر أمام خالقه..؟! حقًا قال داود النبي: "وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ" (مز 143: 2)، وقال إرميا النبي: "أَبَرُّ أَنْتَ يا رب مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ" (إر 12: 1).