عرض مشاركة واحدة
قديم 08 - 02 - 2026, 12:28 PM   رقم المشاركة : ( 229432 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,410,422

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

لم يهلك ولم يحترق أيوب بنيران التجربة التي جاز فيها، إنما تنقى بلظى هذه النيران من بره الذاتي، بعد أن تجرد من كل شيء. ويقول " تشارلس ماكنتوش": " أيوب لم يسبر غور قلبه ولم يعرف ذاته تمامًا. استعصى عليه إدراك حقيقة خرابه الكُلّي وفساده الكامل. لم يتعلَّم أن يقول " أنا أعرف أن فيَّ أي في جسدي لا يسكن شيء صالح"... إن ضمير أيوب لم يكن أمام الحضرة الإلهيَّة وأنه لم يرَ نفسه في النور الإلهي. لم يقسها على المقياس الرباني ولم يزنها في موازين المقادس السماوية... ولو رجع القارئ إلى الأصحاح التاسع والعشرين لرأى برهانًا ساطعًا لما نقول إذ يشاهد جليًا جذور البِرّ الذاتي والافتخار بمحاسن النفس نامية في قلب عبد الرب العزيز المشهور كما أنه ينظر كيف أن البركات الأرضية التي زوده بها الله قد آلت إلى زيادة نمو هذه الجذور... ويتضح من عباراته ونغماته كيف كان من الضروري أن يُجرَد أيوب من كل شيء كي يدرك ذاته في نور الحضرة الإلهيَّة. والآن لنعر أذانًا صاغية لما يقول:

" يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأَيَّامِ الَّتِي حَفِظَنِي اللهُ فِيهَا، حِينَ أَضَاءَ سِرَاجَهُ عَلَى رَأْسِي، وَبِنُورِهِ سَلَكْتُ الظُّلْمَةَ... وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ضَحِكَ عَلَيَّ أَصَاغِرِي أَيَّامًا، الَّذِينَ كُنْتُ أَسْتَنْكِفُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَ آبَاءَهُمْ مَعَ كِلاَبِ غَنَمِي" (أي 29: 1-30: 1). هذه أقوال بالغة بلا شك الحد الأقصى من العظمة وإننا لنتلمس عبثًا العثور فيها على أي أثر للروح المنسحقة المنكسرة، كما أنه ليس هنالك أية إشارة تشعر بعد الثقة بالنفس أو التقزز من الذات، ويتعذر علينا أيضًا أن نجد عبارة واحدة تنبئ عن الشعور بالضعف والإحساس بالفراغ، بل بالعكس نشاهد خلال هذا الأصحاح أن أيوب يشير إلى نفسه أكثر من أربعين مرّة في حين أنه يشير إلى الله خمس مرّات فقط، وهذا يعيد إلى ذاكرتنا الأصحاح السابع من الرسالة إلى أهل رومية حيث نجد كلمة " أنا " يغلب ذكرها، ولكن شتَّان بين الاثنتين " فأنا " في تلك الرسالة هو شخص يقر أنه إنسان مسكين ضعيف لا حول له ولا قوة غير نافع بالمرّة، خليقة محتقرة أمام ناموس الله المقدَّس بينما " أنا " في أيوب ص 29 هي كناية عن شخص ينبئ عن نفسه أنه ذو نفوذ وجاه يعجب به الجميع ويكاد الكل أن يخروا له سجَّدًا.

مِن هذا نجد أن تجريد أيوب من كل ما كان عنده كان أمرًا ضروريًا، ولو راجعنا الأصحاحين التاسع والعشرين والثلاثين لرأينا كيف كانت عملية التجريد مُرّة ومؤلمة"